جدار فصل عنصري في عين الحلوة

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 6, 2017 - 15:28
الصورة نقلا عن موقع المدن الالكتروني
الكاتب/ة: أشرف يزبك.

جدارٌ يحاصر أجساد ما يقارب مئة ألف لاجئ/ة في مخيم عين الحلوة. هذا ما كان ينقص لتكتمل المشهدية الدرامية. وهذا بالفعل ما توصّل إليه جهابذة فروع المخابرات والأمن "لحل أزمة المخيم" على ما يقولون. فبالإضافة إلى الحواجز، المعاملة السيئة، حرمان اللاجئين/ات من حقوقهم/هن الاقتصادية والمدنيّة وفساد الأونروا، أطلّت علينا قيادة الجيش لتعلن نيّتها إنشاء جدار بارتفاع خمسة أمتار تقريباً، يلتفّ حول المخيم بهدف وقف دخول وخروج المطلوبين للدّولة وللضّغط على الفصائل لتسليمهم أو تسوية أوضاعهم. وهي، ويا للصدفة، التبريرات نفسها التي ساقتها إسرائيل في معرض شروعها بناء جدار الفصل العنصري "لمنع تسلل المقاتلين الفلسطينيين" من الضفة الغربية عام 2002. هنا وهنالك، يحتاج بناء الجدران لعزل السكان إلى تبرير إيديولوجي قوي، وما من حجة أقوى في ظل النيوليبيرالية، من "الحرب على الإرهاب"، لتبرير أكثر المشاريع رجعية وعنصرية. 

هذه التبرير البائس الذي طالعتنا به قيادة الجيش تدشن به عهد الجمهورية الجديد مع انتخاب الرئيس البرتقالي، ميشال عون- لا دونالد ترامب- تأكيدا على المؤكد في السياسة اللبنانية التي عمدت، من خلال أدواتها الاقصائية، إلى إنتاج فئات اجتماعيّة مهمّشة ومستثناة من القانون، أي مجردة من أي حق، وتُحكم حصرا عن طريق القمع. لا شك أن هنالك من يصر في الإدارة اللبنانية على تجريب ما قد فشل مراراً وتكراراً. فالتاريخ الماثل أمامنا يبيّن أن لا بناء جدران عازلة أدى إلى "عزل الارهاب"، ولا "الحرب على الإرهاب" أنتجت غير صعود للفاشيات وللعسكرة وتثبيت حكم أنظمة سلطوية. 

أما الفصائل الفلسطينية فهي غارقة حتى أنفها بتواطئها مع النظام اللبناني الطائفي والعنصري وأجهزته القمعية، في التضييق على سكان عين الحلوة وتدعيم السردية السائدة حول الإرهاب. وهي شريكة في اضطهاد الفلسطيينيين وستقوم بكل ما يخدم إحكام سيطرتها على المخيم حتى وإن كان على شكل جدار فصل عنصري. فالفصائل، حتى اليسارية منها، تلعب داخل المخيم، الدور السلطوي نفسه الذي تلعبه الأحزاب الطائفية اللبنانية خارجه. والاشتباك الأخير في عين الحلوة الذي أسفر عن وقوع خمسة قتلى وعشرات الجرحى بين "حركة فتح" و"سرايا المقاومة" المدعومة من "حزب الله" من جهة و"عصبة الأنصار" واسلاميين مستقلّين من جهة أخرى، بالإضافة إلى الاشتباك الذي حصل في مخيم الميّة وميّة وقُتل فيه شخصين على يد "حركة أنصار الله" التابعة لـ"حزب الله" أيضاً، جاءا كدليل على تواطؤ تلك الفصائل مع أجهزة المخابرات والأحزاب اللبنانية لوضع تلك الأحداث الأمنية ضمن سياق عام يخدم النظام في تعزيز سياسته العنصريّة.

ويأتي الإعلام اللبناني لاستكمال هذه السياسة العنصريّة الممنهجة، إذ أنّه دائما ما يروّج للمخيم كبؤرة للإرهاب والإرهابيين وكأن القرى اللبنانية تنعم بالهدوء ولا تفقد أعز شبابها بسبب الحرب في سوريا.

مؤخّراً، دخلت الفصائل في حوار مع قيادة الجيش لوقف بناء الجدار بعد الاعتراضات الكبيرة التي دفعت بسكان المخيم للخروج ورفع الصوت، وتمّ بالفعل ايقاف العمل به حتّى تقدّم الفصائل للجيش حلّاً "جذريّا" و"نهائيّاً" لقضية المطلوبين. وكأنّ الجدار سيمنع تهريب المقاتلين والسلاح الذي يدخل على مرأى من حواجزهم التي تستقوي على السكان لا المطلوبين. 

ودعونا ههنا نسأل من الذي يمارس الإرهاب بحق؟ سكان المخيم أم المسؤولون عن تدمير مخيم نهر البارد ويعتزم أيضا بناء جدار فصل عنصري؟ الذين يتعرّضون للتّعذيب المذلّ في أقبية المخابرات ووزارة الدّفاع أم من يمرّرون صفقاتهم السياسية من خلال اختلاق الحوادث الأمنية؟ واللواتي يتعرّضن للتحرش على الحواجز أم من ينصب تلك الحواجز؟ 

الكثير من هذه الأسئلة وغيرها تبدو على الوجوه الكئيبة لسكان المخيم وعلى وجوه العاطلين/ات منهم من العمل والبائسين/ات، وعلى الذين/اللواتي أطبق النظام اللبناني والفصائل فكّيهما على أحلامهم/هن. لم يبق لهؤلاء الناس إلا مقاومة الواقع أو الهروب منه. لا حياة لهم/ن إلّا في الصّبر الذي قد يستحيل بركاناً منفجراً في وجه الطبقة الحاكمة والفصائل، فقوارب الهجرة لا تتسع للجميع.

يبقى أن مشروع بناء جدار لتطويق مخيم عين الحلوة هو استمرار لنهج الدولة اللبنانية في محاولة إخفاء الفقراء، اللبنانيين/ات منهم/ن والفلسطينيين/ات، خلف الجدران. وبالتالي فإن جدار مخيم عين الحلوة لن يكون الأول، لكن لن يمر هذه المرة بحال إعادة تشغيل الماكينات لبنائه، بصمت ودون ضجيج. هذا وتبقى الجملة المكتوبة على جدران أحد المخيمات هي الأكثر صخبا، حتى الساعة، في وجه كل الطبقة الحاكمة، وكل الفصائل، وكل أجهزة المخابرات، وكل الأحزاب: "تحكيش ع المخيم وانت بتخاف تفوت عليه".