افتتاحية العدد ١٢: ١٣ نيسان- ١ أيار

نشر في‫:‬الخميس, ايار 15, 2008 - 17:51
الكاتب/ة: المنشور.

تجتمع في هذه الفترة من العام مناسبات “سعيدة” عديدة، من ١٣ نيسان ذكرى اندلاع الحرب الأهلية رسمياً، إلى ذكرى النكبة مروراً بذكرى مجزرة قانا وسقوط بغداد الذي مضى على احتلالها ٥ أعوام… ويبدو أن شعوب المنطقة اعتادت على إضافة ذكرى أليمة جديدة إلى القائمة مع تقدم الزمن، إلا أنها لم تتعوّد بعد على تحديد المسببات والمسؤوليات في تلك النكبات المتتالية والمتشابهة في أحداثها ونتائجها الكارثية.

إلى هذه المناسبات تضاف بعض الأحداث الخاصة بالعام الجاري والتي قد تتحول إما لمناسبة أليمة أخرى وإما إلى واحدة من تلك اللحظات النادرة التي تدعو للاحتفال. فموجة ارتفاع الأسعار العنيفة التي تضرب المنطقة والتي أدت إلى تراجع القيمة الشرائية للعمال وذوي الدخل المحدود فيها، والتي قوبلت بلامبالاة من قبل الأنظمة التي لم تستخدم أي من السياسات الكابحة لارتفاع الأسعار (كمحاربة الاحتكارات وتحديد هوامش الربح على سبيل المثال)، وتعنت لامتناه من قبل أصحاب العمل الذي يرفضون تصحيح الأجور ويهددون بزيادة الأسعار إذا ما طالب العمال بذلك، كل ذلك لم يمر دون ردة فعل من قبل الطبقة العاملة التي وصلت حركتها إلى مصر، على وجه الخصوص، إلى مراحل متقدمة استطاعت إرباك النظام الحاكم وانتزاع بعض الحقوق وإن كانت مجتزأة.

إلا أن الإجابات الجذرية عن التردي الاقتصادي العام لم تطرح بعد. فارتفاع الأسعار وتجميد الأجور ليست إلا نتائج للسياسات النيوليبرالية التي تتبناها أنظمة المنطقة كافة، “الممانعة” منها و”المعتدلة”. وهنا يأتي دور اليسار في وضع هذه الانتفاضات والتحركات العمالية النقابية في إطارها السياسي الصحيح ضمن برنامج سياسي بديل ومستقل للطبقة العاملة في المنطقة.

لا نقول بالطبع أن لا عوائق تشوب طريق تأدية هذه المهمة، وإنما لها من الأهمية ما يكفي لدفعنا إلى مجابهتها. ولا ندعي بالطبع أن أداء اليسار في المنطقة وفي لبنان يدعوان إلى التفاؤل والاستبشار خيراً. فالتعاطي مع ذكرى ١٣ نيسان في لبنان هذا العام ساده نوع من البكاء على الأطلال ومن القدرية، ووصل حد الابتهال. ولم يلامس الخطاب السياسي للتحركات في ذكرى اندلاع الحرب الأهلية في لبنان الأسباب الاقتصادية الاجتماعية التي أدت إليها، كما لم تجر الأطراف اليسارية المشاركة في هذه الفعاليات أي مراجعات لقراراتها السياسية التي حولت “الثورة الإصلاحية” الممتدة من أواسط الستينات إلى أواسط السبعينات، إلى صراع طائفي مناطقي لا يمت إلى التقدمية بصلة بسبب إخضاع مصير الطبقة العاملة لأهواء البرجوازية المدعية التقدمية.

بل نجد اليوم بين مدعي اليسار من يتبجح بأن الطائف كان انجازا للحركة الوطنية وأن شهداء هذه الحركة مرتاحون في قبورهم بعد أن تحققت أحلامهم ببلد ديمقراطي يضرب به المثل في تحقيق العدالة الاجتماعية. وبعد، فإن الطروحات المناهضة “للحرب الأهلية” لم تر في المحاسبة رادعا لاندلاع مثيلاتها، وإنما ردت الخطر إلى القرارات الوجودية للشعب اللبناني الذي، برأيها طبعا، إما أن ينخرط في حرب أهلية جديدة أو ألا يفعل ذلك، بغض النظر عن مصير النظام الطائفي العفن ومجرمي الحرب المسيطرين على البلاد سياسيا واقتصاديا. وكأن الحروب لعبة شطرنج، نبدأها حين نريد وننهيها متى مللنا اللعب.

وفي ذكرى الحرب لا بد أن نكرر أن طي صفحة الماضي لن يتم وأن الناس لن يسامحوا حتى يروا رادعا يضعه النظام السياسي أمام من تسول له نفسه أن يعيدها. وهذا الرادع يبدأ باعتراف مكونات المجتمع اللبناني أن ما حصل من جرائم وفظائع يجب أن يكشف وأن تتم محاسبة المسؤولين الفعليين عنها، وألا تتحول حجة “كلنا مسؤول” إلى غطاء لمجرمي الحرب الفعليين الذين ذبحوا ونكلوا وقصفوا بأيديهم وارتكبوا جرائما لا يغفر لها عاقل ولا قانون. والمسؤولية الجماعية الفعلية لا تلغي المسؤولية الشخصية لقيادات وأطر الميليشيات والمجموعات المشاركة.

هنا، فإن أول خطوة نحو العدالة تكون بإلغاء قانون العفو وتحديد المسؤولين عن جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وفضحهم ومساءلتهم، مهما كانوا يمثلون ومهما كان مقامهم، من الأشخاص الذين انتقلوا إلى حياة “عادية” إلى أولئك الذين “تغلغلوا” في قطاعات المجتمع (لا يكفي أن نستنكر دمج الميليشيات في القوى الأمنية، فلم يكن أقل سوءا دمج بعضهم في الصحافة والتربية والثقافة بأشكالها وألوانها). فقط عندما تتم المحاسبة، قد يحق لهم طلب السماح… وربما نسامح.

وكنا أن الأداء السياسي في موضوع الحرب الأهلية في لبنان لن يؤدي إلى إلغاء الأسباب الجذرية لتلك الحرب وبالتالي لن يستطيع ردع حرب جديدة، فالتعامل بالطريقة ذاتها مع القضايا الاقتصادية الاجتماعية ومحاربة محاولة الامبريالية السيطرة على كل شاردة وواردة في حياة الناس ومصالحهم، إن من خلال الاحتلال المباشر أو أذرعته الإنسانية والتنموية لن يحل الأولى ولن يردع الثانية.

الأزمة الاقتصادية في لبنان، كما في معظم دول العالم الثال، أزمة بنيوية بالدرجة الأولى أفرزت طبقات حاكمة تستفيد من الأزمة وترتبط بمصالح الرأسمال المعولم، ويتضح أن الدور الرئيسي لإسرائيل وكل الوجود العسكري الامبريالي في المنطقة هو بالضبط للحفاظ على هذا التشوه البنيوي في اقتصاديات المنطقة وإبقاء سيطرة الامبريالية على مواردها. هكذا مشاكل جذرية لا يمكن مجابهتها والتصدي لها بتحركات فولكلورية من النوع الوطني، كما يخطط البعض في عيد العمال في لبنان، وإنما تحتاج إلى طرق أكثر جذرية في العمل، أولها جعل مناسبة أول أيار مناسبة لاستعادة اليسار لصوته في الحركة العمالية والسعي إلى إعادة بناء قيادة الحركة من العمال أنفسهم من دون اعتبارات شوفينية.

ومن هذه البديهيات ننطلق لنقول أن التحركات النقابية التي تشهدها، وسوف تشهدها المنطقة في الفترة القادمة قد تشكل أرضية يمكن لليسار البناء عليها وصولا إلى حركة مقاومة شاملة؛ من مقاومة السياسات الاقتصادية لمؤسسات الرأسمال و”التنمية” الدولية، إلى مقاومة محاولات تدجين المجتمع وضرب أسس صموده ومقاومة قمع الحريات العامة والفردية، إلى المقاومة العسكرية للاحتلال، كل احتلال.

بناء هذا المشروع يقتضي تضامن اليسار بكامله مع هذه التحركات لإعادة كسب ثقة العمال والعمل مع المبادرات والحركات القاعدية للوصول إلى حركة عمالية قاعدية منظمة وموحدة على أساس احترام التنوع والديمقراطية وحرية التعبير. الدور لا يقتصر على الدعم، بل يتخطى ذلك إلى البدء بالتشبيك بين التحركات العمالية في كل بلدان المنطقة وبلورة إطار لبرنامج سياسي/اقتصادي ينطلق من تطلعات هذه الحركات التي تحمل بعضها، إضافة إلى هموم معيشتها، هم تحرير الأرض، وهي أرضية صالة لبناء حركة تحرر الأرض من الاحتلال والمجتمع من طغيان الأنظمة القمعية.

يضعنا هذا أمام سؤال إمكانية استعادة اليسار لدوره في قيادة حركة المقاومة والحركة المطلبية وانعقاد “اللقاء اليساري التشاوري” يومي ١٥ و١٦ آذار ٢٠٠٨ والذي قد يشكل إطارا ومساحة لعمل يساري موحد ومتنوع. الجديد أن هذه المحاولة تختلف عن محاولات التجميع الماضية كونها قررت أن تبدأ من المكان الطبيعي، أي من خلال محاولة توحيد اليسار الماركسي الذي ينطلق من مصلحة الطبقة العاملة ولمصلحة الطبقة العاملة والكادحة والمسحوقة لإعادة بناء حركة مقاومة شاملة للسياسات الاقتصادية والنظام الطائفي والهجمة الامبريالية. الجديد أيضا أن هذا “اللقاء التشاوري” قد وجد نفسه أمام استحقاقات قريبة جدا وأمام وضع يفرض نقاشا مستفيضا وعملا مباشرا في آن، وسيكون الأول من أيار بداية هذه الاستحقاقات.

فليكن الأول من أيار ٢٠٠٨ موعدا للإصرار على رفع الحد الأدتى للأجور إلى ٩٦٠ ألف ليرة ورفض سياسات الإفقار والتجويع التي يفرضها المجتمع الدولي ومؤسساته؛ وليكن يوما للإعلان عن أن وحدة الطبقة العاملة هي القادرة على توحيد المجتمع والتخلص من النظام الطائفي ومعه أمراء الحرب ومجرميها الذين يعاقبون اليوم الصامدين في الحروب البعيدة والقريبة من خلال نهب ثرواتهم وحقوقهم من جهة ومنعهم من تقرير مصيرهم بتواطؤ كامل مع الامبريالية واندماج في جيوشها؛ وليكن موعدا للتضامن مع عمال وعاملات لبنان، أيا كانت “جنسيتهم”، وعمال وعاملات مصر، من صناع المحلة وكفر الدوار إلى جباة الضرائب والأساتذة والمعلمين، وعمال وعاملات العراق ونقابات البترول في البصرة، وعمال وعاملات العراق ونقابات البترول في البصرة، والعمال والعاملات الذين عمروا المعجزات الهندسية في الصحراء القاحلة ولا يحق لهم الدخول إليها؛ وليكن كل يوم هو الأول من أيار.