مفهوم الامبريالية وصعود رأس المال المالي

نشر في‫:‬الجمعة, حزيران 30, 2017 - 19:48
بريشة الفنانة ريم يسوف
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

كان الْمُفكّرُ النّمْساويّ رودُلف هلفردنج، أوّلَ مَنْ لَفَتَ الانْتِباهَ إلى مَقولَةِ “رأس الْمال الْماليّ، وذلك في كتابِه الشّهير، الذي حَمَل عنْوانَ “رأسُ الْمالِ الْماليّ”، واعْتَبَرَ هلفردنج أنَّ الرّأسْماليّةَ هي ظاهرِةُ تَرَكُّزِ رأسمالِ رأسُ الْمالِ الْماليِّ، الذي يُهَيْمِنُ في عَصْرِ الصّناعةِ الاحْتِكارِيّةِ، ولَمْ يَكتَفِ هلفردنج في بَحثِ الْعلاقَةِ بَين الْبُنوكِ التّجاريّةِ والصّناعَةِ وحَسْبُ، بلْ بحثَ أيضاً الْعلاقةَ بين الْبنوكِ وسُوقِ الأوْراقِ الْماليّةِ “البورصة”، وخَلُصَ إلى أنّ السّوقَ لا تكون مُسْتَقِلّةً عن البنوكِ بلْ تحتَ سَيطرتِها، والْبنوكُ تجعلُ من البورصاتِ أداةً في خِدمتِها.

واللافِتُ في تحليلِ هلفردنج، هو ربْطُه شَديدُ الْوضوحِ بينَ الاحْتكاراتِ منْ جِهةٍ وظاهِرةِ فائضِ الرّساميل، ويرى أنّ الاحْتكاراتِ عادةً ما تسطيعُ أنْ تُحققَ مُعدلاتٍ عاليَةً من الأرباح، وهذه الأخيرةُ تَتدفّقُ إلى البنوك، ومِن شَأنِ هذه الاحْتكاراتِ أنْ تُبْطِئَ مِن اسْتخدامِ رؤوسِ الْأموال، حتّى تَتحكّمَ في الْأسواق، وبِسبب ذلك يَتزايدُ حجْمُ رؤوسِ الأموالِ الْفائضَةِ التي تبحثُ عن التّراكُمِ في حين أنّ الاحْتكاراتِ تُقلّلُ مِن امْكانيّةِ اسْتِثمارِها، وهذا يُمثّلُ تَناقُضاً يَتطلّبُ حَلّاً، والْحَلُّ هو بتصديرِ الرّأسمال. ولَقد ربط هلفردنج بين ظاهرةِ رؤوسِ الأمْوال مِن ناحية، وبين قانونِ اتّجاهِ مُعدّلِ الرّبحِ نَحوَ التّدَهوُرِ، على الْمَدى الطّويل، مُعْتبِراً تَصديرَ رؤوسِ الأموال ردَّ فِعلٍ من جانبِ الرأسمالية، لِمواجهةِ مَفعولِ هذا الْقانون، ومَعنى ذلك أنَّ تصديرَ الرّساميلِ مِن البلدان الرّأسماليّةِ إلى البلاد الأخرى، يتِمُّ بسببِ اسْتِحالةِ تَشغيلِ هذه الأموال داخلَ هذه البلدان، لأنّ تَشْغلَيها في الدّاخلِ سوفَ يُؤدّي إلى مَزيدٍ مِن تَدهوُرِ مُعدّلاتِ الرّبح. ومِن هنا، بَرزَتْ أهَمّيةُ تَصديرِ رأسِ الْمالِ في النّظامِ الرّأسماليّ. ربَطَ هلفردنج كذلك، بينَ ظاهرَةِ الامبرياليّة وتصديرِ الرّساميل، حيثُ يَستَغِلُّ الرّأسْماليّون في تنفيذِ هذا التّصدير، واقْتحامِ الاسْتِثماراتِ عَبْرَ الْبحارِ سياساتِ التّعصُّبِ الْقومي والْعنفَ والْقوّةَ الْعسكريّة ما يؤدّي إلى خَلْقِ الامبراطوريات الاستعماريّة.

وناقشَت الْمُفَكّرةُ الماركسيّة روزا لوكسمبورغ، بِدَوْرها، ظاهِرةَ تَصْديرِ رأسِ الْمالِ الْماليّ، في سِياقِ تحلِيلِها لِتناقُضاتِ نَمطِ الإنْتاجِ الرّأسماليّ، ولاحَظَتْ لوكسمبورغ وكمَا جاء في كتابِها ” تَراكُم رأس المال” أنّ التّناقضَ الْقائمَ بينَ قُدْرَةِ النّظامِ الرّأسماليّ اللامَحدودةِ لِتَوسيعِ قوى الانْتاج، ومِن ثُمّ قُدْرتُهُ الْهائلَةُ على زيادةِ حَجمِ النّاتجِ الاجْماليّ وبَينَ الْقُدْرَةِ الْمَحْدودةِ على التّصريف، بسببِ علاقاتِ التّوزيع، الْأمرُ الذي يُهدّدُ دَوْماً، النّظامَ بِعَدمِ التّوازُنِ وصعوباتِ تَكْرارِ الانْتاجِ الْمُّوِسع، وانْدلاعِ الأزَماتِ وأنّ مُشكلةَ فائضِ الانْتاجِ في النّظامِ الرّأسماليّ، تُمثّلُ تناقُضاً خَطيراً، يَتطلّبُ حَلّاً خاصّاً وأنّ تَصريفَ هذا الْفائضَ داخِلَ الاقتصادِ الوَطني، وَحسَب رأيِ روزا يُعْتَبَرُ مسْألةً مُسْتَحيلةً، وقدْ انْتهى تَحليلُها في هذا الْخُصوص، إلى أنّ حلّ التّناقُضِ يجبُ أنْ يكونَ خارِجياً، أيْ خارجَ دائرةِ الاقتصادِ الوَطنيّ، وفي بيئاتٍ غيرِ رأسْماليّة، أيْ في مَناطقَ وبلادٍ لمْ تَتحوّلْ بَعْدُ إلى النّظامِ الرّأسْماليّ، ولوْ تَمّتْ مُحاولةُ التّصريفِ في بِيئاتٍ رأسْماليّة، فإنّ المُشْكلِةَ سوفَ تَستفحِلُ أكثر. وخَلُصَتْ لوكسمبورغ إلى أنّ تَوَسّعَ النّظامِ الرّأسماليّ خارجياً، وسَيْطرتَه وإخضاعَهُ للبلادِ الْأقلّ تقدّماً، في آسيا و أفريقيا وأمريكا اللاتينيّة، قد أضعفَ وإلى حدّ بَعيد، الْمَيْلَ الْمُتأصّلَ في الرّأسْماليّةِ نَحوَ الرّكودِ والْبطالَةِ والْأزَمات، حَيْثُ تَتمكّنُ الرّأسْماليّةُ مِنْ تَصريفِ فائضِ مَنتوجاتِها الذي تَضيقُ بها أسواقُها الْمَحلّيَّةُ، وأنْ تَحصلَ من وراءِ ذلك، على ما تحتاجُ إليه مِنْ موادّ خامٍ وموادَّ غذائية بأسعارٍ متهاودةٍ، وكلُّ ذلك ينعَكسُ في النّهايَةِ، في تقْويضِ مَفْعولِ اتّجاهِ مُعدَّلِ الرّبحِ نحْوَ التّدَهوُرِ، داخلَ البلدانِ الصّناعيّةِ، وهكذا رَبَطتْ روزا بينَ ظاهرةِ الامبرياليّة وتَصديرِ رأسِ الْمال، ورأتْ أَّن الامبرياليّةَ تُمَثّلُ نَفْياً جُزْئياً لتناقضاتِ النّظامِ الرّأسمالي، وتَراكُمِ رأس الْمال واعْتبَرتْ لوكسمبورغ أنّ غزْوَ الْمناطِقِ غيرِ الرّأسماليّةِ، وجعْلَها تقومُ بِدَوْرِ الْمَنافذِ الْمُعَوِّضَةِ، وتأهيلِها يَحِدُّ مِنْ مَيْلِ مُعدّلِ الرّبحِ نحوَ التّدهْوُرِ في الْعواصمِ الْاسْتعماريّة، ولهذا عمِلَتْ الرّأسماليّة الْغازِيَةُ إلى تحطيمِ الاقتصادِ الطبيعيّ، في تلك المناطق ودَعمَتْ علاقاتِ الْمُلْكِيّةِ الخاصّة وأجْبَرتْ سُكانَها على استخدامِ النّقْدِ وتوسيعِ العلاقات السّلَعيّة النّقديّة وثمّ جَرى اغْراقُها في مسألةِ الدّيونِ الْخارجيّة.

أمّا بوخارين، الذي كان مِن أوَائلِ المُفكرين الذين بَحثوا في الرّأسماليّة في صَعيدِها الْعالَميّ، فقدْ تناوَلَ الاقتِصاداتِ الْوَطنيّة كَجُزءٍ من مجموعٍ أكبَرَ، وهُوَ الاقتصادُ الْعالَميّ الذي تَكَوّنَ تَدْريجيّاً، مِن خِلالِ السّلَعِ، وعلى قاعِدةِ التّخَصُّصِ وتَقسيمِ الْعَملِ الاجْتماعيّ، وبذلك يَنْقَسِمُ الْعالَمُ إلى بُلدانٍ صناعيّة وبلدان زراعيّة والسّوقُ العالَمي لِرؤوسِ الأموال، الذي تَكَوّنَ كنتيجةٍ حَتْمِيّةٍ، لتكْوين السّوقِ العالَمي للسّلَعِ، فقدْ قامَ على أساسِ تَدْويلِ رأس المالِ الْمَصْرِفي وبِهذا الشّكلِ يتكَوّنُ نَوْعٌ خاصٌّ مِن رأسِ المالِ الْماليّ على صَعيدٍ عالَمي، وتَمَثّلَ في ظُهورِ الاحْتكاراتِ الْعالَميّةِ، التي عَمِلتْ في مَجالاتِ النّقْلِ والصّناعةِ وإنتاجِ النّفطِ والطّاقةِ والصّناعات الاسْتِخراجيّةِ ولاحَظَ بوخارين أنَّ هذه المؤسّساتِ الاحْتكاريّةَ الْعالَميّةَ قد تَوَلّدّتْ مِن الْمُلْكِيّةِ الْخاصّةِ لرأسمالِيي عدّةِ بلدان، ومن الْحِيازَةِ الْمُشتركة لِسَنداتِ وَقِيَم تلك المؤسسات. وهكذا يكون بوخارين من أوائلِ الذين تحدثوا عن تَكامُلِ الأسواقِ الماليّة، حينَما ذكرَ أنّ تصديرَ رأسِ الْمالِ، يُؤدّي إلى مَيْلِ مُعَدّلِ الرّبْحِ وسِعْرِ الْفائدةِ إلى التّعادُلِ على الصّعيدِ الْعالَمي، وهذا التّبادُلُ والتّساوي في مُعدّلاتِ الرّبْحِ وأسْعارِ الْفائدةِ بين الاسْواقِ الْمُختَلفةِ، يُمَثّلُ الْيَومَ أحدَ الْمَعايِيرِ الْهامّة التي يَسْتنِدُ إلَيْها مُنَظِّرو الْعَوْلَمَةِ الْماليّةِ للدّلالَةِ على الْمَدى الذي وصلَتْ إليه الْعَوْلَمَةُ الْمالِيّة.

ويَبْقى الْمُؤلَّفُ الْهامُّ والتَأسيسي “الإمْبرياليّة أعْلى مَراحِلِ الرّأسْماليّة” للْقائدِ الثّوريّ والْمُفَكّرُ الْماركسيّ لينين، بِمَثابَةِ بُوصلَةٍ فِكريّةٍ–ثَوْريّةٍ لِعَدَدٍ كَبيرٍ مِن الْمُثقَّفين الْماركسيين الذين اعْتمَدوه، كأساسٍ نَظريٍّ مِن أجلِ تحليلِ الظّواهِرِ السّياسيّة-الثوريّةِ الْجديدةِ والْمُتَجدّدَةِ لِأنّه لا يزالُ يَحْتَفِظُ براهِنِيّتِه.

لينين الذي بَدأ عَيَانِيّاً، مِن دِراسَةِ الْوضعِ الرّوسيّ وتَشْكيلاتِه الاجْتماعيَةِ وطبقاتِه ونُمُوِّ الرأسماليّة الْجَنينيِّ، كما ظهرَ ذلك جَلياًّ في كتابِه “نُموّ الرأسماليّة في روسيا” وحلّلَ الامبرياليّةَ وتَناقُضاتِها، ومِنْ ثُمَّ صاغَ قانونَ تفاوُتِ النّموِّ بين البلدان الرأسماليّة.

يرى لينين أنَّ عصرَ الامبرياليّة هو عصرُ صِداماتٍ وحُروبٍ ما بين الدول الامبرياليّةِ ونُشوءِ الكارتيلات الدّوليّةِ والصّراعِ على الأسواقِ واقْتِسامِ مناطقِ النّفوذ. ولهذا الصّراعِ طابَعٌ طبقيٌّ لا يَكمنُ في تاريخ الحرب الدبلوماسيّة، بل في تحليلِ الحالَةِ الْمَوْضوعيّةِ للطبقات المُسيطِرة في جميع الدّولِ المتحاربة، وعلى هذا الأساس الاقتصاديّ، تكونُ الحروبُ الامبرياليّةُ أمْراً مَحْتوماً، طالما بقيَتْ مُلكيّةُ وسائلِ الانتاج مُلْكاً خاصّاً، ولقد تحولَت الرّأسماليّةُ إلى نظامٍ عالَميٍّ لاضْطِهادِ الأكثريّة الكُبرى مِن سكانِ الأرض، أو خَنْقها ماليّاً من قِبَلِ حَفْنَةٍ من البلدان المُتقدّمة ويجري اقْتسامُ هذه الْغَنيمةِ بَين الأقوياءِ على مُستوى الْعالَم.

لمْ يَختلِفْ لينين، معَ أتْرابِه مِن المُثقّفين الثّوريين، بلْ أتى تحليلُه مُنْسَجِماً ومُتوائمًا معَ ما طرحَه بقيّةُ الرّفاقِ الثّوريين لِجهةِ أنّ ما يُمَيّزُ الامبرياليّةَ هو هَيمنةُ رأس المال المالي ونُشوءُ ظاهرةِ الاحْتِكارات، وهذه الأخيرةُ هيَ أوْطَدُ ما تكونُ حينَ تَنْفرِدُ بِوَضْعِ يَدِها على جميعِ مَصادرِ الْخاماتِ، وحِيازَةِ المستعمَرات. وكُلّما تَقدّمَتْ الرّأسماليّةُ في تطوِّرها، كلّما بَدا بِصورةٍ أوضحَ نقْصُ الْخاماتِ وكلّما اسْتعَرتْ الْمُزاحَمَةُ واشْتَدَّ الرّكضُ وراءَ مَصادرِ الْخاماتِ في الْعالَمِ كُلّهِ، واحْتَدَمَ الصّراعُ مِن أجْلِ حِيازةِ الْمُستِعْمرات. وتَقاسُمُ الْعالَم، هو سياسةٌ اسْتِعماريّةٌ تَشْمَلُ، دونَ عائقٍ، أقطاراَ لمْ يَسْتَوْلِ علَيها بعدُ، ومِن ثُمَّ يَتِمُّ الانْتِقالُ إلى سياسةٍ اسْتعمارِيّةٍ تقومُ على احْتِكارِ حِيازَةِ بِقاعِ الأرضِ الْمُنقَسِمَةِ بِأكْمَلِها.

وَمِنْ أَبْرَزِ مَظَاهِرِ الإمْبِرياليَّةِ كما حدَّدَها لينين تصْديرُ الرّأسمالِ خِلافاً لِتَصْديرِ الْبَضائع، وتَشْكيلُ اتِّحاداتِ رأسْماليين احْتِكارِيين تَقْتَسِمُ الْعَالَمَ، ناهِيكُم عن انْتِقالِ الْعُمّالِ ونُزوحِهم مِن البُلدانِ الأكْثَرَ تأخُّراً حيثُ الأجُورُ فيها أحَطُّ ، فَضْلاً عنِ اسْتِثمارِ الأُمَمِ الصّغيرةِ “المُستعمَراتِ” مِنْ قِبَلِ الأُمَمِ الْغَنِيّةِ وفي هذه الْمَرْحَلةِ الْمُتَأخّرَةِ مِن الرّأسماليّةِ الْماليّةِ تَظهرُ الدّولةُ صاحِبَةُ الْمَداخيلِ التي تَعيشُ على تَصْديرِ الرّساميلِ إلى البُلدانِ النّامِيَةِ، حيثُ الْمَوادُّ الْخامُ والْعمالَةُ الرّخيصَةُ، وعندَ مَنْحِ أيِّ قَرْضٍ للدّولةِ النّامِيَةِ مِن قِبَلِ قِوى الاحْتِكارِ، يَتِمُّ عِندئذٍ الاتْفاقُ على شِراءِ مَنْتوجاتِ الْبلدانِ الدّائنَةِ، ولا سِيّما الْأسلِحَة. واللافِتُ هو عَملُ رأسِ الْمالِ الْماليّ في الضّواحي الكُبْرى وعندها يَنْدَمِجُ احْتِكارُ الْبُنوكِ بِاحْتِكارِ الرّيعِ العِقارِيِّ واحْتِكارِ طُرُقِ الْمُواصَلات.

وجاءتْ آراءُ الْمُفكرِ الإيطاليّ الماركسيّ أنْطونيو غرامشي، فيما يَتعلّقُ بالإمْبرياليّةِ لِتُؤكّدَ أطْروحاتِ مَنْ سَبَقَهُ، مُعْتَبِراً الامْبِرياليّةَ وقبْل أيِّ شَيءٍ آخرَ، تَصْديراً لِرأسِ الْمالِ الْماليّ، الأمْرُ الذي يُسَاعِدُ على تَوْسيعِ رأسمالِ التّمْويلِ الأجْنَبي. وأنْ تكونَ الدّولةُ مستعمِرةً “وِفْقَ تَعْبيرِ غرامشي” يَعني أنْ تكونَ كَثيرةَ الانْتاجِ وغَنِيَّة في رأسِ الْمالِ الذي تَسْتَثمِرُهُ خارجَ حُدودِها الْخاصّة وبذلك تزولُ كلُّ امكانِيّةٌ للتّنْمِيَةِ الاقتصاديّةِ الْمُسْتقلّةِ لِلْبلدِ الْمُسْتَعمَر، مِن أجْلِ الْفائدةِ الْوَحيدَةِ لِمَجموعةٍ صغيرةٍ مِن الصّناعيين مِن البلدِ الامْبِريالي. وأصبَحَ الصّراعُ على تَقْسيمِ الْمُسْتَعمراتِ مِنْ أجْلِ الْحُصولِ على الْمَوادِّ الْخامِ والسّلعِ الْغِذائيّةِ حادّاً ويُمكنُ أنْ يُؤدّي إلى حَريقٍ عالَمي.

يَقولُ غرامشي: (لقد كان الْعُمّالُ والْفلاحون في الْبلدِ الأمِّ والشُّعوبُ الْخاضِعَةُ في الْمُسْتَعمَراتِ هُمُ الْأهدافُ السّلْبِيّةُ لِعَمليّاتِ اسْتِغلالٍ ضَخْمَةٍ. وهكذا يُصْبِحُ سُكّانُ الْمُستَعْمَراتِ الْقاعِدةَ لِجِهازِ الاسْتغْلالِ الرّأسْماليّ بِأسْرِهِ. ولَقدْ كان الاسْتغلالُ في فتَراتِ السّلامِ مُنَظَّماً ولكنّه أثناءَ سَيْرِ الْحَرْبِ كان مُنَظَّماً وخِلالَ سنواتِ الْحَريقِ الْعالَمي بَلَغَ الاسْتِغْلالُ ذُرْوَتَهُ) غرامشي ص197
رأسمالية اليوم وطورها المالي
يَلْعَبُ الرّأسمالُ الْماليُّ الْيومَ، دوراً مُؤثِّراً، وغالِباً ما يكونُ مُسَيطِراً في مناطقَ مُختلفةٍ مِن الْمَعْمورَةِ، في ضوْءِ ما يُقَدّمُهُ مِنْ مَوارِدَ ماليّةٍ وقُروضٍ واسْتثماراتٍ ماليّة، وأصبَحَتْ الزّراعَةُ والصِّناعَةُ خاضِعَةً لِهَيْمَنتِهِ، وارْتبَطتْ عَوْلَمَةُ الْأسْواقِ الْماليَّةِ بِنهايَةِ عَصْرِ بريتون وودز، والتّحَوُّلِ مِنْ نِظامِ أسْعارِ الصّرْفِ الثّابِتةِ إلى أسْعارِ الصّرفِ الْمُعَوَّمَةِ، وظُهورِ فَوائضَ ماليّةٍ ضَخْمَةِ عَجِزَت الأنْظمَةُ الْوَطنيّةُ في الْبلادِ الصّناعيّةِ عَن اسْتِيعابِها عَمَليّاَ، فراحَتْ تَبْحثُ عَن فُرَصٍ للتّثْميرِ الْمُربحِ و أصبحتْ الرّأسماليّةُ الْماليّةُ ذاتُ طابَعٍ رَيْعيٍّ، وصارَتْ تعيشُ على رَيْعِ الأوْراقِ الْماليّةِ، وليسَ على رِبْحِ الْمَشْروعاتِ الانْتاجِيّة، وانْتَقلَ رأسُ الْمالِ إلى الْمَناطِقِ التي تَشْهدُ تَركيباَ بَسيطاً لِرأس الْمالِ الثّابِتِ، أيْ الْمناطقِ ذاتِ التّكنولوجيا الأدْنى، بِسببِ بَساطةِ الْعَمَليّةِ الانتاجِيَّةِ، بِما يَجعلُ الْمَرْدودَ الرّبْحِيَّ لِرأسِ الْمالِ أعلى، نظراً لانْعدامِ التّكاليفِ التّكنولوجية، وهكذا يُحافِظُ رأسُ الْمالِ الْمُهاجِرُ على الْوَضعِ الْمُتَأخّرِ لِأساليبِ الانتاجِ في هذه المناطق، لِأنّ تأخيرَها هذا، هو مَصْدَرُ رِبْحِه الأعلى الذي لا يَستطيعُ تَحْقيقَهُ في بَلادِه ذاتِ التركيبَةِ التكنولوجيةِ العاليَةِ، وهذه الاعْتِباراتُ الرّبحيَّةُ تُعيقُ تَطوُّرَ أساليبِ الإنتاج. وتحت تأثيرِ وتَدْويلِ رأسِ الْمالِ الْمالي، أصبحَت الْبنوكُ الْمَركزيّةُ ووزارةُ الخِزانَةِ، واقعَةً تحتَ تأثيرِ حرَكاتِ رُؤوسِ الْأمْوالِ الدّوْليّةِ في البلدانِ النّامِيَةِ، التي خضَعَتْ لِشُروطِ الْعَوْلَمَةِ الْمالِيّة. والبلدانُ التي فَتحتْ أبْوابَها لِأنْشِطَةِ رأسِ الْمالِ الْمالي الْعالَمي، مِنْ خِلالِ السّماحِ له بالتّعامُلِ مَعَ أسْواقِ النّقْدِ الْمَحَلّيَةِ، معَ إعْطائهِ الكثيرَ من الضّماناتِ وأنْواعِ الْحِمايَةِ والامْتيازات. وفي هذه الأثناء، تكوّنَتْ على هامِشِ هذه الْعَمليّةِ، شرائحُ كمبرادوريّة مَحلّيّةٌ ارْتبَطتْ مَصالِحُها معَ مصالِحِ رأسِ الْمال الْمالي، وأصْبحَتْ وَكِيلَةً ومُمَثّلَةً له. وبَدأتْ عَملِيَّةُ خَصْخَصَةِ الْقِطاعِ الْعامّ ولَعِبَتْ هذه الاخيرةُ دَوْراً لا يُسْتَهانُ به في تَوْسيعِ الْعَوْلَمَةِ الْمالِيّة، وخاصّةً بعدَ عمليّاتِ التّحريرِ الْمالي الْمَحلّي والدّوْلي، والسّماحِ للأجانِبِ بتملّكِ الشّرِكاتِ والْمُساهَمَةِ في مُلْكِيّتِها. والْمَطلوبُ وجودُ دُوَلٍ تُناسِبُ مَرحلةَ الْعَوْلَمَةِ وتتكيّفُ معَ الْمُؤسساتِ الْماليّة، وتَضْمَنُ عمليّةَ القضاء على الْقطاعِ العام.

ولا ضَيْرَ من الْقَول، إنّ الرّأسماليّةَ الْعالَميّةَ تُقدِّمُ نفسَها اليومَ، في صورةِ مؤسساتٍ ماليَّةٍ، وإنْ دلَّ ذلك على شيء إنّما يّدلُّ على أنّ تَغيُّراً جَذْريّاً قد حَصلَ للرّأسماليّةِ، فبعدَ أنْ كانتْ تُباشِرُ عمليّةَ التّوَسُّعِ الرّأسماليِّ الْعالَميّ، مُنذُ الْقرن السابعَ عشرَ، وذلك عن طريقِ التّدخُّلِ الْعَسكَريِّ الْمُباشِرِ للْجُيوش، اسْتغْنَتْ الرّأسماليّةُ عَن هذه الْوَسيلَةِ كأسْلوبٍ في الانْتِشار، وظهَرتْ بَدلاً عنْها الْمُؤسساتُ الْمالِيّةُ الْعالَميّة. والْمَهَمَّةُ الْأساسيّةُ لِهذه الْمُؤسسات، هيَ نَقْلُ رأسِ الْمالِ مِنْ مَرْكَزِ النّظامِ الرّأسماليِّ إلى أطرافِهِ، على شكلِ قُروضٍ واسْتِثماراتٍ وجَعْلُ هذه الأطرافِ، مَجالاً خَصْباَ لِتحقيقِ الأرْباح التي تَصُبُّ كُلُّها في الْمَرْكَز. وهذا ما جعلَ عددًا مِن الاقتصاديين، مثل سَمير أمين وأرْنِستْ ماندل وديفيد هارفي يعتبرون الأرباحَ الطّائلَةَ للاسْتِثمارِ الْمُباشِر لِخدمَةِ الدَّيْنِ شكلاً جديداً من أشكالِ الْخَراجِ تَدْفعُها الأطرافُ التّابِعَةُ لِلْمراكزِ الْمُسَيْطِرَة، وقد راجَ في الْآوِنةِ الأخيرة استخدامُ مُصطَلَحَ “الكازينو” لِوَصْفِ أنْشِطَةَ رأسِ المالِ الْمالي، الْمُتَمَثِّلَةَ بِالْمُضارَباتِ الشّبيهَةِ “بِلُعْبَةِ الْقِمار” بِمَعْنى أنَّهُ قد تَمَّ الاسْتِغْناءُ عنْ إنْتاجِ السّلَعِ كَوسيطٍ في عَمليّةِ تَوْليدِ الْمال، وأصبحَ الْمالُ يُوَلَّدُ مِن الْمال، عن طريقِ الأسْهُمِ والسَّنداتِ والْمُضارَبةِ في الْبورصات، وأصبح الاقتصادُ الْمالي الاسْتِثماريُّ، هو الشُّغلُ الشّاغِلُ للطبَقةِ الْمُتْرَفَة، وهذه الأخيرةُ هي التي تَعزلُ نفسَها عن العملِ الشّاق، أيْ العملِ المُنتِجِ لِلْقيمَةِ الاسْتعِماليَّةِ، وتتَخَصّصُ في الْأعمالِ الْمُنتِجةِ لِلْقيمَةِ التّبادُلِيّة، أيْ الْمُوَلِّدَةِ لِلرّبحِ الْمالي، وهي الطبقةُ الْمُقامِرَةُ، التي تَنْظُرُ إلى عالَمِ الاقتصادِ على أنَّهُ صالةُ قِمارٍ وتلْعَبُ فيهِ لُعْبَةَ الْحَظ.

هكذا، تكونُ الدّولُ قد تَحولَتْ إلى خادِمٍ لِتَسْييرِ شُؤونِ الرّأسماليّةِ الْماليّةِ “ضامِنَة السّوق العالَمي”. وهُنا يَصحُّ تَوْصيفُ ماركس للدولة على أنّها “جهازُ إدارةِ الشّؤونِ الْعامّةِ للبورجوازية”، بَيْدَ أنّ الْحِراكَ الْعالَمي لِرأسِ الْمال، يَتطلّبُ بالْمُقابِل، حَراكاً مُماثِلاً لِلْعَمالَة، كَيْ يَسْتَطيعَ تَوْظيفَها أيْنَما ذهَب. ويُساعدُ هذا الْحَراكُ الْعالَميُّ لِرأسِ الْمالِ، في خَلْقِ حَراكٍ عالَميٍّ مَثيل، في صُورَةِ عَمالَةٍ دَوْلِيَّةٍ رَخيصَةٍ، وسَهْلَةِ التّحرُّكِ مِنْ مكانٍ لِآخرَ يستطيعُ رأسُ المالِ جَلْبَها مَعَهُ أيْنَما تَوَجَّهَ. وبذلك يُساعِدُ على تَكْوينِ بروليتاريا عَالَميّة. وحرَكةُ رأسِ الْمالِ الْمالي لَيْسَتْ بِمَعْزِلٍ عن الأزَمات، فقد تَعَرَّضَ لأزَماتٍ خانِقةٍ عديدة. ففي خريف 1982 توقّفَتْ المكسيك وتشيلي عن دفْعِ أعباءِ دُيونِهما الخارجية، والتي كان الشّطرُ الأكبرُ مِنْها مُسْتَحَقّا للبنوك التّجاريّةِ الْكُبرى، الأمرُ الذي هدّدَ تلك البنوك بأزمَةٍ هائلة، وكان من الْواضِحِ أنَّ رأسَ الْمالِ الْمالي، قد وصلَ في امْتِصاصِه لِلْفائضِ الاقتصادي في هذَين البلدين إلى مدى بعيد، بحيثُ وصلَ معدّلُ خِدْمَةِ الدين الخارجي، إلى مُسْتَوياتٍ حَرِجَةٍ جداً، جعلتْهُ يَمْتصُّ كلَّ حصيلَةِ هذه البِلاد، مِنَ السِّلَعِ والْخدماتِ ما أدَّى إلى ارْتِفاعِ تَكاليفِ الْمَعيشةِ وزِيادةِ حَجمِ الطاقاتِ الانتاجيَّةِ الْمُعطَّلَةِ وتردّي مُعدّلاتِ النُّموِّ الاقتصاديِّ وارْتِفاعِ مُعدّلاتِ الْبَطالَة. وكان اسْتِمرارُ دَفْعِ أعْباءِ الدُّيونِ الْخارِجيّةِ في هذه الْحالَةِ يَعني الْمَزيدَ مِن اسْتفحالِ الاوْضاعِ الاقتصاديّةِ والاجْتماعيَّةِ وبالتالي السّياسيَّة. وتَلاحقَت الأزَماتُ فيما بعدُ، وصولاً إلى الأزمةِ الْبُنْيَويَّةِ لِرأسْماليَّةِ الْيوم.

وما انْدلاعُ الانْتِفاضاتِ الشّعبِيَّةِ في الْأطرافِ وحركاتِ الاحْتجاجِ الْعُمّاليَّةِ-الشّعْبيَّةِ في الْمَراكِزِ سِوى ردَّةِ فِعلٍ على هذه الأزمَةِ، ومِنْ شأنِ هذه الأخيرة أنْ تُفاقِمَ الصّراعَ الطبقيَّ في الْعالَمِ بِأسْرِهِ ضدَّ الرأسماليَّةِ الْهَرِمَة. والْمَعروفُ أنَّ كَعْبَ آخيل الرأسماليَّةِ هو مُقاوَمَةُ الشّعوبِ لها والرَّدُ على التَّحالُفاتِ بينَ أصْحابِ الرَّساميلِ يكونُ بِعَقْدِ تحالُفاتٍ طَبقيَّةٍ نَقيضَةٍ بينَ الطبقةِ العاملَةِ والْمُفْقَرين على مُسْتَوى العالمِ بِأسْرِهِ. وما يُثيرُ رُعْبَ قوى الاحْتِكارِ الْعالَميِّ هو تَشكيلُ جَبْهةٍ أُمَمِيَّةٍ للشُّعوبِ في الشّمالِ والْجنوبِ ضدَّ رأسِ الْمال.