من رسائل مسيرة 10 سبتمبر/أيلول ببروكسيل: عاش الحراك الشعبي في الريف لا من خانه

نشر في‫:‬الثلثاء, ايلول 12, 2017 - 13:54
من المسيرة في بروكسيل عن صفحة سعيد العمراني على الفايسبوك
الكاتب/ة: فاطمة بالعادل.

"يا عدو الشمس إني لن أساوم... ولآخر نبض في عروقي سأقاوم"- سميح القاسم

"في معهد الريح ابتدأنا... فلنكمل في العواصف"- محمود درويش

كما كان مقررا انطلقت مسيرة الأحد 10 شتنبر/أيلول ببروكسيل، التي دعت إليها لجان دعم الحراك الشعبي في الريف، في وقتها المحدد أي حوالي الثانية والنصف بعد الزوال واستمرت لمدة ساعتين ونصف صامدة كشمس ساطعة محتضنة من قبل سماء بروكسيل الرمادية وطقسها الخريفي. وذلك بمشاركة جميع لجان الدعم والتضامن على المشكلة على الصعيد الأوربي بدون استثناء، مع مساهمة جد مهمة لجميع التوجهات السياسية وللفعاليات المدنية والحقوقية الممثلة لأبناء الجالية المغربية بالمهجر، ولاسيما على المستوى الأوروبي.

انطلقت المسيرة من ساحة ستالينغراد في اتجاه مبنى البرلمان البلجيكي، بمشاركة ما يزيد عن 3000 متضامن من مختلف الأعمار شباب وأطفال وشيوخ، رفعوا خلالها شعارات تطالب برفع العسكرة، وتؤكد مواصلة الكفاح من أجل الحرية حتى النهاية في تحدي شجاع للموت "الموت ولا المذلة"... كما تخللت المسيرة صور المعتقلين السياسيين الصامدين في سجون العار... معتقلو الانتفاضة الريفية المندلعة والصامدة منذ عام تقريبا.

وقد جاء تنظيم هذه المسيرة في سياق تشبث مناضلي المهجر بخيار النضال والتضامن مع أهاليهم بالمغرب، فعلى الرغم من كل الصعوبات ورغم الحملة القمعية الشرسة التي تشنها دولة المافيا على أبناء الوطن المغتصب، حيث تم اعتقال مئات المناضلين (هناك أنباء عن وجود أزيد من 300 معتقل لحد الآن) الذين يواجهون محاكمات سياسية قاسية وبعضهم مهدد بالسجن المؤبد بل حتى الإعدام كما هو الحال بالنسبة للقادة الميدانيين للحراك المعتقلين في سجن عكاشة بكازا بلانكا على خلفية متابعتهم من قبل النيابة العامة وقاضي التحقيق بتهم سياسية ثقيلة من قبيل "المس بأمن الدولة"، و"المس باستقرار النظام الملكي"!! بالإضافة إلى اغتيال ناشطين (عماد العتابي وعبد الحفيظ الحداد) جراء استعمال الغازات المسيلة للدموع ضد المحتفلين بذكرى معركة أنوال المجيدة يوم 19 يوليوز/تموز بمدينة الحسيمة، والحكم بالسجن على الناشط جمال ولاد عبد النبي ذي الثامنة عشر ربيعا ب 20 سنة سجنا نافدا، بل وصل الأمر بقضاء الاستبداد إلى متابعة الطفل عبد الرحمن العزري وهو في الرابعة عشر من عمره في حالة اعتقال، كل ذلك بهدف زعزعة إيمان واقتناع المنتفضين بعدالة قضيتهم ودفعهم إلى التنازل عنها وإلى الاستسلام التام...إن ما يجري منذ أواخر ماي/أيار الماضي هو بمثابة حرب نفسية مكشوفة تخوضها الدولة البوليسية باستعمال أقذر وأعفن وسائل الترهيب والإخضاع التي تستعملها الأنظمة المستبدة لفرض الطاعة والخضوع.

وطبعا يظل الغرض الرئيسي وراء الحملة القمعية المسعورة التي تشنها الدولة البوليسية ضد النشطاء هو ترهيب المنتفضين وتكسير إرادة النضال لديهم وإقناعهم بالعودة إلى منازلهم، دون تحقيق مطالبهم المشروعة التي قاتلوا وصمدوا وأبدعوا واقسموا من أجل انتزاعها بالنضال الجماهيري السلمي والواعي والمنظم، معيدين إلى الأذهان أهمية النشاط الذاتي للجماهير ودوره المركزي في صناعة تاريخها، تاريخ كرامتها وحريتها الفعلية وانعتاقها من نير الاستبداد والفساد والاستغلال.

هكذا يمكن أن نعتبر مسيرة بروكسيل في هذا الظرف الصعب والدقيق جدا الذي تجتازه الانتفاضة الريفية الباسلة بمثابة تفاعل نضالي هام للغاية مع ما يجري من نضالات في الريف المغربي، لاسيما في ظل الصمود الهائل الذي تعبر عليه جماهير الريف يوما بعد آخر، إن الشباب والعمال والعاملات المهاجرات الذين اضطروا إلى ترك بلدهم، والذين حولوا العواصم الأوربية إلى ساحات تضامن رائع مع أهاليهم في الريف المنتفض، يبعثون من خلال مسيرتهم الناجحة في بروكسيل رسائل عدة:

أولا: المسيرة هي بمثابة رد نضالي قوي على القمع السياسي وعلى التدخلات العنيفة لأجهزة الداخلية وللضغوط الاستخباراتية والحرب النفسية التي تشنها المخابرات ضد المناضلين وعائلاتهم وفي داخل السجون وخارجها، وهي فضح كذلك لتسخير قضاء الاستبداد واستعمال أحكامه الجائرة التي تصدر باسم "أمير المؤمنين" و"الضامن الأول لوحدة الأمة" في الانتقام من النشطاء والسعي لتركيعهم؛

ثانيا: هي رد سياسي ميداني ومباشر على خطاب 29 يوليوز/تموز الذي دعا من خلاله  الملك إلى المزيد من تشديد القبضة الأمنية عبر إشادته بالدور الوطني الشجاع الذي يقوم به البوليس، في تلطيخ سمعة البلد طبعا، وفي اقتراف جرائم قذرة، ودعوته الصريحة إلى الامعان في سياسات التقشف والخوصصة ومواصلة تفكيك القطاع العام وأنظمة الوظيفة العمومية، ودفاعه المقدس، كأي رجل أعمال، عن القطاع الخاص كنموذج ينبغي أن يحتذى به!!

ثالثا: مسيرة بروكسيل صرخة تضامن صادقة وقوية مع أهالينا في الريف، ليتأكدوا أنهم ليسوا وحدهم في ساحات الكفاح من أجل مغرب حر وديمقراطي، وأننا معهم، نقف إلى جانبهم بنفس العزيمة والإصرار في تحدي آلة القمع والإرهاب؛

رابعا: مسيرة بروكسيل تسائل التضامن في الداخل المغربي، التضامن الذي ينبغي أن تحفزه القوى المناضلة بمختلف انتماءاتها ومشاربها، تضامن من قبيل ذلك الذي عايناه بفرح لا يوصف في 11 يونيو/حزيران الماضي، حيث خرج أحرار وحرائر الوطن في صفوف متراصة ومتكاتفة وموحدة للتضامن مع الريف وللمطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة والمساواة الفعلية؛

خامسا: مسيرة بروكسيل تزرع من جديد سنبلة تضامن جديدة لتتفتح سنابل صمود وإصرار ومقاومة في مختلف بلدان المهجر، فما أحوجنا اليوم إلى تمتين وحدتنا وصهر إراداتنا وجهودنا في بوتقة توسيع التضامن وتطويره في أوربا مع أهالينا في الريف؛

سادسا: مسيرة بروكسيل تؤكد أن الانتفاضة مستمرة بالداخل وصامدة ضد كيد الكائدين وتخاذل المتخاذلين وعجز العاجزين وتواطؤ الخونة والمجرمين ومناورات الوسطاء والسماسرة.. وهي مستمرة أيضا في بلاد المهجر لمقاومة الضغط الذي يولده القمع والعنف الممارسين ضد المحتجين بالداخل عبر الاستمرار في التضامن...

سابعا: مسيرة بروكسيل تفضح تواطؤ مؤسسات الاتحاد الأوربي السياسية والحقوقية التي تكتفي بالتفرج على ما يجري من خرق وانتهاك سافرين لحقوق الإنسان في المغرب، ما دام الاستبداد يخدم مصالحها الحيوية ويتعاون معها كعبد ذليل في قضايا الإرهاب والهجرة السرية والمخدرات... ويشرع خيرات البلد وموارده في البر والبحر والجو وفي أعماق الأرض على مصراعيها لإشباع جشع شركاتهم الاستعمارية؛

ثامنا: مسيرة بروكسيل دعوة أخوية للقوى النضالية في أوربا... لليسار الأوربي ولمنظمات النضال العمالي والشبابي والحقوقي والنسائي، من أجل التحرك واتخاذ مبادرات نضالية للضغط على حكومات بلدانهم المتعاونة مع النظام الاستبدادي في المغرب لنصرة نضال الشعب المغربي؛

تاسعا: مسيرة بروكسيل تقول لا... لا... لا لأمير المؤمنين ولشرطته السرية والعلنية ..ولا للاغتيالات ولا للاعتقالات، ولا للصمت ولا للتراجع ولا للاستسلام ولا لإحباط واليأس... صرخة بروكسيل هي ضد الصمت وضد التراجع الانهزامي وضد التنازل وضد الاستسلام وفي نهاية المطاف هي صرخة تضامنية صادقة ومدوية ودعوة صريحة للبقاء في الميادين والالتصاق بها صونا لوردة أنوال المتفتحة...

عاشرا: مسيرة بروكسيل تقول أن الريفيات والريفيون باقون وصامدون في ساحات انتزاع الحرية والمستشفى والجامعة والشغل والطريق السيار والبسمة والورد والأمل.... صامدون لانهم متشبثون بحقنا جميعا في مغرب يتسع لكل أبنائه...

لن نترك الميادين وسنقف لكم بالمرصاد... ولن نترك المافيا المتحكمة في مصير بلدنا تستمر في عبثها وفي جريمتها: جريمة نهب الوطن وافتراسه ورهن مقدراته الاقتصادية للقوى الإمبريالية العالمية... على هذا العهد تعاهدنا وعلى هذا الطريق يجب أن نكمل... حتى النهاية.

ورغم قسوة الضربات القمعية الموجعة التي يتلقاها أهالينا المنتفضين في الريف ضد الطغيان، ورغم بطش أساليبه، فإنه حري بالجلاد أن يعرف أن القتل والإعدام والنفي والاغتيال...وكل الممارسات القمعية والإرهابية مهما تفنن في تطبيقها لا يمكن أن توقف مسيرة شعب قرر معانقة الحرية، ولا يمكن أن تكسر إرادته في مواصلة النضال من أجل قضيته الأولى: مغرب حر وديمقراطي....ومن ينتابه شك في هذه الحقيقة التاريخية الساطعة فليسأل المهدي بن بركة وعمر بنجلون ودهكون وعباس لمساعدي والمهدي بنونة وجبيهة رحال وسعيدة وزروال ومحسن فكري وعماد العتابي ومصطفى بلهواري وكمال العماري وآيت الجيد بنعيسى وكمال الحساني... وغيرهم من شهداء هذا الوطن...فإن اغتيالهم وسحق انتفاضات شعبية عديدة لم يوقف النضال... كل ما حصل أن الطغاة ذهبوا إلى مزبلة التاريخ، وظلت تضحيات الشهداء والمعتقلين تنير طريق الحرية.

لنواصل النضال ضد المحاكمات السياسية وضد القمع... ولتتحد كل القوى المناضلة في النقابات والاتحادات المهنية والشبابية والحقوقية والحزبية في كفاح مشترك من أجل حرية شعبنا وكرامته وحقه العادل في العيش الكريم. 

لنقبض على جمرة النضال في مواجهة هذا الهجوم الطبقي والسياسي والأيديولوجي والإعلامي غير المسبوق من قبل الدولة البوليسية، والذي قد يحدث بعض الارتباكات والترددات وهذا أمر طبيعي جدا ومتوقع في أية معركة سياسية حاسمة...لكن لا ينبغي لهذا الهجوم أن يقف في وجه إرادة شعبنا في مواصلة معركة الحرية الشاقة وطويلة النفس...فهو الطريق الوحيد القادر على الإبقاء على شعل الأمل متقدة من أجل مغرب حر وديمقراطي...لذا على الكيانات المناضلة الوفية لقضية تحرر شعبنا أن تتحمل مسؤولياتها السياسية والتاريخية والأخلاقية، أفرادا وجماعات، قبل فوات الأوان.

إنهم يسعون إلى زرع الإحباط واليأس في صفوف الأحرار والحرائر... وهنا يصبح للنقاش الديمقراطي حول وضع الحراك الشعبي في الريف وسبل وآفاق دعمه وتطويره أهمية بالغة بل  وحاسمة في بعض الأحيان، لاسيما امام التراكمات الإيجابية المحققة لحد الآن، والتي يمكن أن يبني عليها كل أحرار الوطن خطة سياسية واضحة لتنظيم معركة الدفاع بشكل جبهوي منسق وفاعل ضد الاستبداد الذي يستخدم كل أسلحته القمعية والإعلامية والسياسية والرسمية لوأد الانتفاضة الريفية...مع تجنب التفاؤل الأعمى والمغامرات غير المحسوبة الذي قد يؤدي بالحراك إلى تكبد هزيمة ساحقة... لاسيما أمام عزلة الحراك وانعدام إسناده بشكل عملي من قبل المنظمات النقابية والسياسية... دون أن نتقهقر تحت تأثير الضربات القمعية الموجعة إلى مستنقع الإحباط والتردد وترك ساحات المعركة والتشكيك في قدرتنا على التغيير من أسفل أي بالاعتماد على النشاط الواعي والمنظم للجماهير.

ليساهم الجميع كل من موقعه وكل حسب طاقته في صون بذرة الأمل التي زرعتها انتفاضة الريف في أعماق بلدنا وفي أعماق كل مناضل ومناضلة... هذه البذرة التي تقاوم بشكل رائع كل محاولات اقتلاعها... أقصد بذرة الأمل في إمكانية بناء مغرب يتسع لكل بناته وأبنائه.

ورغم أهمية مسيرة بروكسيل في هذا الظرف بالذات فإنها تطرح علينا جميعا أسئلة حارقة:

هل يمكن اعتبار مسيرة بروكسيل نقطة تحول من أجل جمع شتات النشطاء في أوروبا، وتوحيدهم على أرضية برنامج نضالي وتصور جديدين يستجيبان للتطورات والتحديات السياسية والميدانية التي يجتازها الحراك الشعبي في الريف؟

ما هي المهام التي ينبغي أن نركز عليها  في هذا الظرف بالذات؟ 

هل تلتقط أحزاب اليسار وكافة القوى المناضلة والصادقة في المغرب الإشارة وتهب لاحتضان نبض الشارع قبل فوات الآوان؟

كيف يمكن أن نقنع الصحافة الأوربية من النزول لمسيراتنا وفعالياتنا النضالية لتغطيتها ونقل أجوائها ومطالبها والتعريف بها في الأوساط الأوربية، خاصة وأن مسيرة بروكسيل عرفت مشاركة محتشمة للصحافة؟

كيف يمكن التواصل مع نساء المهجر وشاباته لإقناعهن بأهمية لمشاركة القوية في أشكال التضامن مع الحراك الشعبي في الريف لنتجاوز في الفعاليات النضالية المقبلة ضعف المشاركة النسائية التي عرفتها مسيرة بروكسيل؟

من مسؤوليات الاحرار في الخارج، أيضا، الحرص تطوير العمل مع الجالية المغربية من خلال التوعية ونشر الفهم الحقيقي للوطنية والدين... هذا المسلك جزء أساسي و ضروري في عملية التغيير، لاسيما أمام تفاقم المعضلات المرتبطة بالهجرة السرية والإرهاب واستعماله من طرف الحكومات اليمينية في أوربا لتأجيج مشاعر العداء والعنصرية إزاء الأجانب وخاصة المسلمين منهم. 

ألم يحن الوقت لتدعيم الحراك وتوسيعه ليشمل باقي مناطق المغرب، إذ أن التضامن الفعلي في الداخل لا يمكن ان يتم إلا بحفز حراكات شعبية اجتماعية وسياسية في مختلف المناطق، ولاسيما في المدن ذات التأثير الاقتصادي مثل طنجة والدار البيضاء... بغية تخفيف الضغط من جهة على الريف، ومن جهة ثانية من أجل أن يجد النظام نفسه مستنزفا في مواجهة أكثر من جبهة.

عاش الحراك الشعبي في الريف ولا عاش من خانه

المجد للشهداء

والحرية الفورية وغير المشروطة لكل المعتقلين السياسيين