شعبوية!

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 27, 2017 - 14:26
من مظاهرة 18 آذار المطالبة بفرض ضرائب على المصارف والشركات | المنشور
الكاتب/ة: ربيع جميل.

"شعبوية"، هذه هي الكلمة المفتاح لدى الكثير من مدعّي الليبرالية، العرب عموماً واللبنانيين خصوصاً، في مطلع ردّهم دوماً وأبداً على أي جماعة مطلبية تختلف مع توجهاتهم وأجندتهم التي يُلبسوها لبوساً قيمياً في السياسة أو علمياً في الاقتصاد. فيندفع هؤلاء وبإسم حقهم بالتعبير عن آرائهم إلى ممارسة ما يمكن وصفه بفعل "المطاوعة"، حتى صحّ وصفهم بهيئة الأمر بالبراغماتية الليبرالية والنهي عن "الشعبوية" اليسارية. وهذا فعلاً ما يمكن ملاحظته في خضم النقاشات التي اجتاحت مواقع التواصل الاجتماعي في الأسبوعين الماضيين في بيروت والتي تمحورت حول مشروعي الموازنة وسلسلة الرتب والرواتب. 

فقد وصف هؤلاء المطالبة بتحسين الأجور للعاملين/ات في القطاع العام بالشعاراتية الشعبوية التي تهدف إلى فرض المزيد من الأعباء على الخزينة المنهكة أساساً؛ حتى أن بعضهم تفوّق بمغالاته برفض السلسلة على السلطة نفسها التي قبلت بها مجبرة، ولو شكلاً، وبنت على الدروس المستقاة من حراك العام 2015 ، فأكملت المشوار حتى مجلس النواب حيث انقلب المشهد، فطارت السلّة الضريبية المقترحة، ومعها طار مشروع الموازنة وبالتالي السلسلة، أي حق الموظفين والأجراء بتعديل الأجور. هنا يصبح أي نقاش تقني للسلة الضريبية المقترحة أو آليات تمويل السلسلة في غير محلّه ولا يبقى سوى كلاماً واضحاً ومباشراً في السياسة. فالسلطة واضحة ومباشرة وإن قامت مختلف أطرافها المتناقضة فيما بينها والمتحالفة في وجه الناس بمناوراتها الاستيعابية لنقمة الناس والتي تدخل في خضم استعداداتها للانتخابات القادمة، إن أتت.

أما هيئة الأمر بالبراغماتية الليبرالية فلقد اتخذت منحاً مختلفاً، حيث انتفضت لرفض الزيادة الضريبية المقترحة كونها ستؤدي إلى رفع رواتب القطاع العام "غير المنتج" و"المترهل" و"الغارق بفائض الموظفين والأجراء". وأمام هذا الأمر لم يكن أمامها سوى التعرّض لمسألة الفساد المستشري، والتي تجزم أن مكافحته كفيلة بالنهوض بالمالية العامة وتحسين أدائها. في معرض كلامها هذا، لم تقدم مكوّنات "الهيئة" أي تحليل علمي أو حتى أي رقم يمكن الركون إليه إن لناحية إنتاجية القطاع العام وتضخّم جسمه الوظيفي أو لناحية كلفة الفساد ومكامنه. فمطاوعو الليبرالية لا يرون في الفساد سوى صغار الموظفين المرتشين والفساد الجمركي الذي، وإن كان يشكل مكمناً كبيراً للهدر، فهو في الكثير منه يعكس بنية النظام السياسي القائم في البلد وطبيعة التسويات والتوازنات المفروضة والتي تنتهك السيادة الوطنية لصالح السيادة الحزبية والمذهبية.

أمّا العلاقة المشبوهة ما بين الجسم السياسي الحاكم (جماعة أو أفراداً) والقطاعين المالي والعقاري، فهي تسقط سهواً ويُصار إلى طمسها بين أولويات أخرى ورفع شعارات تافهة لا قيمة لها سوى خدمة مصالح الذين يبتزون الشعب اللبناني لتوسيع مكاسبهم الرأسمالية كشعار "لا للضرائب" الذي جرى رفعه لتعمية النقاش، عن قصد أو عن غير قصد، حول مجموعة من الإجراءات الضريبية التي حتى وإن طُرحت بحدها الأدنى، فهي تأتي لتضع اللبنة الأولى في مسار كسر هيمنة القطاع المالي على القرار الضرائبي منذ التسعينات إلى يومنا هذا.

بالعودة إلى تهمة "الشعبوية"، نسأل ماذا يمكن اعتبار توجيه الاتهام لموظفي القطاع بعدم الإنتاجية؟ وكيف يمكن توصيف الحديث عن أن علّة الفساد في البلد هي الموظف المرتشي والمهرّب الجشع؟ أين يمكن تصنيف الطروحات التي تقدّم الخصخصة واستثمار العوائد النفطية، إن أتت، كالخيارين الأمثل لإنقاذ البلد؟ ألم تفشل الخصخصة في أكثر المجتمعات تقدماً من حيث إمكانية مراقبة إدارة الخدمات العامة من قبل القطاع الخاص؟ إن أصحاب هذه الاسقاطات ما زالوا غير قادرين على الخروج من "شعبوية" وشعاراتية فرانسيس فوكوياما حين نظّر لنهاية التاريخ وانتصار الليبرالية الاقتصادية، عبر تطبيلهم لسياسات نقدية ومالية مؤدلجة، ساهمت بتقزيم دور المالية العامة إلى مكتب استشارات محاسباتي يسعى إلى توسيع الاستغلال وتدعيم الريوع السياسية والأرباح المالية. 

قد لا تؤدي هبّة آذار 2017 المحدودة إلى الكثير من النتائج إلا أنها ساهمت، دون أدنى شك، في كسر عاملين أساسيين: أولاً كسرت محرمات الانتقاد المباشر للقطاعات الريعية، بما يخدش الأساطير المؤسسة لدورها الوطني؛ وثانياً حجّمت من دور اللامثقفين العضويين اللابسين لبوس "الليبرالية"، زوراً وبهتاناً. 

في مقابل شعبوية هؤلاء، أدعي بأن "الشعبوية" التي تحمل هموم الناس وتطرحها في وجه النخب المهيمنة والمتحكّمة بمكانيزمات الاستغلال تبقى خياراً نضالياً تقدمياً يبني على هواجس الناس وهمومها وبأن الحقد الطبقي هو مكوّن أساسي للوعي الطبقي لا يمكن القفز فوقه. فماذا يمكن أن ينتظر المُستغِل من المُستَغَلْ؟ أما الطبقة العاملة في لبنان فقائمة وتتحرك أحياناً بصعوبة وفوضوية وتشهد تحولات بنيوية أساسية، إلا أنها لا تزال موجودة، وقادرة على إقلاق راحة الأوليغارشية المهيمنة وتظهير التناقضات فيما بينها، شاء من شاء وأبى من أبى. ومن لم يعجبه فما أكثر من الحيطان في مدينة الباطون.