آيات من الكتاب السوري مقابلة مع المخرج نبيل سايس أجرتها إليسا شما

نشر في‫:‬الأحد, اذار 5, 2017 - 17:09
ملصق المسرحية التي عرضت في مسرح دوار الشمس، تشرين الثاني 2016
الكاتب/ة: إليسا شما.

الى كل الأفّاقين الذين باركوا وعاء السلطان

ولعقوا كثيراً حذاءه...

إلى الضحية والجلاد...

إلى الدروب الملتوية...

إلى الفوضى والنظام...

إلى الحقائق الميتة...

إلى كل الأشياء التي منعتنا كي نصل إلى هنا فلولاها جميعاً ما كان هذا العمل.

بهذه الكلمات عبّر المخرج السوري نبيل سايس عن بحثه عن الحقيقة. البحث عن الحقيقة كإنسان، كشخص بسيط. يعمل نبيل في مجال الإخراج المسرحي على عدة أنواع تتبلور في مزيجٍ من عدة مدارس - تعبيريّة، تجريديّة، تجريبيّة، مسرح القسوة ومسرح الجسد. وهي كلها بمثابة مسرح الحركة الذي يخوّله على نقل إحساسٍ ما من على خشبة المسرح ليستقرّ في وجدان المشاهد/ة. 

وقد اندرجت رحلته في البحث عن الحقيقة والحاجة إلى طرحها في المسرح ضمن آخر عملٍ له "آيات من الكتاب السوري"، الذي عُرض على خشبة مسرح دوار الشمس، بيروت في شهر تشرين الثاني ٢٠١٦، من خلال أربعة عروض متتالية. طرح نبيل من خلال المسرحية عملية توثيق فنّي على نحو ما لرسائل وشعارات وهتافات وجُمل حملها الشارع خلال الثورة السورية. جُمل دُوِّنت في ذاكرته وذاكرة العديد، شاركت قسوة الألم: "أنا إنسان مو حيوان، وهدول كل الناس مثلي - أنا عايشة - لمّا إطلع عند الله بدّي خبروا كل شي…" لقد نقل نبيل واقع القمع، الغضب، القهر والألم المفجع الذي فجّره الشارع السوري والذي فرض أحداثا متسارعة جداً. 

من دون شك، لامست المسرحية "مسلّمات واضحة لا نقدر إنكارها مثل "أن النظام يقصف، القمع الموجود في سوريا، لم يكن هناك بديل سياسي جاهز نتيجة القمع الطويل الذي دام أكثر من ٤٠ سنة، التضييق على الحريّات الذي لم يسمح بطرح مساحات للتنظيم خوفاً من المطالبة والعمل الحقيقي لتغيير النظام." وقد تحدّث نبيل عن شكل هذا القمع المتغلغل في الساحة الثقافية والفنيّة في سوريا، الذي من ناحية ينعكس في السماح بوجود أعمال فنّية تحاكي الواقع وتنتقد وحتى تشتم، لكن الى حدٍّ ما دائماً. "مثل طنجرة الضغط، النظام يسمح لك بالتّنفيس عن وجعك وغضبك - طبعاً هو يريد ذلك - لكن دون تخطي الخطوط الحمراء. حتى أنه يمكنه أن يكافئك على عملك. بوسعك أن تتكلم عن غلاء المعيشة والخبز، لكن لا تذكر الجيش والرئيس. دريد لحّام مثالاً". ونعرف أن "السقف الوطني" لطالما كان هذا الخط الأحمر الذي لا يمكن تجاوزه.  

وعلى العكس من "الوطن" الذي يريده لنا النظام، أراد نبيل أن يُلقي الضوء على مسألة الطائفية وكيف يستعملها النظام كأداة للبقاء في السلطة. وذلك ورد في طرحه لعنوان المسرحية والذي يمكن له أن يعبّر عن دلالة دينية وربما إسلامية بالتحديد من حيث كلمة "آيات"، ولكنها، وكما وردت ضمن العنوان، تعبّر أكثر عن الهوية العابرة للأديان والطوائف والآيات المختلفة لتجمعهم جميعاً في آيات لكتاب واحد هو كتاب الشعب السوري. ترسّخ ذلك أيضاً في فريق العمل الذي كان عابراً للمِلَل وحتى الجنسيّات، طامحاً أن يكون عملاً إنسانياً يحاكي واقع القمع أينما وُجِد.

وقد لمع فريق العمل المسرحي المكوّن من ممثلين وممثلات جاؤوا وجئن كلٍّ بحقيقته/ا وساهموا/ن بانتاج الفن من خلال مشاعرهم/ن وتمثيلهم/ن والتزامه/ن الذي دام على أكثر من خمسة أشهر تخللها ورش عمل فنيّة في مسرحي زقاق ودوار الشمس. هذا الفريق، الذي انضم إلى "فرقة تساؤل" التي أسسّها نبيل في حلب سنة ٢٠٠٥، طرح وجوها مسرحية جديدة في لبنان قادرة على التطور في العمل المسرحي. وقد لعبت الموسيقى أيضاً الوسيلة الطامحة لنقل كل هذه الأفكار والمشاعر للحضور عبر مزيجٍ من الموسيقى المسجّلة والإيقاع الحيّ الذي، مع ضرباته، دفع الحضور للحركة مع الممثلين/ات. 

أثار موضوع الواقع الثقافي والفنّي العام والمسرحي خصوصاً في لبنان الإحباط لدى نبيل، "فبيروت التي كنت أسمع وأقرأ عنها على أنها مدينة ذات حركة ثقافية مميزة، شكّلت لي سابقاً هاجساً مخيفاً للعمل فيها كمخرج. لكني عندما أتيت إلى بيروت، بيروت لم تأتِ لي. أحسست أن هذه ليست هي. بيروت معتقلة وجوفاء، وقد شكّل هذا خيبة أملٍ لدي. بيروت جميلة وأتمنّى أن يعود لها المسرح الثقافي، فالدعم الحقيقي للفنانين/ات هو احتضان الفن والثقافة". 

وقد أكّد نبيل على أنه في عملية بحث لا متناهية، دائمة التطوّر. وهذا يعطيه الدافع لكي يعرض المسرحية مرّة(ات) أخيرة قبل هجرته الحتمية خارج لبنان. لعلّ مسرحية "آيات من الكتاب السوري" تستطيع إثارة المزيد من التساؤلات والمشاعر والنقاشات لدى العامّة كما نجحت في عروضها الأوليّة.