‎قمع اللاجئين/ات في لبنان، كل التضامن الآن

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 6, 2017 - 15:54
رسم جويل حاتم
الكاتب/ة: إليسا شما.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

منذ وصول السيرورة الثورية في المنطقة العربية والمغاربية إلى سوريا؛ وإثر الحرب على الشعب السوري تهجّر أكثر من 4،8 مليون مواطن/ة إلى الدول المجاورة كلبنان والأردن والعراق وتركيا وتأثر أكثر من 13 مليون مواطن/ة سوري/ة بشكل مباشر أو تهجروا/ن داخل بلادهم/ن. في شهر آذار عام 2011، اندلعت انتفاضة شعبية ضد النظام السوري بدءاً من مدينة درعا، ودفعت ببقية المناطق إلى الوقوف بوجه النظام وخاصة في مدن مثل حمص وداريا والقامشلي مطالبة بالحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة. النظام السوري - الرابض على الشعب منذ أربعين عاماً - بقيادة حزب البعث الاشتراكي الذي وصل إلى السلطة بانقلاب نفذه عام 1963، رد على المتظاهرين السلميين بقمع شديد من خلال حصار المدن السورية الثائرة وقصف المناطق السكنية والأسواق الشعبية والمراكز الخدمية والمرافق الصحية والمدارس، بالإضافة إلى ممارسة أسوأ أنواع التعذيب والإخفاء والقتل الجماعي والاعتقالات التعسفية.

بدأ الشعب السوري بالهروب من مدنه وقراه إلى مناطق أكثر أمناً سواء داخل سوريا أو إلى خارجها منذ نهاية العام 2011، ومنها لبنان الذي يتميز بدولة لها تاريخ طويل من سوء المعاملة والاستغلال للعمال/ات المهاجرين/ات بشكل عام والسوريين/ات بشكل خاص. حتى العام 2014، رفضت الدولة اللبنانية الاعتراف بوجود اللاجئين/ات والاستجابة لاحتياجاتهم/ن. في شهر كانون الثاني عام 2015، قررت الحكومة اللبنانية، بمباركة من الأمم المتحدة وشعار المجتمع الدولي القاضي بـ"احتواء الأزمة"، إغلاق الحدود أمام السوريين/ات الفارين/ات من العنف، وأجبرتهم/ن على الخضوع لنظام الكفالة المقيد والمكلف - مستثنية من له/ا مصالح اقتصادية في لبنان أو يملك الكثير من الأموال. وبحسب نظام الكفالة العنصري لا يمكن الحصول على تأشيرة دخول من دون كفيل لبناني ملاّك، مع حرمان المكفول/ة من الكثير من حقوقه/ا الأساسية.

حتى هذا التاريخ، يعيش أكثر من مليون ونصف المليون من اللاجئين/ات السوريين/ات وعشرات الآلاف من اللاجئين/ات الفلسطينيين/ات المهجرين/ات من سوريا في ظروف بالغة المأساوية في لبنان. من الواضح أن حالة الهشاشة التي تزيد منها الدولة اللبنانية، بتسهيل من المجتمع الدولي ووكالات الأمم المتحدة، قد أصابت اللاجئين/ات. يعيش أغلب اللاجئين/ات في مخيمات غير رسمية، أقيمت على أراضٍ زراعية حيث يعملون/ن في ظروف قريبة من الاستعباد، خاصة لناحية أسوأ أشكال عمالة الأطفال والاتجار بالبشر والعمل القسري مقابل إيجار أرض من بضعة أمتار مربعة لنصب الخيمة. كما استأجر لاجئون/ات آخرون/يات المرائب والمباني غير المكتملة، حيث يتعرضون لاستغلال مستمر من المالكين الذين يستفيدون إلى أقصى الحدود ويرفعون بدلات الإيجار. كذلك يعيش العديد من اللاجئين/ات في ملاجئ جماعية، عدد قليل منها تديرها المنظمات الدولية أو المحلية، والمحرومة بشكل عام من الخدمات الأساسية كالمياه والكهرباء والصرف الصحي، في ظل ظروف مناخية سيئة خاصة خلال فصل الشتاء. ويعيش اللاجئون/ات السوريون/ات في ظروف اقتصادية سيئة حيث يقبع 70 بالمئة منهم/ن تحت خط الفقر، لقاء أقل من 4 دولار باليوم، وحلقة مفرغة من الديون.

وتلعب وسائل الإعلام دوراً تحريضياً ضد اللاجئين/ات السوريين/ات بحيث أدى ذلك إلى تزايد العنصرية اليومية والاستغلال الشديد وسوء المعاملة والتحرش وكراهية الأجانب وصولاً إلى الهجمات العنيفة. التعرض للاجئين/ات، سواء جرى على يد أفراد ينتمون إلى الميليشيات الحاكمة أو على يد القوى الأمنية، يحصل بشكل ممنهج، حيث تتعدد أشكاله: من استخدام العنف المفرط، والمداهمات الليلية والسجن وصولاً إلى الترحيل إلى سوريا، حيث تم تسليم لاجئين/ات إلى النظام هناك. ويحرم اللاجئون/ات من الحماية ويُفرض عليهم/ن قرارات حظر تجول غير شرعية، في حين يتمتع أغنى السوريين/ات بحرية الحركة إلى أفخم الفنادق أو الشقق الدافئة والآمنة في بيروت، التي تفرضها البلديات على العمال السوريين/ات بحجة الحفاظ على "الأمن القومي". بالإضافة إلى ذلك، تبث وسائل الإعلام، من انتماءات سياسية مختلفة، أخباراً تحمل الكثير من الأحكام المسبقة والتعميم ووصم اللاجئين/ات بارتكاب جرائم مزعومة، كحيازة أسلحة أو الاتصال بشبكات إرهابية - كل ذلك لفرض الحاجة إلى الأمن من أجل "حماية المواطنين اللبنانيين" و"محاربة الإرهاب".

وقد شهد العام 2016 منعطفاً جديداً للأحداث، مع انتخاب الرئيس ميشال عون وحليف حزب الله الحالي، والذي عاش في المنفى بفرنسا لمدة 15 عاماً حين طلب اللجوء من الحكومة الفرنسية بعد أن شنت قوات الاحتلال السوري هجوماً عسكرياً على القصر الجمهوري عام 1990. هذا "العهد الجديد" المبشّر بالوحدة الوطنية يحمل في طياته قومية متطرفة وعسكرة متزايدة.

وفي حين ساعد اليسار التقليدي والستاليني، سواء في العالم العربي أو في الغرب، على نقل رسالة بشار الأسد، مهاجماً الشعب السوري الثائر ضد نظامه الوحشي وغير الشرعي، تُركَ اللاجئون/ات لوحدهم/ن أهدافاً سهلة لليمين المتطرف والدولة.

كما ساهمت المنظمات الدولية بزيادة التمييز وسوء المعاملة بحق اللاجئين/ات مع نقص المساعدات والفساد وتقديم الحد الأدنى من الدعم للاحتياجات الأساسية. كما تتورط المنظمات الدولية غير الحكومية والمجتمع الدولي من خلفها بالتخلي عن اللاجئين/ات عبر غض النظر، إن لم يكن المشاركة في إضفاء الشرعية على الاجراءات والتدابير الأمنية المفروضة علىهم/ن. كل ذلك يحصل في ظل تواطؤ متبادل غير معلن بين الاتحاد الأوروبي والحكومة اللبنانية حيث يمكن للأخيرة أن تسيء معاملة وتستغل اللاجئين/ات طالما يتم الاحتفاظ بهم/ن في لبنان بعيداً عن «القلعة الأوروبية».

في مواجهة هذه الوحشية، لا بد من التضامن مع الشعب السوري الذي بات ضرورة يومية وواجباً على اليسار في الحاضر والمستقبل. علينا أن ننظم أنفسنا أينما كنا بوجه الظلم والقمع والاعتداء على اللاجئين/ات من قبل السلطات فضلاً عن مواجهة التمييز بكافة أشكاله.

عاش الشعب السوري، عاش التضامن الشعبي!

* نشر المقال باللغة الألمانية في عدد مجلة الاشتراكي، كانون الثاني/يناير 2017