"بيروت برايد" والنضال من أجل الحقوق والحريات الجنسية والجندرية

نشر في‫:‬الخميس, حزيران 1, 2017 - 15:39
من مسيرة "قضايانا متعددة، نضالنا واحد" (آذار 2017) | المنشور
الكاتب/ة: اللجنة النسوية الاشتراكية- المنتدى الاشتراكي (لبنان).

شاركت مجموعة من الجمعيات غير الحكومية من الرابع عشر وحتّى الواحد والعشرين من أيار ٢٠١٧، وبمناسبة اليوم العالمي لمناهضة رهاب المثليّة والتحوّل الجنسي، في ما سمّي بـ"بيروت برايد" (أو فخر بيروت) استنكاراً لخطاب الكراهية والعنف. قوبل هذا النشاط بتهديدات صدرت عن هيئة علماء المسلمين في لبنان في 13 أيار 2017 والتي أدت إلى إلغاء نشاط مقرّر لجمعية "براود ليبانون" وآخر لجمعية "حلم". ترافق التهديد الصريح، تحت طائلة "نزول الغيارى على العفة والشرف من كل لبنان لمنع هذا المؤتمر المؤامرة"، مع استنفار الهيئة لعلاقاتها المقرّبة بكلّ من مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان ووزير الداخلية نهاد المشنوق والمدير العام للأمن العام اللواء عباس ابراهيم. أمّا استسلام المؤسسات الأمنية لتهديدات الهيئة، فجاء ليفضح تهافت منطق الأمن والحريات الذي تدعيه المؤسسات الأمنية الرسمية اللبنانية التي تتّبع سياسة ممنهجة بإهانة واضطهاد واعتقال وتعذيب الفئات الأكثر هشاشة من المثليين والمثليات، خاصة اللاجئين واللاجئات ومتغيّري ومتغيّرات النوع الاجتماعي وعاملات الجنس. كما أن قياداتها ينتمون أو هم مقربون من تيار المستقبل، الذي ينازل أو يساير الإسلاميين في ملعبهم، ليبرهن عن "غيرة" على الدين أكثر من "علمائه"، في محاولة بائسة لاسترداد شعبيته ضمن الطائفة السنية.

وبلغة مماثلة للّغة الواردة في بيان هيئة علماء المسلمين، أعلن الأمين العام لحزب الله حسن نصرالله في خطاب يوم 18 آذار 2017، أن المثلية الجنسية تمثّل تهديداً للعائلة، مضيفاً: "يوجد مجتمعات في الخارج دمرتها المثلية، والآن يتم تصديرها لنا إلى لبنان والعالم العربي والإسلامي،" وداعياً "جميع الحريصين على مجتمعهم وعلى الطهارة الإنسانية والبشرية، أن يقفوا في وجه مشاريع من هذا النوع." مرّ خطاب نصرالله هذا مرور الكرام، ولم يطاله من النقد ما طال هيئة علماء المسلمين. هذا، وتم التغييب العمدي أو التبرير من قبل العديدين ممن يطرحون أنفسهم كـ "مثقفين""مدافعين عن المثليين"، لنبرة التهديد والوعيد الذي تضمّنه الخطاب تجاه المثليين والمثليات ضمن بيئة الحزب أو خارجه، من خلال دعوته للتصدي لهذا "المشروع".

ردات الفعل هذه جاءت لتثبت آليات عمل النظام الطائفي الأبوي للحط من وقمع كل المحاولات الآيلة إلى تهديد بنيته القائمة على ضبط جنسانياتنا والتحكم بأجسادنا وبعلاقاتنا، على الرغم من محاولات منظمي "برايد" بالظهور بأقل الأشكال استفزازا، عن طريق نفي السياسة عن النشاط، وتجنّب نقد المؤسسات الأمنية في تقاعسها عن أداء دورها المزعوم بحماية النشاط.

ومن باب دعمنا غير المشروط واهتمامنا بفتح النقاش السياسي بهدف بناء حركة أكثر قوّة وشموليّة وتوحّداً من أجل الحقوق والحريات الجنسية والجندرية، لا بد من التصويب على ما نراه إشكاليات في الإطار الفكري كذلك في الاستراتيجية السياسية المتبعة من خلال "بيروت برايد":

أولاً، يقول منظمو "بيروت برايد" أن النشاط “غير سياسي" لأنه لا يهدف إلى مواجهة الأحزاب السياسية المهيمنة في لبنان، بل يهدف إلى استعادة الحق في أداء أو استعراض الكويرية. نرى أنه لا يمكن الفصل بين السياسة وبين الحق في الأداء وذلك لسببين: أولا، لأن “رهاب المثلية” ليس نابعاَ من فراغ ثقافي، بل هو نتاج للنظام البطريركي الرأسمالي في لبنان، حيث يعتبر مثلاً تأنيث الرجل غير أخلاقي وغير طبيعي. كما ويؤدي الانقسام الوهمي بين السياسة والتحرر الجنسي إلى مزيد من تهميش الأقليات داخل هذه الحركة ، مثل النساء، والأفراد الترانس* واللاجئين واللاجئات، عن طريق محو تقاطعية نضالهم، ومنح المنصة للـcis men أو الرجال ممن تتطابق ميولهم وهويتهم الجنسية مع جنسهم البيولوجي. فغالبا ما يتم الحديث عن الجنسانية بمعزل عن أشكال الاضطهاد الأخرى، فيما هي ترتبط بشكل كبير بأشكال الاضطهاد المختلفة. فلا شك أن العرق والطبقة والجندر تساهم إسهاما أساسيا بصياغة جنسانيتنا.

علاوة على ذلك، يؤدي فصل السياسة عن نضال التحرر الجنسي إلى فصل الحق في الأداء، عن الامتياز الذي يسمح بممارسة هذا الأداء. مما يطرح الحرية في الأداء كحق شخصي مستقل عن الامتياز المادي والاجتماعي. إن غض النظر عن هذه الامتيازات يجعل من النضال ضد رهاب المثلية نضالاً شخصياً، ويصوّر التحرر الجنسي كـ"انفتاح" والعلنية كـ"خير مطلق"، مما يؤدي إلى المزيد من عزل الأشخاص الكويرين عن مساحات نضالهم.

ثانياً، نرى أن الخطاب حول "الهوموفوبيا" كإطار سياسي يساهم في تعزيز الثنائيات التي نسعى إلى كسرها. فهو بداية يقسّم المجتمع إلى من هم "حلفاء للمثليين" ومن "يكرهون المثليين"، وبين مثليين وغيريين. وبالتالي، يقوم هذا الخطاب بتبسيط النضال من أجل التحرر الجنسي والجندري القائم على محاربة النمطية الغيرية التي نتربى عليها ونتشربها جميعاً، مهما كانت هويتنا الجندرية ومهما كان ميولنا الجنسي. فنضالنا كحركة ليس ضد أفراد، بل ضد النظام القائم ومؤسّساته القانونية والاجتماعية والطبية التي تعمل على ضبط وتنظيم جنسانيتنا وجندرنا. ونضالنا هو ضد نظام أبوي رأسمالي يعمل على إعادة صياغة دائمة للمجتمع كمكانٍ خالٍ من التعدّد الجنسي، و تعزيز الهوية الغيريّة وكأنها هي المشرّعة والطبيعية الوحيدة، وفرض نموذج للعائلة قائم على العنف والإحكام والخضوع والسيطرة واستغلال النساء والأطفال

ثالثاً، يقوم مفهوم "بيروت برايد" على احتفالية إثبات الهوية وعلنيتها. المشكلة الأساسية في تكريس العلنية كشرط مسبق للنضال، تكمن في محدوديته كإطار للتغيير الاجتماعي ومساهمته في تضييق مساحة العمل على تطوير مبادرات قد تكون أقل علنية بالمعنى الضيق انما ضرورية في سياقنا الاجتماعي والسياسي في لبنان. وهنا لا نقصد التقليل من أهمية الشعور الفردي بالتمكين من خلال الحق بالتمثّل بالهوية الجندرية والجنسية لكل شخص، إلا أننا ننتقد في الوقت عينه أن تكون العلنية هذه الركيزة شبه الوحيدة للحركة. فأن تكون قادرا/ة على استعراض كويرية- في شارع مار مخايل في بيروت- دون أدنى اعتبار لكاميرات المراقبة التي تزرعها بلدية بيروت عند كل زاوية- يشير، بطبيعة الحال، إلى الكثير من الشجاعة، لكنه يدل أيضاً إلى شكل من أشكال الامتيازات، والرأسمال الاجتماعي والاقتصادي والعائلي، التي تسمح لأحدهم أن يقدم على هذا النوع من المخاطر، في مجتمع يرفض ويجرّم المثلية الجنسية. هذا الاستعراض، من شأنه أن يعزل الأشخاص ذوي الميول الجنسية والجندرية غير النمطية ممن لا يستطيعون تحمّل تكلفة هذه العلنية، وهم الجزء الأكبر من مجتمعنا.

رابعاً، نحن بحاجة إلى التفكير في الضرر غير المتعمّد الذي نقوم به، والشرعية التي نعطيها لدولة وهياكل سياسية وبيروقراطية غير شرعية، عندما ننخرط في النشاط السياسي كمستهلكين - عندما تصبح الوسيلة الأساسية لتأكيد حقنا بالوجود ممارسة عن طريق مشاركتنا باقتصاد مرتبط بطريقة وثيقة بالنظام الطائفي البطريركي الذي يضطهدنا. فالنشاط السياسي بوصفه استهلاكاً هو استعراض الشخص لهويته/ا المقموعة، من خلال المشاركة العامة باقتصاد السوق. من هنا، لم تأخذ احتفالات "بيروت برايد" في مار مخايل في الحسبان، واقع الحي الذي يكافح اجتماعياً واقتصادياً منذ بداية الجنترة (التطوير العمراني) القوية منذ عام 2008. فسكان مار مخايل القدماء، ومنهم من كانوا في الحي لأجيال طويلة، ومنهم من يزيد عمرهم عن السبعين عاماً، يصارعون منذ سنوات مع الحانات وفاليه السيارات الذين لا يحترمون حق السكان بالعيش بشكل مريح. فيما دمرت هذه الشركات اقتصاداً كاملاً يعتمد على التصنيع والأعمال الحرفية، مما أدى إلى إبعاد العديد من الأسر عن طريق إجبارهم وعملائهم على الخروج من الحي.

فالنشاطات المحيطة ب "فخر بيروت" شبيهة إلى حدٍّ ما بإعلان "كريباوي" الأخير. كمناورة دعائية، لاشك أن الفيديو حقق نجاحاً كبيراً، فهو استهدف فئة مهمّشة، فيما تربطها الشركة بالموضة وبالشباب. دافع الكثيرون والكثيرات عن الإعلان باعتباره انتصاراً لمجتمع "الميم" في ظل واقع اجتماعي وسياسي لا يوفّر لحظات مأمولة لهذا المجتمع. ولكن لنسأل، هل سيساعد هذا الفيديو على مكافحة رهاب المثلية الجنسية؟ أم أنه يعزز فكرة أن مثلي الجنس هو "الآخر"، هو هوليوود، هو مسرحة وثقافة فرعية، هو طعم غريب، خاصة عندما يظهر في سياق موسيقى لفيديو دعائي لوجبة سريعة مع صوت مدبلج للإنجليزية وعلى خلفية موسيقى درامية؟

من هنا ندعو للتفكير بنضالاتنا من أجل العدالة الجندرية والجنسية بتقطاعيتها. فما يعني ذلك؟
يعني ذلك التفكير في الطرق التي يكون فيها تهميش أولئك الذين لديهم ميول جنسية وجندرية غير نمطية مرتبطة بشكل هيكلي بتهميش
الأقليات العرقية/الاثنية والطبقات الاجتماعية والاقتصادية المفقرة وبضرورة وإلحاحية بناء التضامن بشكل عابر لدوائر القمع بهدف تقويض الهياكل التي تمكّنه. فبدون الانحياز للذين واللواتي يتم افقارهم اجتماعياً واقتصادياً، وبدون أن نرى أنفسنا ضحايا مشتركين لنظام تغذي فيه النيوليبيرالية ورهاب المثلية والبطريركية بعضها البعض، كيف يمكننا أن نأمل في بناء حركة كبيرة من أجل العدالة الجندرية والجنسية في لبنان؟

هذا النقاش ليس بالجديد، فقد قامت الحركة النسوية الراديكالية في لبنان بطرحه مراراً وتكراراً خلال السنوات العشرة الماضية. ولربما الأزمة التي عانت منها هذه الحركة في السنين الماضية أدت إلى خفوت هذا الخطاب الشامل في النضال الجنسي والجندري. إلا أننا شهدنا في السنتين الأخيرتين تصاعداً ملحوظاً في خطاب وحركيّة ونشاطيّة الحركات الاجتماعية في لبنان ومن ينتمون إليها من حقوقيات وحقوقيين ونسويات ونسويين وكويريات وكويريين ومثليات ومثليين ومتغيرات ومتغيري النوع الاجتماعي. وبالعودة إلى خطابي هيئة علماء المسلمين والأمين العام لحزب الله (أو البيان والخطاب للمزيد من الدقة)، فهما لم يأتيا من فراغ. بل جاءا بالفعل في سياق تصاعد الخطاب والتحركات حول مواضيع مختلفة ومترابطة، كالعنف الأسري وقوانين الأحوال الشخصية وزواج القاصرات وحقوق عاملات المنازل وقانون العقوبات وغيره. فلنا أن نذكر هنا المسيرة الحاشدة التي انطلقت في يوم المرأة العالمي هذا العام تحت شعار "قضايانا متعددة، نضالنا واحد"، وقبلها المظاهرة التي حصلت أمام المحكمة الجعفرية رفضاً لأحكامها المجحفة بحق النساء. هذه وغيرها إن دلّت على شيء فهي تعبير عن تصاعد الصراع حول الرؤية لأي مجتمع نريد.

وهذا صراع هام لا يجب كتمه أو محاولة تدوير زواياه عن طريق التلطّي خلف خطاب يدّعي التقيّة أو بنفي السياسة. فهنالك صراع بين رؤيتين أساسيتين، واحدة تعمل على تكريس البنية غير العادلة لهذا المجتمع وواحدة تسعى إلى تغييره. وفي لحظات احتدام الصراع هذه يتوجّب علينا عدم التردد أو الخوف من التعبير عن رغبتنا ومسعانا وحلمنا بهدم بنية هذا المجتمع الطبقي الطائفي العنصري البطريركي، وعن رفضنا ومقاومتنا لنموذج العائلة القائم على العنف والإحكام والخضوع والسيطرة واستغلال النساء والأطفال. فهذا النموذج الذي تدافع عنه هيئة علماء المسلمين وحزب الله والمؤسسات الدينية كافة ومعها المؤسسات الأمنية والحزبية والقانونية والتعليمية والصحية، هذا النموذج، لا بد أن يُهدم.