الطائفية حقيقة أما الطوائف فلا- طائفية بلا طوائف

نشر في‫:‬الأحد, اذار 5, 2017 - 16:53
العمل لخالد البيه
الكاتب/ة: ريما ماجد.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ ريان شبقلو      
المصدر‫:‬      

لا يلحظ المنظور الطائفي لتحليل المجتمعات العربية ديناميات السياسات الهوياتية المعقّدة في المنطقة.

نشر الكاتب والصحفي السعودي جمال خاشقجي مقالاً في صحيفة الحياة اللندنية (1)، وحاجج أن «السنّة» مُستهدفين كجماعة، ودعاهم «للمدافعة عن أنفسهم كطائفة».

إن هكذا تحليلات، على الرغم من أنها مبسّطة وغير دقيقة، لا تفيد سوى بتذكيرنا أن الطائفية هي في الحقيقة أمر واقع. 

بالفعل، إن الطائفية ليست أسطورة ولا هي وهم، بل حقيقية في عواقبها وتجلّياتها في حياتنا اليومية. في العديد من البلدان في الشرق الأوسط وخارجه، تعتبر الطائفية أداة لتحديد الهوية والتنظيم السياسي والتمييز وتحديد الآخر والاغتراب.

وتعمل الطائفية على المستوى الاجتماعي كعلامة فاصلة وكمحدد للهويّات؛ لكنّها تعمل، وبشكل أهمّ، على المستويين الاقتصادي والسياسي كأداة للاستقطاب الحزبيّ والحشد. وهذا ما نراه اليوم في مختلف أرجاء المنطقة العربية.

تاريخ موجز للطائفية

مع ذلك، لم تكن الطائفية دائمة الوجود، ولا هي بظاهرة قديمة، ولا تعود جذورها إلى الصراع على الخلافة الإسلامية كما يزعم العديد من المحلّلين اليوم. إن الطائفية ظاهرة معاصرة (2) اخترقت المنطقة العربية مع تطوّر الرأسمالية وقيام الدول القوميّة في مطلع القرن التاسع عشر. 

فعلى سبيل المثال، لعبت السلطنة العثمانية والمستعمرون الأوروبيون حينها دوراً جوهرياً في خلق الطائفية عبر توظيفهم للسياسات الهويّاتية من أجل التفريق بين المجموعات والسيطرة عليها، وعبر تنظيم الطائفية عبر مؤسسات الدولة، أي مأسستها.

ففضّل الفرنسيون مثلاً، القادة المسيحيين في لبنان وجعلوا ذلك أمراً واضحاً، فقَوْلبوا نظام مشاركة السلطة في هذا البلد على أسسٍ تولي الأفضلية لحلفائهم من «المسيحيين».

وبالرغم من تعدد الهويات الطائفية والدينية وتنوعها في المنطقة العربية قبل القرن التاسع عشر، إلا أن مضامينها انحصرت في الحيّز الاجتماعي، فتجلّت اختلافاً شعائرياً وعلى مستوى التقاليد حصراً. 

إذ لم تصبح هذه الهويات الطائفية والدينية مسيّسة وممأسسة إلّا فيما بعد، مولّدة ما نسميه اليوم بالطائفية. بهذا المعنى، الطائفية كظاهرة مبنيّة أو مركبة، كان ولا يزال لديها تأثيراً مهماً على تكوين المجتمعات وتنظيم الحياة السياسية والاجتماعية.

ولطالما استخدمت القيادات السياسية المحلية والقوى الإقليمية، الطائفية بشكل واعٍ إما للحفاظ على موقعها في السلطة، إما لمراكمة المزيد منها. كذلك، استخدم الناس العاديّون الطائفية من أجل الوصول إلى الخدمات الأساسية من خلال الزبائنية التي ازدهرت سريعاً في ظلّ غياب دور الدولة الرعائي. 

لذا، وبعيداً عن كونها مسألة مشاعر أو هويّات ثقافية ثابتة، تشكّل الطائفية ظاهرة عقلانية يستفيد منها متبنّوها، مهما بدا ذلك غير عقلاني للبعض. 

طائفية دون طوائف؟

على الرغم من أن الطائفية مبنيّة ومتغيرة تاريخيا، إلا أنه لا يمكن نكران واقع أنها ظاهرة اجتماعية فعلية في المنطقة العربية اليوم. 

لكنّ تأكيد واقعيّتها لا يعني أبدا أنها تشكّل أداة تفسيرية شاملة لفهم المجتمعات العربيّة. فهذه المقاربة التبسيطية والاستشراقية غالبا، لا تساعد على فهم ديناميات سياسات الهويّة المعقّدة في المنطقة العربية. ففي الوقت الذي خضعت فيه المجتمعات العربية لتغيرات اجتماعية واقتصادية وسياسية كبيرة خلال السنين الأخيرة، لم ينفكّ المحلّلون يركزون بشكل شبه حصريّ على الطائفية، بما هي المحفّز على العنف في المنطقة.

أثارت هذه المقاربة التبسيطية جدالاً حول الطائفية لا تزال تغذّيه ثنائيّة خاطئةً: هل الطائفية واقعيّة أم لا؟ إلا أن السؤال الأساسي يقع  في مكان آخر. 

في حين أنه من الصعب أن يحاجج أحدهم بأن الطائفية غير واقعية، إلا أن السؤال الأهم يبقى فيما إذا كانت «الطوائف»، كمجموعات متجانسة ومستقلّة تماماً، موجودة بالفعل وإذا ما كنّا بالأساس نستند إلى الفئات الصحيحة في تفسيرنا للطائفية. 

يحاجج فالي نصر، في كتابه المعروف: «الصحوة الشيعية» (3) أن الخلاف بين «السنّة» و»الشيعة» سيحدّد شكل المستقبل. لكن من يكون «السنّة» و»الشيعة»؟ هل يشكلان مجموعتين متجانستين؟ هل كل الشيعة في جهة وكل السنة في جهة أخرى؟ كيف تتنظم هذه الفئات الهوياتية في العمل السياسي؟ من خلال التجمعات الطائفية الكبيرة أو من خلال الأحزاب والتنظيمات السياسية؟ وهل الحرب في سوريا هي حقّاً بين «العلويين» و«السنّة»؟

أم هي حرب بين نظام الرئيس السوري بشار الأسد وداعميه الإقليميين والدوليّين من جهة، والمجموعات المعارضة المتنوعة وداعميها من جهة أخرى؟ كيف نستطيع فهم الانقسامات الكثيرة داخل الفئات الطائفية في سوريا؟ ألا تقوم داعش باستهداف «السنّة»؟ ألا يستهدف نظام الأسد بعض العلويين؟ هل يمكن فعلا اختزال السياسة بالطوائف؟ كيف وصل بنا الأمر بالتحليل إلى هذه الدرجة من التعميم والتبسيط؟

فلنأخذ لبنان كمثال: هل يشبه مؤيّدو حزب الله بقاعدته الشيعية مؤيّدي حركة أمل بقاعدتها الشيعية أيضاً؟ أيُعقل أن نسمّيهم «شيعة» فحسب؟ أيضاً، هل يشبه سكان عكار السنّة بأغلبهم، برجوازية بيروت السنّية؟ هل هم «سنّة» فحسب؟ وماذا عن «المسيحيين»؟

هل يشبه مناصرو التيار الوطني الحرّ بقاعدته المسيحية منافسيه في حزب الكتائب؟ هل يشبه «مسيحيّو» لبنان وسوريا والعراق ومصر، مسيحيّي فرنسا وبريطانيا والولايات المتحدة؟ هل باستطاعتنا أن نتكلّم أصلاً عن «المسيحيين» بهذا الشكل؟ أيشكّل ذلك تمثيلاً دقيقاً للواقع؟ هل الطائفة عابرة للانقسامات الطبقية والإقليمية والسياسية؟ في عبارة أخرى، هل للطائفة وجود خارج الديناميات الطبقية؟ ألا تتفاعل مع هذه الدينامية وتعيد خلق نفسها ضمنها؟ من يملك أدنى فكرة عن المنطقة العربية يدرك أن واقعها أكثر تعقيدا من أن يختصر في تلك الفئات المبسطة. فالمسيحيّون في لبنان لا يشكّلون فريقاً واحداً.

فالانقسامات داخل الأحزاب الرئيسية التي تزعم أنها «مسيحية» حالت دون أن تكون هذه الفئة الهوياتية أساسا للتشكّل الجماعي الأكبر. بعبارة أخرى، لا تزال الهويّة الطائفية فئة (ممأسسة رسميا كمحدد للهوية)، لكنها لا تشكل بالضرورة مجموعات متجانسة اجتماعيا وسياسيا في المجتمع.

بالتالي، أن يقول المرء أنه «مسيحي» لم يعد تعبيراً عن موقف سياسي، كما لم يعد منطقياً أن نتكلّم عن «المسيحيين» ككيان واحد في الخطاب السياسي العام.

ظهر ذلك في عجز الأحزاب اللبنانية ذات القاعدة المسيحيةّ ولمدة طويلة، عن التوصّل إلى توافق حول انتخاب رئيس جمهورية، وهو منصب مخصص للمسيحيين الموارنة.

«مشكلة» اعتماد الطوائف كوحدات تحليلية

رغم ذلك، في الحالات التي يطغى فيها حال من التجانس السياسي أو طغيان لحزب سياسي واحد، يتم الخلط ما بين الفئات الطائفية وتلك السياسية بطريقة متبادلة. يمهّد هذا الخلط الطريق أمام تحويل الفئات إلى مجموعات تفترض التجانس والاستقلالية.

نرى مثلاً أن الهويات «السنية» و«الشيعية» و»العلوية» مشحونة سياسياً اليوم. هذا الشحن يؤدي إلى  خلط الهويات تلك بالمجموعات السياسية التي لا تعكس بالضرورة الطموحات السياسية لجميع أفراد الطائفة. 

فإذا تكلّمت الأحزاب السياسية وقادتها باسم المجموعات الطائفية، لا يعني ذلك أنها تمثّل حقيقة هذه المجموعات، ولا يعني ذلك حتى أن تلك المجموعات موجودة أصلاً كوحدات متجانسة.

نجد هذه المقاربة «المجموعاتية»، كما يسمّيها عالم الاجتماع الأميركي روجرز بروباكر (4)، في معظم التحاليل التي تتناول إشكاليات الطائفية.

وهنا تحديداً يقع الفخّ. فسنواجه المشاكل كلما حاولنا أن نفهم الطائفية من خلال الطوائف كوحدات تحليلية، وسنتوصل إلى استنتاجات فارغة. فالطائفية ليست نتاجا لتنوّع «الطوائف» تماما كما أن النسوّية ليست نتاجا لتنوّع «الأجناس».

خلط الطائفة بالسياسات كخلط النسوّية بالنساء. ليس جميع النساء نسويات، ولا جميع «السنة» أو «الشيعة» طائفيين. الطائفية، كما النسويّة، هي نتاج للتطورات السياسية والاجتماعية-الاقتصادية التي يمكن تتبع جذورها، ولا يعقل أن نقلّصها إلى مستوى مجموعات هويّاتية.

يمكننا بالأحرى القول أن تشكل «الطوائف»، كمجموعات سياسية، ينتج على الأرجح عن الطائفية، أو من السياسات الطائفية، وليس العكس.

على الرغم من أن هذا التفصيل قد يبدو تافهاً لبعض المحلّلين، لكن الاعتراف بأن الطوائف، غير سابقة للطائفية وبأنه لا توجد كمجموعات متجانسة قائمة بذاتها هو كل ما نحتاجه لمعرفة الأسباب التي جعلت من أغلب الكتابات حول الطائفية في المنطقة العربية خاطئة، وأدت وتؤدي إلى وصفات سياسية مبنية على تشخيصات خاطئة كالديمقراطية التوافقية مثلا! 

 

* أستاذة مساعدة في العلوم الاجتماعية في الجامعة الأميركية في بيروت

--

نشر المقال باللغة الانكليزية في موقع الجزيرة الالكتروني، في 16 تشرين الأول/أكتوبر 2016

الهوامش

(1) جمال خاشقجي، دافع عن «السنة» ولا تبالِ، جريدة الحياة، 8 تشرين الأول/أكتوبر 2016

(2) Ussama Makdisi The Modernity of Sectarianism in Lebanon, MERIP, FALL 1996, VOLUME 26

(3) IRSHAD MANJI, Muslim Against Muslim, THE NEW YORK TIMES, AUG.13, 2006

(4) Rogers Brubaker, Ethnicity without groups, Harvard University Press, 2004

 

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص من المنشور - التضامن بوجه الفاشية والعسكرة والرجعية الصاعدة - شتاء 2017، أنقر/ي هنا