ثورة أكتوبر و"القوة العظمى" للشيوعية

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 6, 2017 - 19:12
Jean Hans Arp color pochoir, 1949
الكاتب/ة: كريستيان لافال.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

إن مؤتمر روما حول الشيوعية لا يمكنه تجنب نقد تاريخ الشيوعية أو الشيوعيات [جمع الشيوعية- الملاحظة من المترجم]، وما نحن في صدده اليوم، انطلاقا من التاريخ نفسه، هو رهان على مستقبل الشيوعية. فإذا كان المستقبل اليوم قد صادرته النيوليبرالية، فإن هذه المصادرة تدين بالكثير إلى الطريقة التي حال بها الشيوعيون دون تحقيق الآفاق المستقبلية المحتملة. ولكن، هنا أكرر جملة إنزو ترافيرسو الذي أشار في مقابلة أجريت معه مؤخرا: "التمرد لا يمكن له أن يراهن على فقدان الذاكرة".(1) يمكننا الإضافة إلى هذا القول: إذا كانت الشيوعية لا تزال ممكنة، فإننا لا يمكننا المراهنة على فقدان الذاكرة. وخاصة نسيان ما كان عليه حقا ما يسمى بالنظام السوفياتي الزائف في ما يسمى بـ"الدول الاشتراكية".

ما المقصود بـ "السلطات الشيوعية"؟ هل نتحدث عن أشكال الحكم الذاتي، أي المؤسسات الديمقراطية التي تضمن على جميع المستويات ألا تسيطر الأوليغارشية، أو طبقة جديدة من القادة أو جهاز بيروقراطي، على العدد الأكبر من الناس عبر علاقات القوة؟ أو على العكس من ذلك، هل نقصد بها الأحزاب والمنظمات والدول التي تعلن نفسها شيوعية وتمارس السلطة المطلقة على المجتمع باسم البروليتاريا؟

علينا أن نعود إلى ما نطلق عليه "ثورة أكتوبر" التي أثارت توقعات هائلة، وأوهاما أيضا بنفس القدر. بشعار "كل السلطة للسوفيتات" استولى البلاشفة على السلطة. داخل هذه "السوفيتات" أو "المجالس" يمكن للمرء أن يرى جوهر المؤسسة الشيوعية التي ضمنت للعدد الأكبر من العمال والفلاحين السلطة الفعلية، سواء تلك التشريعية أو التنفيذية. مع ذلك، كما نعلم أو كما يجب أن نعلم، لم يحدث كل ذلك، لأن الحزب الاشتراكي الديمقراطي، الذي أصبح حزبا شيوعيا عام 1918، مارس بفعالية سلطته الديكتاتورية، منذ الحرب الأهلية وحتى نهاية الاتحاد السوفياتي. السلطة المسماة "سوفياتية" التي تكونت خلال القرن العشرين لم تكن فقط سلطة غير سوفياتية إنما أيضا معادية للسوفياتية، طبعا إذا إراد المرء أن يعتمد كلمة "سوفياتي" بمعناها الحقيقي. استعمال هذه الكلمة هو بلا شك أساس كذب شيوعية الدولة البيروقراطية منذ ثورة أكتوبر حتى نهاية القرن العشرين.

الشيوعية التاريخية، تلك التي تم تحقيقها على أرض الواقع أي تلك التي يحتفل بها المؤرخون باعتبارها شيوعية القرن العشرين، لم تكن سوى شيوعية دولة الحزب أو حزب الدولة. بعضهم يتحدثون بطريقة أكثر جدلية، ويعتمدون عبارة متناقضة ظاهريا قائلين: "شيوعية الثكنة". شيوعية الدولة البيروقراطية هذه لا علاقة لها بالشيوعية التي عبّر عنها ماركس وإنجلز في نظريتهما، كما هي شديدة الاختلاف عن أنواع التنظيم الذاتي التي تطورت خلال الثورة الروسية عام 1917، حيث استمر بعضها لبضعة سنوات ضمن مسار متعدد.

هذه الهوة بين شيوعية الدولة البيروقراطية والشيوعية النظرية لماركس وإنجلز، الهادفة إلى حل تدريجي للدولة بواسطة أشكال جديدة من التنظيم الذاتي للمجتمعات، قد شوهت "الشيوعية" نفسها. عليك أن تكون على بينة من ذلك حتى لا تتوهم من كل التاريخ المتعاقب. وهذا ما يجعل من الاستئناف البسيط لـ"المشروع الشيوعي" أمرا اشكاليا، خاصة عندما نريد استخدام هذا المصطلح بالمفرد وليس بالجمع. إلى جانب ذلك، بدلا من الحديث عن فرضية شيوعية مثلما فعل باديو، يجب أن نتحدث عن الرهان الشيوعي. نستعمل مصطلح "رهان" بمعناه السياسي: "عقبة تحول دون إنجاز شيء ما".(2) ما يمنع تنفيذ الشيوعية "بشكلها القديم" هو بالضبط شكلها الدولتي، أو على وجه التحديد شكلها الدولتي المفرط التي جرى تطبيقها في القرن العشرين. هذا الشكل يمكن أن نسميه "القوة العظمى" لدولة الحزب الشيوعي، مستعيرين مصطلح "القوة العظمى" من فوكو الذي يعني السيادة المطلقة وغير المحدودة للنظام.

طرح الرهان الشيوعي للقوة العظمى الدولتية يفترض شرطين: الأول، يجب أن نفهم كيف تحولت الشيوعية إلى الحالة الدولتية، وعدم الاكتفاء بتحويل التفسيرات إلى تبريرات كما هو الحال دائما. الثاني، يجب أن نسأل أنفسنا دائما ما هي الممارسات السياسية والتجارب والبلورة النظرية التي نسعى إلى طرحها اليوم عمليا ونظريا حول رهان القوة العظمى الشيوعية.

مسألة الحزب، سواء كان حزب متمردا مسلحا أو حزبا للسيطرة المتدرجة على السلطة، هي أيضا مسألة حاسمة عندما نهتم بمسألة "السلطات الشيوعية". ما جرى إهماله دائما، ولا يمكن الاستمرار بذلك، هو أن ما يمكن تسميته خطر الحزب، أو حتى خطر الحزب على الشيوعية نفسها، بمعنى أن المنظمة التي بنيت لتكون أداة السيطرة على السلطة، تحولت ضد مشروع التنظيم الذاتي للمجتمع، الأمر الذي يؤدي إلى ولادة جهاز سياسي يسيطر على المجتمع ويعزز حالة التشبع الدولتية. سؤال الحزب، وعلاقته بالدولة يشكل البعد الأساسي لرهان القوة العظمى الشيوعية.

اعتبر التروتسكيون أن استيلاء ستالين على السلطة جاء عبر إطاحة مضادة للثورة التي سموها الردة التريميدورية. بشكل عام، الشكل التفسيري المقدم يقول إن التبقرط المتدرج للحزب والدولة هو نتيجة تراجع عالمي للثورة. وهذا هو بالضبط ما ورد في "وصية" لينين التي حلل فيها انحطاط السلطة التي بقي حيالها مريضا وعاجزا وواهنا.(3)

ومع ذلك يجب ألا ننسى أن "الترميدور" الستاليني قد بدأ منذ فترة سابقة، بسبب فتشزة حزب الطليعة، وريث تراث الاشتراكية الديمقراطية الألمانية التي نظّر لها كاوتسكي. كل الإجراءات التي أدت إلى احتكار الحزب للسلطة، وخاصة قيادته وجهازه، كانت من العوامل التي أدت إلى الانحطاط، كما لاحظ عدد من الثوريين الأنقياء، وعلى رأسهم روزا لوكسمبورغ. الحزب لم يتبقرط فقط من الداخل، إنما حلّ أيضا مكان الأشكال السوفياتية نفسها، وبشكل عام حلّ مكان أشكال التنظيم الذاتي للمجتمع، التي أفرغت من مضمونها عبر استعمارها وبقرطتها، إلى درجة أن كلمة "سوفييت" أو "سوفياتية" قد فقدت تماما معناها الأصلي "الشورى"، أي مؤسسة السلطة الشعبية(4). بيروقراطية الحزب والسوفيتات هذه سارت جنبا إلى جنب مع نمو إدارة شديدة التمركز، دولتية بإفراط، يديرها جهاز بيروقراطي هائل الحجم كان الحزب على رأسه.

غالبا ما نعزو ظاهرة الإحلال والتبقرط إلى الظروف والحرب الأهلية والفوضى التي غرقت فيها روسيا، وضعف الطبقة العاملة والتقاليد الروسية، وخاصة فشل الثورات الأوروبية التي وضع فيها القادة البلاشفة كل آمالهم. وبطبيعة الحال، مسار الانحطاط لا يرتبط فقط بالبلاشفة، أو بزعيمهم لينين. الأخير نفسه كان يميل إلى إلقاء اللوم بما خص الانحطاط الإداري على البيروقراطية الروسية القديمة. تروتسكي، الذي رفض أي نقد للبلاشفة بعد عام 1917، ألصق بالبيروقراطية مسؤولية تراجع الثورة. من دون شك أن حزبا لوحده لا يستطيع أن يفعل كل شيء، إنما الأسوأ، أن يكون قد ساهم بذلك. لأن كل شيء لم يحصل بسبب الظروف. ما نطلق عليه تسمية "مأساة الشيوعية" نتج أيضا بسبب انتصار شكل الحزب، وبسبب العلاقات الضيقة لهذا الشكل مع صعود الدولة البيروقراطية. ما لم يأخذه المفهوم اللينيني للحزب بعين الاعتبار، وما كان على لينين أن يدركه مبكرا، أن سيطرة الأشكال الإدارية وقوة البنى الدولتية، وحتى المنطق المطلق الذي كان "منحوتا" في شكل الحزب قبل الثورة. نقد الحزب "الجاكوبيني" الذي قام به تروتسكي عام 1904، ولاحقا بواسطة لوكسمبورغ، حتى لا نتحدث عن هجمات "المعتدلين" المعارضين للبلشفية، لم تؤكد بشكل كاف أن الشكل اللينيني للحزب كان مجرد تفاقم استبدادي لمركزية تستنسخ شكل الدولة وتحتوي كل التجاوزات البيروقراطية التي لاحظها كل من لينين وتروتسكي منذ بداية الـ 1920ات دون أن يتمكنا من فعل أي شيء.

تفسير كومونة باريس

إن كومونة باريس هي المشهد الأصلي للثورة الشيوعية، حتى أكثر من ثورة عام 1848. وقد كُتِبَ نصان في المنعطفات الأساسية كان لهما قوة القانون النظري في التقاليد الماركسية، هما: الحرب الأهلية في فرنسا (أيار/مايو 1871) الذي كتبه ماركس(5)، وكتاب لينين الدولة والثورة (آب/أغسطس 1917). وقد وفر هذان النصان التفسير المهيمن للكومونة في الماركسية وكان لهما أثرا محددا على مصير الشيوعية. 

إلام نقيس الأهمية التاريخية للكومونة؟ إلى إبداعها أجاب ماركس، وتحديدا، اختراعها شكلا من أشكال سلطة عمالية تسمح بتحرر البروليتاريا. أشاد ماركس بكومونة باريس لأنها قدمت اكتشافا للشكل السياسي للتحرر الاقتصادي للطبقة العاملة. بالنسبة لماركس، كان نجاح الكومونة الأكبر أنها أخذت شكل السلطة التي أطلقتها. ووفقا له، كانت الثورة الأولى التي لا تعني "الاستيلاء على السلطة" إنما تدميرها. لقد ابتكر الثوار سلطة اندرجت في مبدأها العملي حل الدولة كأداة قمعية منفصلة عن المجتمع. أثبتت هذه الثورة البروليتارية أن " الطبقة العاملة ليس في وسعها أن تضع يدها ببساطة على الأداة الحكومية الجاهزة وأن تسيّرها لمقاصدها الخاصة"(6). بهذا المعنى، كانت الكومونة آخر الثورات، ولكنها كانت، في الوقت عينه، أولى الثورات التي قطعت مع تاريخ الثورات.

ولكن ماذا يعني تحطيم جهاز الدولة أثناء خدمة الدولة كوسيلة للقمع؟ هذا يعني أنه على الدولة إكراه طبقة لأخرى، ولكن أن تكون دولة جديدة وحتى نقيضة، لدولة تضمحل بواسطة النضال السياسي للجماهير. "السر الحقيقي"، يقول ماركس، هو أن الكومونة هي "حكومة الطبقة العاملة". النقطة الرئيسية لقراءة ماركس هي أن الكومونة كانت "ثورة ضد الدولة" من خلال توسيع نطاق الديمقراطية، وعبر تكثيف الحياة السياسية. ما هو جديد في الكومونة هو الطريقة التي تعمل بها الطبقة العاملة حتى تؤمن سيطرتها السياسية. وهي تفعل ذلك من خلال أوسع مشاركة للجماهير في النضال السياسي، وهي التي تراقب الموظفين المنتخبين والذين يمكن تغييرهم، وتُسلّح الشعب. وقبل كل شيء، ربطت الكومونة بين نضال الشعب الديمقراطي والتحرر الاقتصادي للبروليتاريا. والأخيران يترابطان، ويتغذيان من بعضهما البعض. "ولولا ذلك، يكتب ماركس، لكان بناء الكومونة مستحيلا ولكان غشاً. إن حكم المنتجين السياسي لا يمكن أن يقوم جنبا إلى جنب مع تخليد عبوديتهم الاجتماعية".(7)

كان المحتوى العميق لكومونة باريس يقوم على التحرر الذاتي للبروليتاريا: فهي تحرر ذاتها بالتدابير التي تأخذها. هذا التحرر الاقتصادي ليس فقط هدف السياسة البروليتارية، إنما هو شرطها. تنشئ السياسة العمالية شروطها الخاصة، شروطا لنشر نشاطها السياسي الخاص، والإدارة الذاتية. هي محك كومونة باريس. الشيوعية هي "وضع موضع التنفيذ" الإدارة الذاتية، و"حكم الشعب بواسطة الشعب".(8)

ما هي دروس الكومونة في التقاليد الماركسية؟

ما هي دروس الكومونة؟ إبداعها أم سقوطها؟ أشاد ماركس بالشكل الديمقراطي للكومونة ولكنه انتقد فقدانها لاتخاذ القرار، أي غياب قرار سياسي وعسكري ضروري خلال الحرب الأهلية. وأعرب عن أسفه لأن الثوار لم يمارسوا سلطة ديكتاتورية فورية بدلا من التأخر في بناء أشكال ديمقراطية. على سبيل المثال، يأسف ماركس في رسالة وجهها إلى كوغلمان في 12 نيسان/ابريل لأن "اللجنة المركزية (للحرس الوطني) قد تخلت مبكرا عن السلطة وأفسحت المجال للكومونة"(9). اللوم الرئيسي الذي وجهه ماركس للكومونة: أنها لم تعتمد الإكراه والقمع بطريقة أكثر دقة. هذه النقطة أساسية. لأنه خلف هذا اللوم، يكمن السؤال الرئيسي: كيف يمكن لديكتاتورية البروليتاريا، وخاصة خلال الحرب الأهلية المستمرة، إقامة أشكال ديمقراطية للإدارة الذاتية؟ بعد ماركس، سنقرأ في التراث الماركسي أن الكومونة كانت اختراعا ناقصا. هذا النقص، سيعتبره بداية الاشتراكيون الديمقراطيون ومن بعدهم البلاشفة، ناجم عن عدم وجود الحزب كجهاز "للاستيلاء على السلطة". لم يعد الدرس السياسي الذي يمكن تعلمه من الكومونة الشكل الأساسي لسلطة العمال إنما عدم وجود جهاز الاستيلاء على السلطة والديكتاتورية.

نقد مارس، الذي لا يشمل، مرة أخرى، سوى جانب واحد من دروس الانتفاضة الباريسية، سيؤسس لتفسير العجز الهائل لكومونة عام 1871. إن العقيدة الأخيرة ستثبت كعقيدة لجانب وحيد من التعليق الماركسي: افتقدت الكومونة إلى حزب قادر على اغتنام الفرصة المناسبة، واتخاذ القرارات الاقتصادية الطارئة، ومركزة وتنسيق العمليات العسكرية خلال الحرب الأهلية، وأخذ الاجراءات القمعية لتسريع الثورة وإنقاذها. وبالتالي، يمكننا أن نستنتج أنه في النضال الثوري، وحتى خارج فترات الانتفاضة والحرب الأهلية، تحتاج الجماهير إلى حزب يشرف عليها ويوجهها ويعلمها. سيستعيد كاوتسكي ومن بعده لينين، كل منهما بطريقته الخاصة، نظرية الحزب القيادي الذي ينقل للطبقة من الخارج الوعي والمعرفة السياسية التي تفتقر إليهما. سيضع كاوتسكي ولينين، على خطى انجلز الذي أطلق عام 1895، في مقدمته الشهيرة لكتاب صراع الطبقات في فرنسا، استنتاجا استراتيجيا محددا مديرين ظهريهما للشكل التمردي للثورة. حيث أصر على السيطرة اللازمة للحزب على العملية السياسية. بالنسبة له، المستقبل هو بيد "جيش الأممية الكبير والوحيد للاشتراكيين، المتقدم باستمرار، المتزايدة أعداده كل يوم، بتنظيمه وانضباطه وبصيرته ويقينه من النصر".

ولكن النص الأكثر تأثيرا في التراث الماركسي كان الكتاب الشهير "ما العمل؟". نحن نعلم شجب الكتاب للاقتصادوية والعفوية العمالية والنقابوية. ونحن نعلم بشكل أقل نقده لـ"الديمقراطية"، أي رقابة القاعدة لقيادة الحزب، المتعارضة، بحسب لينين، مع منظمة الثوريين المحترفين. نقد الديمقراطية هذا سيجد صدى له بعد ثلاث سنوات في كتيب جديد للينين حيث يطرح مباشرة مسألة الكومونة. ففي كتابه تكتيكان للاشتراكية الديمقراطية في الثورة الديمقراطية (1905)، يؤكد لينين على ذكر أوجه القصور لقيادتها ويخلص إلى: "الكومونة كانت حكومة لا يجب أن تكون حكومتنا مثلها". على الأقل، يقول الأمور بكل وضوح. كرّس لينين، منسجما مع نفسه، تقريبا كل حياته النضالية لبناء منظمة طليعية من المحترفين بقيادة نخبة صغيرة من الثوار.

كما ستطرح مسألة الدروس المستقاة من الكومونة خلال الثورة الروسية، حيث أعاد طرحها لينين في الحزب البلشفي في لحظة حاسمة. فقد حفظنا لينين عن ظهر قلب في موضوعات أبريل وخاصة في كتاب الدولة والثورة(10). بعد 12 سنة، يبدو أن الحكم على الكومونة قد تغير تماما، فقد تحول الموقف السلبي إلى إيجابي. ففي المقطع التاسع من موضوعات أبريل "مطلبنا "دولة –كومونة"" قد جرى تفسيره في الهامش بـ"حالة كومونة باريس التي جسدت ذلك". وفي هذا الصدد، يقترح تغيير اسم الحزب من الحزب الاشتراكي الديمقراطي إلى الحزب الشيوعي(11). بالتالي، فإن الحزب الشيوعي يعني أنه تحت رعايته يتم "بناء الدولة الكومونة"، أي، كما أشار في الفصل الثالث من كتاب الدولة والثورة، حزب "هدم الدولة"،  وإنشاء مؤسسات الدولة الجديدة.

بالتالي فإن برنامج موضوعات أبريل يتميز بأنه يشبه تطور النموذج السوفياتي للثورة الروسية إلى نموذج الكومونة. وقد تجسد ذلك بشعار "كل السلطة للسوفيتات"، وقد أوضح لينين: حل الشرطة والجيش وكامل بيروقراطية الدولة. هل كان ذلك مناورة تكتيكية؟ كل كتاب لينين يثبت العكس. أراد لينين استعادة مذهب ماركس حول الدولة كوسيلة هيمنة واستغلال بيد البرجوازية، وفي وقت معين (بين تموز وآب عام 1917) كان يحارب "الموفقين البرجوازيين الصغار" والمناشفة والاشتراكيين الثوريين الذين أرادوا أن يكون الشكل البرلماني للدولة الوسيلة لمصالحة الطبقات الاجتماعية، وأيضا ناضل داخل اللجنة المركزية كل الذين كانوا على استعداد لإطالة أمد السلطة المزدوجة. من دون شك، أن الكتاب الذي أراد أن يكون نقطة ارتكاز نظرية كان ظرفيا، في وقت كانت الاتجاهات التصالحية أو الانتظارية في حزبه قوية. (12)

ولكن ماذا تمثل الكومونة بالنسبة له؟ تفسيره لا يثمن أجهزة الإدارة الذاتية أو كثافة نضال الجماهير، إنما يسلط الضوء على الطابع السان-سيموني للكومونة. إنما قابل هذه التجربة السياسية بمذهب إنجلز الذي طوره خاصة في انتي دوهرينغ حيث حدد انقراض الدولة ببديل مشهور "حكومة من الرجال تدير الأمور". الدولة لا يتم إلغاؤها، إنما تنطفئ، يشرح انجلز، لأنه لن يكون ضروريا الحكم، يكفي إدارة المجتمع كما تدار مؤسسة كبيرة. وبالتالي فإن مشكلة السلطة تنتقل إلى مشكلة إدارة الانتاج. يعرّف لينين بدوره السلطة بإدارة، وأكثر تحديدا بإدارة لها ثلاثة أدوار، التحكم والمراقبة والانتاج وتوزيع الموارد. لا حاجة إلى المزيد من العلاقات القيادية: سيتم تنفيذ وظائف الإدارة بواسطة البروليتاريا في إطار اقتصاد وسائله من ملكية الدولة. يشير لينين أنه، ولحسن الحظ، المهام الإدارية مثل المراقبة والمحاسبة ستصبح مبسطة وممكننة بحيث يصبح الناس العاديون (الطباخة على سبيل المثال) قادرين على القيام بهذه المهام. وبالتالي، أن يدير الجميع الاقتصاد والدولة، هو تعريف لسلطة البروليتاريا. لا يخفي لينين حقيقة أن السوفيتات سيكون لها دور تأهيلي لليد العاملة في "مجتمع لن يكون بأكمله أكثر من مكتب واحد ومشغل واحد، بعمل وأجر متساو"، ويضيف: "هنا يتحول كل المواطنين إلى موظفين بأجر في الدولة التي شكلها العمال المسلحون. يصبح كل المواطنين موظفين وعمالا في كارتيل" واحد من الشعب بأكمله، أي الدولة. كل ذلك يتم من خلال بذل جهد متساو، ومراقبة دقيقة لمقياس العمل والحصل على أجر متساو". في مرحلة ثانية من الشيوعية، لن يكون هناك حاجة للمراقبة، سيكون الجميع قد اندمج بالحاجة إلى الانضباط الذاتي. كما نرى، ينحصر دور السوفيتات في القيام بمجرد مهمة تقنية تتمثل بإدارة الحياة الاقتصادية والإشراف على العمل. باختصار، إن لينين يختزل دور السوفيتات، التي هي مؤسسات الإدارة الذاتية الشيوعية، إلى أجهزة إدارة الدولة التي تشبه مؤسسة كبيرة.

من ناحية أخرى، تكون السياسة من شأن الحزب، وعلى الأخص، قيادته. بحسب لينين، الحزب ينظم الطبقة إلى طبقة مهيمنة في الدولة. تنظيم الطبقة العاملة لتصبح طبقة مهيمنة يعني أن الحزب العمالي، المتنور بعلم الماركسية، له دور تربوي وإداري. "من خلال تعليم الحزب العمالي، الماركسية تعلم طليعة الطبقة العاملة القادرة للاستيلاء على السلطة وقيادة الشعب بأكمله إلى الاشتراكية وإدارة وتنظيم النظام الجديد، أن تكون المعلم والمرشد والدليل والزعيم لكل العمال والمستغلين في تنظيم حياتهم الاجتماعية من دون البرجوازية وضد البرجوازية". في الواقع، هذا الحزب المعلم يعني احتكار النشاط السياسي. سيكون لوحده القادر على الاستخلاص من التجربة السياسية الدروس التي يجب نقلها إلى الطبقة العاملة لتعليمها. السؤال الذي ينبغي معرفته هو هل هذه الرؤية للدولة السان-سيمونية شبيهة بالدرس الذي استخلصه ماركس من الكومونة. لا شك بأن ماركس قد تأثر بالسان-سيمونية. هناك آثار واضحة في كتابه الحرب الأهلية في فرنسا. مع ذلك، فإن ما يثير في تعليقه هو القيمة التي يعطيها للنضال السياسي للجماهير. مهمة البروليتاريا لا تقتصر على المهام الإدارية التقنية، إنما أيضا تلك السياسية، ولذلك لا يحتاج إلى حزب متزعم. لينين، بفعل تسارع الأحداث، لم يملك الوقت الكافي لكتابة الفصل الذي أعلن عنه في كتاب الدولة والثورة الذي كان يريد أن يخصصه لتجربة الثورات الروسية الممتدة من عام 1905 حتى 1917. هذا الفصل الناقص من اللينينية، كان سيتضمن الاستنتاجات النظرية التي يمكن استخلاصها من الثورة. على الأقل فإن "وصية" لينين وتحذيراته الأخيرة للجنة المركزية عام 1923 تشكل جوهر ذلك الفصل. وإذا كان اللينينيون قد استخلصوا دروسا من الكومونة، فما هي الدروس التي يمكن استخلاصها من ثورة أكتوبر؟

تجربة الثورة

لم تقتصر السيرورة الثورية على التحضير لثورة خريف عام 1917. فخلافا للأسطورة، فإن الثورة الاجتماعية تسبق الثورة السياسية وليس العكس. وبعد يومي 26 و27 شباط/فبراير، بدأنا نشهد وجود "سلطة مزدوجة" بين اللجنة المؤقتة لمجلس الدوما الذي يهيمن عليه الليبراليون وسوفيات بتروغراد. الثورة المسماة "ثورة فبراير" لم تكن فقط ثورة برجوازية بقيادة الليبراليين، لم تقتصر على الصراع بين الدوما البرجوازي والسوفيات الذي يهيمن عليه المناشفة. هذه الهيئات كانت على اتفاق إلى هذا الحد أو ذاك على اتخاذ تدابير ضد الحكم الأوتوقراطي ولكن عفوية الجماهير استطاعت تجاوزها. شهد ربيع العام 1917 قيام مؤسسات جديدة وصحوة المؤسسات القديمة، كلها كانت مستقلة عن الأحزاب وحتى عن سوفيتات المندوبين التي تسيطر عليها الأحزاب مثل: لجان المصانع التي تكونت من ممثلي المصانع، ولجان الأحياء، ولجان الأبنية، والميليشيات والحرس الأحمر، والتعاونيات. أخذت السيرورة الثورية شكل الإدارة الذاتية المعممة في كل مستويات المجتمع، كما كان هو الحال عام 1905 ولكن على شكل مصغر. استعيدت القدرة على الكلام فجأة، وتغذى التمرد من المطالبات المتعددة، والحاجات الديمقراطية في العمل، واحتلال المصانع، والإدارة الذاتية في المصانع، وإعادة النظر واسعة بالتسلسل الهرمي، وخاصة في الجيش، ويكشف توزيع الأراضي في البلاد قوة المطالب الديمقراطية الزراعية ومطالب الشعوب المضطهدة من قبل السلطة المركزية القيصرية. ومن دون تعليمات حزبية ونقابية، التي غالبا ما كانت عدائية أو غير مبالية أو مشغولة، نشأت سلطة شعبية مستقلة أنتجت مؤسساتها الخاصة بها، بعيدا عن سلطة الحكومة المؤقتة وسوفيتات المندوبين التي تهيمن عليها الأحزاب. ومن الأمثلة على ذلك، مؤتمر لجان المصانع في بتروغراد أو مؤتمر لجان الأحياء أو حتى الحرس الأحمر(13). دعونا نلاحظ هذه النقطة اللافتة للنظر حتى لو قلما جرى التطرق إليها، ألا وهي المعنى المرجعي للكومونة. بدءا من شهر شباط/فبراير وإلى ما بعد تشرين الأول/أكتوبر، كان مصطلح "كومونة" يعني المدن، والمناطق (على سبيل المثال الكومونة العمالية في بتروغراد)، وأحيانا حتى على الخدمات البلدية. والعالم دُعِي لأن يكون "الكومونة العالمية"(14). أما بالنسبة للأرياف، فكانت الكومونة تجذب كما تصد.

بانضمام لينين إلى تحليلات تروتسكي حول الثورة الدائمة، أدرك أن الظهور العفوي للجان والسوفيتات العمالية، والعسكرية والفلاحية، هو دليل على أن المرحلة المعروفة بـ "البرجوازية" من الثورة قد جرى تجاوزها، وأنه يجب القطع مع الحكومة المؤقتة التي تريد مواصلة الحرب. وقد أثبتت أحداث أيار/مايو وجهة النظر هذه حين أيد الاشتراكيون والاشتراكيون الثوريون مواصلة الحرب. وقد تحولت الأخيرة إلى كارثة، حيث هرب الجنود بمئات الآلاف وقت الهجوم الألماني في تموز/يوليو. وبعد تردد البلاشفة في بداية شهر تموز/يوليو، بدأت القوة المضادة للثورة بتنظيم أنفسها. فهزم كورنيلوف في شهر آب/أغسطس، وبدا البلاشفة كمنقذين للثورة. المشكلة العملية التي ظهرت للينين والبلاشفة هي: السوفياتات التي يديرها "الديمقراطيون من البرجوازية الصغيرة" والذين لا يريدون الاستيلاء على السلطة لأنهم ينتظرون انتخاب الجمعية التأسيسية. إذاً يجب الضغط لفرض الاستيلاء على السلطة عن طريق الاطاحة بالحكومة المؤقتة. بدا شعار "كل السلطة للسوفيتات" يشير إلى انحراف معين من الحزب خلف بنى الإدارة الذاتية، ولكن الثورة التي تصورها لينين، كما كشفت رسائله يوم 17 أيلول/سبتمبر، لم تكن استيلاء للسلطة من قبل سوفيات بتروغراد. إنما يجب على السلطة أن تكون بيد حكومة ثورية بقيادة الحزب. فرسالة 12 أيلول/سبتمبر أوضحت ذلك جيدا: "يجب على البلاشفة أن يستولوا على السلطة". يجب عدم انتظار انعقاد مؤتمر السوفيتات حيث على الرغم من حصول البلاشفة على الأغلبية فيه، إنما يجب العمل تحت غطاء السوفيتات. بين "الاستيلاء على السلطة" و"كل السلطة للسوفيتات" ليس الأمر نفسه، كما اتضح في 25 تشرين الأول/أكتوبر يوم أنشئت حكومة مجلس مفوضي الشعب بقيادة لينين التي لم تنبثق عن مجلس السوفيتات ولم تنل شرعيتها منه. (15)

عارض لينين وتروتسكي على العكس من كامينيف وزينوفييف، الاستيلاء على السلطة بواسطة الانقلاب، وقد استنتجا ذلك بطريقتهما الخاصة من النظرية الانهزامية لكومونة باريس. وجود مركز للقرار ضروري من أجل إطلاق التمرد ضد الشرعية سيسمح بتطور الثورة المضادة. هذا المركز هو الحزب، أو بالأحرى الهيئة القيادية في الحزب، أي اللجنة المركزية، وحتى قائد الحزب لوحده.

حزب وسوفيات؟ من يحكم؟ رسميا السوفيات. لهذا السبب جرى حل الجمعية التأسيسية في تشرين الثاني/نوفمبر 1917. ليس هناك حاجة لمجلس منتخب بالاقتراع العام لأن السوفيتات تمثل الديمقراطية الحقيقية المفترضة. (16) ولكن في الحقيقة السلطة تولاها الحزب أو على وجه التحديد من الثنائي المؤلف من الحزب وحكومة مفوضي الشعب، أي سلطتان مركزيتان للغاية وحتى مشخصنتين جدا. ترأس لينين مجلس مفوضي الشعب وسفيردلوف تزعم الحزب (17). السوفيتات كانت تابعة للحزب، كما حصل، وبسرعة، مع النقابات التي تقلص دورها إلى غرف للتسجيل. تشكلت الحكومة من نخبة الحزب التي تقرر كل شيء. لم يكف الحزب عن التمركز مع إقامة المكتب السياسي عام 1919. وقد انضمت أعداد كبيرة الأكثر نشاطا في السوفيتات إلى الحزب أما قاعدة الحزب التي لا تفعل في أحسن الأحوال سوى انتداب وظائفها الأساسية: مثل الرقابة والإشراف، والتسجيل في السوفيتات القاعدية، هي نفسها جرى بقرطتها وإدارتها بواسطة الموظفين الجدد. أما مؤسسات الإدارة الذاتية الشعبية (لجان المصانع أو الأحياء) فجرى احتواءها من الحزب البلشفي وفقدت استقلاليتها في غضون أشهر قليلة. نظريا، بات الحزب المكان الوحيد الذي يمكن أن يجري مناقشة سياسية. ولكن حظر التكتلات في المؤتمر العاشر عام 1921، وتنسيب أشخاص غير مؤهلين، ويعتمد تعيينهم وتقدمهم في جهاز الدولة على ولائهم للهرمية الحزبية، كل ذلك سوف يمنع الحزب عمليا من القيام حتى بهذا الدور. وجرى حل تكتل المعارضة العمالية الذي دافع عن المبادئ الديمقراطية، وسحق تمرد بحارة كرونشتاد. بالمحصلة، وقبل فترة طويلة من الستالينية، حرم الحزب نفسه من النشاط السياسي وحركات الرأي والمناقشات المجتمعية، وفي الوقت عينه تشكّل من طبقة من الموظفين الدائمين الذين انفصلوا عن أصلهم الطبقي. في نهاية المطاف، ديكتاتورية الحزب فرضت نفسها، وحتى الحزب نفسه بات بأكمله تحت يد حفنة من الأعضاء التي تسيطر على هذا الجهاز بشكل كامل وتمارس ديكتاتوريتها على أعضاء الحزب. أما بالنسبة إلى الأممية الشيوعية، فقد "تبلشفت" وأخضعت إلى المركز، أي لرئيس الحزب الشيوعي الروسي.

منذ بداية سيرورة ديكتاتورية الحزب على المجتمع، في آذار/مارس 1918، انتقدت روزا لوكسمبورغ سياسة البلاشفة. بالنسبة لها، فإن البلاشفة "أعاقوا المصدر الحي الذي يمكن أن تنبع منه الحلول التصحيحية للعيوب الخلقية للمؤسسات الاجتماعية. أي الحياة السياسية النشطة والحيوية غير المعوقة للغالبية العظمى من الجماهير الشعبية"(18). بتجفيفهم الحياة السياسية من خلال حظر حرية الصحافة، وحرية تكوين الجمعيات وممارسة الإرهاب أوقفت الحكومة تطور الثورة الذي يفترض التجربة السياسية المباشرة للجماهير(19). بواسطة الحرية السياسية- "الحرية هي على الأقل حرية من يفكر بشكل مختلف"- يمكن أن تتقدم الاشتراكية(20). على العكس من ذلك، تضيف، فإن نظرية لينين وتروتسكي عن الديكتاتورية تفترض أن الحزب يعرف كل شيء سلفا ويمكن له أن يفرض كل شيء. ولكن لا اشتراكية من دون ابتكار ديمقراطي. الخلاصة: المشاركة النشطة للجماهير تتجاوز بكثير مهام الرقابة وإحصاء الانتاج بحسب نموذج لينين السان-سيموني إنما هي شرط لتطور الثورة: "الطريق الوحيد المؤدي إلى نشوء مدرسة الحياة العامة، يكون عبر ديمقراطية إلى أوسع الحدود، من دون أدنى قيد، واحترام الرأي العام". (21) من دون هذه الحريات "سلطة السوفيات" تصبح فارغة من معناها، وحتى رياءً. بكلمة واحدة، إن الثورة لن تنقذ إلا عبر الحرية السياسية الواسعة، أي ديمقراطية أكثر راديكالية، والأكثر كمالا. الديمقراطية الاشتراكية لا تبدأ بعد فترة طويلة من الثورة كما أرض الميعاد. إنما تبدأ فورا مع انطلاق الثورة. النقد اللوكسمبورغي له الفضل الكبير في الربط بين الأشكال المؤسساتية والنشاط السياسي الحقيقي ومسار الثورة باعتبارها تجربة جماعية وعملية التعليم الذاتي للجماهير. كما يعود الفضل لها بالقول إن الثورة الشيوعية ليست إلغاء بسيطا وعاديا للديمقراطية البرجوازية، إنما تطويرا للحياة السياسية من الخارج ولكن أيضا من داخل هذه الأشكال. الديمقراطية الاشتراكية، تضيف، لا يمكن التهرب منها. وقبل كل شيء، لا تكون الثورة باستبدال مؤسسة سياسية مثل الجمعية التأسيسية بواسطة أجهزة تقنية واقتصادية. الاشتراكية، هي السياسة التي يمارسها الجميع.

ثورة أكتوبر لم تفتح فصلا جديدا في السياسة. إنما أقفلته. بعد فترة من الارتجال الكلي، وخلال أشهر قليلة، تحولت الأجهزة السياسية الحيوية التي نشأت مع الثورة، السوفيتات، إلى أجهزة إدارية أكثر منها سياسية. لم تمت الدولة البيروقراطية، كما كان متوقعا، إنما الإدارة الذاتية هي التي جرى تجفيفها، وتحويلها إلى ألعوبة بيد الموظفين الدائمين الجدد، المرتبطين أكثر فأكثر بالحزب. استعاد البلاشفة النظام بإعادة بناء الدولة، وفرضوا على مجتمع متصدع ما أطلق عليه لينين "مبدأ الدولة" من خلال الإكراه والإرهاب. هذه الدولة تفرض الإيمان بالهوية المشتركة القائمة على الحزب والطبقة ومؤسسات تلك الطبقة. وسيفصح لينين عن كل شيء عام 1920 عندما طرح المعادلة التالية: "الطبقة البروليتارية= الحزب الشيوعي الروسي= سلطة السوفيتات" أو حتى عندما قال: "الدولة- هي نحن". وسوف يلخص موشيه ليوين عمل البلاشفة حين تحدث عن "المؤسسة المحمومة لبناء الدولة". (22)

في نهاية المطاف، سيعترف لينين بأن جهاز الدولة القديم قد أعيد تشكيله، وبشكل أسوأ. بسبب انتشار البيروقراطية. لأن انتشار الأخيرة بدرجة لا مثيل لها في روسيا أثبت أنها غير فعالة. عام 1917، اعتبر لينين، كما أشرنا سابقا، السوفيتات كأجهزة للإحصاء والرقابة والتوزيع، أي الإدارة. لكنه شعر بخيبة أمل سريعة. وبدءا من عام 1918، كرر عدة مرات: "نحن لا نعرف كيفية الإدارة، يجب أن نذهب إلى مدرسة البرجوازية حتى نتعلم علم الإدارة". عام 1920، عندما اندلع الصراع مع النقابيين الذين رفضوا عسكرة العمل، احتج بكل صراحة: "هل يعرف العامل إدارة الدولة؟ كل الناس العمليين تعلم أن ذلك أسطورة".(23) كانت الثورة فاشلة في هذه النقطة الأساسية، وكان لينين واضحا بما فيه الكفاية لملاحظتها، من دون أن يستخلص النتائج النظرية والعملية. عام 1905، لاحظ أن السوفيتات هي مؤسسات السلطة الثورية(24). لكن تروتسكي هو أفضل من انتبه إلى ما سيحصل لاحقا. في بداية الـ 1920ات، الطريقة الوحيدة التي تصورها لينين كانت تسليمه بنشوء رأسمالية دولة تسلطية وديكتاتورية. منع التعددية السياسية داخل الحزب وخارجه، كما داخل الأممية الشيوعية، لم يحضّر "لتقدم الحضارة" كما اعتقد عام 1923، إنما سبّب المنع انحدارا هائلا في تاريخ الحركة العمالية. وكما كتب إريك هوبسباوم: "عندما خرجت الجمهورية السوفياتية الجديدة من محنتها، لم تخرج سوى باتجاه بعيد عن ذلك الذي فكر به لينين في محطة السكك الحديدية في فنلندا" في نيسان/ابريل عام 1917.(25)

خاتمة

إن مأساة الشيوعية التاريخية في القرن العشرين تعود إلى جزء كبير منها إلى أن وسيلة الاستيلاء على السلطة، أي الحزب، قد مركَزَ نفسه بشكل دائم كمحور سياسي للمجتمع، كموطن للأرثوذكسية، ككتلة متجانسة، كجيش منضبط بقيادة صنمية. أدى التجانس إلى القضاء على قدامى البلاشفة أنفسهم خلال حملة ستالين التطهيرية.

في الدول الرأسمالية، هذا النموذج من الحزب الحاكم الذي وضع تصوره في نهاية القرن التاسع عشر لم يستمر حتى الـ 1970ات. نحن نعيش حقبة يتراجع فيه شكل الحزب. وما ينتشر، هو إعادة تعريف لمجمل النشاط السياسي، إعادة خلق لأشكال ديمقراطية. هذا الغليان المتعدد الأوجه يدور حول مفهوم المشترك. فإذا كان طموحنا شيوعية جديدة، يجب علينا أن نسمع بهذه الكلمة معنى المشترك، التي يشير التاريخ إليها. كما علينا توضيح أن الشيوعية الجديدة ستقطع مع شيوعية الدولة البيروقراطية التي فشلت فشلا ذريعا. لقد انتهت اللينينية. الحقبة الجديدة بدأت مع عهد "مبدأ المشترك".

غير أن مسألة التنظيم السياسي لا تزال مطروحة. علينا ألا نكتفي بأساطير العفوية أو بأعمال الشغب أو بالعنف العفوي للجماهير الغاضبة. علينا أن نطرح دائما مسألة الحزب أو بالأحرى المنظمة فيما يتعلق بالمتطلبات الديمقراطية للإدارة الذاتية. ما هو على المحك، على نطاق أوروبي وعالمي، هو الاتساق بين الوسائل والهدف، وفرادة أشكال النضال وأشكال السلطة التي نرغب بها. بعبارة أخرى، ما هو مطروح اليوم هو وضع موضع التنفيذ الإدارة الذاتية داخل الحركات الاجتماعية، داخل المنظمات النضالية كما في المؤسسات السياسية التي ستنضم إليها القوى السياسية البديلة. هذا العصر لم يعد عصر "مجالس العمال والفلاحين والجنود" التي عرفناها في القرن العشرين. المؤسسة التي بدءا من التسعينيات تمثل أفقا بديلا تسمى المشترك، مؤسسة لا يمكن تعريفها بشكل كامل مسبقا بعيدا عن التجارب التي يتم عبرها تحديدها وإثراءها. يجب أن يتجه انتباهنا إلى اختراع أو إعادة اختراع، اليوم، وفي كل أنحاء العالم، شكل مؤسساتي يقوم على المبدأ الديمقراطي الذي ينص على أن الالتزام الوحيد على عاتق المؤسسة هو القيام بالمناقشات المشتركة واتخاذ القرارات الجماعية.

 

* مداخلة كريستيان لافال في مؤتمر روما حول الشيوعية يوم 21 كانون الثاني/يناير 2017، وقد أعادت نشرها مجلة Contretemps العدد 34 تموز/يوليو 2017 ضمن ملفها عن الذكرى المئوية الأولى لثورة أكتوبر.  

 

الهوامش:

 

1. Jean Birnbaum, “Enzo Traverso ; la lucidité d’un “vaincu”, Le Monde, vendredi 23 décembre, 2016.

2. Cf. Dictionnaire Le Robert. 

3. Cf. Jean-Jacques Marie, Lénine, la révolution permanente, 2011.

4. Comme le montre Marc Ferro, il existait de multiples institutions du pouvoir populaire, nées souvent spontanément dans les usines ou les quartiers. Cf. Marc Ferro,  Des soviets au communisme bureaucratique, Gallimard, 1980.

5. La Guerre civile en France est un texte rédigé par Marx, mais  il est statutairement une Adresse du conseil général de  l’Association internationale du travail paru en mai 1871.

6. La Guerre civile en France, p. 151, note 1, texte reproduit in Daniel Bensaïd (éd) Inventer l’inconnu, Textes et correspondance autour de la Commune, La Fabrique, 2008. 

7. Ibid., p. 160. 

8. Ibid., p. 166.

9. Ibid., p. 254.

10. Le sous-titre de l’ouvrage de Lénine est : “La doctrine du marxisme sur l’État et les tâches du prolétariat dans la révolution”.

11. Le parti social-démocrate russe (bolchevik) deviendra effectivement parti communiste en mars 1918.

12. Cf. Alexander Rabinowitch, Les bolcheviks prennent le pouvoir, La révolution de 1917 à Petrograd, La fabrique, 2016. 

13. Marc Ferro, op.cit., p. 88-89

14. Nous empruntons ces éléments à Eric Aunoble, “Le communisme tout de suite !”, Le mouvement des communes en Ukraine soviétique (1919-1920),  Les nuits rouges, 2008. Ce terme de kommouna semble même avoir été importé en Russie bien avant la révolution de 1905, puisque les étudiants et les jeunes intellectuels vivant ensemble dans les mêmes logements appelaient cette pratique « vivre en commune ». Cf. Trotsky, Ma vie, Livre de poche, 1970, p. 128.

15. La manière dont s’est constitué le nouveau gouvernement, dans l’improvisation totale de Lénine et de Trostky, est un fait historique particulièrement significatif de la mise à l’écart des institutions du pouvoir populaire. 

16. Comme le montre Marc Ferro, les soviets ont été très tôt colonisés par les partis et les responsables des soviets des députés ouvriers ne sont pas ouvriers mais des petit-bourgeois ou des bourgeois membres de partis socialistes. 

17. Jean-Jacques Marie, op.cit., p. 289.

18. R. Luxemburg, « La révolution russe », in Œuvres II, Petite collection Maspero, 1969, p.79

19. R. Luxemburg, ibid., p. 82.

20. Ibid., p. 83.

21. Ibid., p. 84.

22. Cf. Nicolas Werth, La terreur et le désarroi, Staline et son système, Tempus, 2007, p. 55.

23. Ibid., p. 200.

24. Cf. Jean-Jacques Marie, op.cit., p. 102.

25. In Eric Hobsbawm,  L’ ge des extrêmes, André Versaille éditeur/ Le Monde diplomatique, p. 97.