الثورة الكامنة في أحوالنا الشخصية

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 6, 2017 - 16:14
امام المجلس الشيعي الأعلى في الغبيري، تشرين2 2016 (ت. شانتال برتميان)
الكاتب/ة: نادين جوني.

في 5 تشرين الثاني/نوفمبر 2016 خرجت المسيرة النسوية الأولى في ضاحية بيروت الجنوبية متوجهة إلى "المجلس الاسلامي الشيعي الأعلى"، تطالب بإنصاف النساء في قوانين الأحوال الشخصية، إثر اعتقال فاطمة حمزة، وهي أم دافعت عن حقها بعدم التنازل عن حضانة إبنها. فاطمة رمز للآلاف من نساء لدى كل المذاهب والطوائف في لبنان. فباسم الغيرة على العائلة، تحمي وتحافظ المؤسسات الدينية في لبنان على هيمنة الرجل ومن خلاله على سلطتها الأبوية على العائلة، مشكّلة بذلك إحدى أكثر الأدوات ذكورية وعنفا تجاه النساء في لبنان. لذا يبقى تحررنا من تعسف المحاكم الدينية من أهم قضايانا كنساء. 

هذا الظلم الذي يرافقنا منذ سنين، لم يعد صامتاً. تلك الأمهات اللواتي بكين يومياً أتين وهتفن، وكان لالتقائهن مع بعضهن قوة مزلزلة. الكل مستعّد للسير ضد فساد وظلم المحاكم الشرعية الجعفرية، وضد سلطتها المتحجّرة الرافضة للقيام بأي اصلاحات في قوانين الأحوال الشخصية التي تحرم الأمهات من حضانة أطفالهن، بدون مبرر أو مسوّغ شرعي أو ديني.

رغم الهجوم الممنهج والمحاربة المدروسة من الذكوريين من مؤيدي الأحكام المجحفة بحق المرأة، ورغم اتهامنا كحملة "رفع سن الحضانة عند الطائفة الشيعية" بمحاربة الدين والوقوف بوجه شرع الله، كان الإصرار على المواجهة وتحدّي هذه السلطة وأدواتها.

بدأت النساء والفتيات بالوصول، محجبات وغير محجبات، أتينا ورفعنا صوتنا بوجه المحكمة. كان هذا الحاجز الأصعب. ولكن وجع الأمهات وتمسكهن بأي خيط أمل ليواجهن ويحاربن ويطالبن، كان أقوى من الصمت الذي أوجعنا لسنوات.

"الفساد الفساد جوّا جوّا العمامات"، صدح هذا الهتاف للمرة الأولى بوضوح ضد المحكمة الجعفرية وللمرة الأولى في الضاحية. للوهلة الأولى ارتسمت صدمة على الوجوه من وقع الهتاف، لكن سرعان ما رددته وبقوة مئات الحناجر. ها نحن نكسر حاجزاً آخر. نسمّي الأشياء كما هي، الفساد المستشري في العمامات وأحكامها، في الأقلام، في التشريعات، صوتٌ يعلو ويخرقها. نظرات فرح تتحدّى وتجابه الصمت. أصوات تعلو لتصدح داخل أروقة المجلس، داخل جوارير أحكامه الموجعة. حناجر تتلاشى معها هيبة العمامات، وتضوّي على فساد السلطة الدينية. 

يعلو الصوت أكثر فأكثر عند تحدّي المحكمة بشعارات "اسمع يا مفتي اسمع، حضانة ابني رح ترجع" و"محاكم شرعية، فساد ومحسوبية"، "الفساد الفساد بيحرم إم من الأولاد". يومها أسقطنا هيبة الخوف، ورهبة العمامات والتشريعات التي استبدت بنا. طالبنا برفع سن الحضانة وحق الأم ومصلحة الطفل الفضلى. دموع ووجع، صرخات كتمت لسنوات، وعيون شاهدة على الظلم، رُفعت وأنتجت خضّة ستبقى للتاريخ شاهدة على الثورة الكامنة في أنفسنا. 

فاطمة حمزة كانت الشرارة الأولى التي أعادت المطلب إلى الواجهة: "أنا هلأ بلّشت ثورة ضد الظلم على المرأة ورح ضل مكملة فيها، وقضيتي قضية كل امرأة مظلومة وكل امرأة تتساوم على ابنها. ممنوع بقى المرأة تساوم على ابنها. ممنوع. الحق للمرأة أن تكون أم وأن تمارس أمومتها لآخر نفس. وهلأ ضهرت من الحبس ورح كفي بهيدي الثورة لهلأ بلّشت". 

تحد جديد، كسر الصمت بوجه المساومات التي تخضعنا لها المحاكم الدينية، مساومة تتمثل بظلم هذه السلطة وضغطها المستمّر على المرأة، كالمقايضة التجارية: "الحرية" مقابل الحرمان من الحضانة، المال والرشوة مقابل الحرمان وسلخ الأحضان، الإمضاء مقابل الدموع، الترجّي مقابل السلطة، وأكثر من ذلك، الجنس مقابل الحضانة والطلاق! 

"لن نساوم" كانت واضحة. هذه المظاهرة ستكون المشجّع والدافع للكثير من النساء من كل الطوائف للوقوف والمطالبة، لإعلاء الصوت وكسر الصمت. السلطة الدينية مقابل الأمومة، الثورة أنثى، الثورة أم!