الإجهاض حق، دون قيد أو عذر

نشر في‫:‬الخميس, كانون الثاني 26, 2017 - 14:10
الملصق من هنا: workerspower.co.uk
الكاتب/ة: إسلام الخطيب.

لم يكد يمر أسبوع على وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الأميركية، حتى كانت أولى خطواته توقيع أمر تنفيذي بوقف تمويل أنشطة المنظمات غير حكومية التي تساعد على توفير خدمات الإجهاض للنساء عالمياً. جاء القرار أيضاً بعد مظاهرات مليونية نسائية عمّت الولايات المتحدة الأميركية ومناطق عديدة في العالم اعتراضاً على ما يمثّله ترامب من معاداة للنساء والسود والمهاجرين واللاجئين والمسلمين والمكسيكيين والمثليين وغيرهم. صورة ترامب أثناء توقيعه هذا القرار الذي يمس حيوات النساء بشكل فادح، محاطاً بعدد كبير من الرجال وفي ظل غياب لأي امرأة، شبيه إلى حد بعيد بمشهد النواب اللبنانيين يقررون أن التحرش الجنسي بالنساء قضية ثانوية، أو متى قرر النائب إيلي ماروني أن المرأة هي من يجب أن تلام على اغتصابها.

تبع قرار ترامب الكثير من النقاشات حول الحق بالإجهاض. ويذكر أن خلال حملته الانتخابية، قام العديد من حملات "برو لايف" (المعادية لحق الإجهاض) بتمجيد ترامب صاحب أكثر مواقف مخيفة حول الإجهاض، الذي وصل به الأمر إلى التصريح بأن النساء اللواتي يقدمن عليه يستحقن العقاب. 

لطالما كان موضوع الحق بالإجهاض من الأمور التي يخشى العديدون مناقشتها، لأنه بالدرجة الأولى موضوع يمس صلب استقلالية المرأة الجسدية. يتبنّى أغلب الرافضين لعمليات الإجهاض حجج تتعلق بـ "روحانية الحمل" و"قدسية الحياة" وأن "الطفل هو روح ولا يجوز قتله" والكثير من الاقتباسات التي تحوّل عملية الحمل الى عملية رومانسية محض، دون الأخذ بعين الاعتبار أن الحمل يتحول من "تجربة" مميزة إلى عملية شاقة وخطيرة للمرأة التي لا ترغب به. ويستغرب هؤلاء أن بعض النساء قد لا يرغبن على الاطلاق بخوض التغيرات الجسدية والنفسية التي تتأتى نتيجة الحمل، ولا يرغبن بتحمّل آلام الولادة، كما أن بعض النساء لا يستطعن تحمّل كلفة الولادة والتربية.

استغراب هؤلاء ناتج عن اعتبارهم الجنس عملية تهدف للإنجاب فقط، أي أن المرأة هي عبارة عن آلة للإنجاب، ولا يمكن أن ترغب بممارسة الجنس من أجل اللذة الجنسية. كما أنهم لا يعون مفهوم الاستقلالية الجسدية للمرأة، التي قد لا ترغب بأن تسلم جسدها لمدة تسعة أشهر.

معظم الدول التي تجرم الإجهاض، (كلبنان مثلا)، لا تعتبر أن المرأة لها الحق بالاختيار بين الإنجاب أو الإجهاض، لأن حقها بجسدها مصادر وليس ملكا لها. ففي لبنان، ينص القانون (542 عقوبات) على أن "إقدام الغير على إجهاض الحامل برضاها يعاقب بالحبس من سنة إلى ثلاث سنوات... ويستفيد من العذر المخفّف مَن يرتكب جريمة الإجهاض للمحافظة على شرف أحد فروعه أو قريباته حتى الدرجة الثانية، سنداً للمادة 545 من قانون العقوبات."

ببساطة، إن دعم أي قيود على حق النساء بالإجهاض متى قررن ذلك يعني المساهمة في الرفع من عدد القتلى بين أوساطهن. إن عمليات الإجهاض غير الآمنة (أي القيام بها سراً في بيئة تفتقر إلى أبسط المعايير الطبية أو على يد أطباء يفتقرون للمهارات اللازمة) التي تكثر في ظل تشديد القيود على عمليات الإجهاض يؤدي إلى ارتفاع عدد الوفيات لدى النساء خاصة متى انتمين إلى طبقات أفقر. وحتى ان تلك العمليات قد تكون مكلفة بسبب سريتها وبسبب تعرض العديد من النساء للاستغلال. تلك القيود والقرارات لن ولم توقف عمليات الإجهاض يوما، بل ستجبر النساء الحوامل في حالات اليأس، للجوء الى اساليب إجهاض غير آمنة. عشرات آلاف النساء اللواتي يمتن سنوياً جراء هذه العمليات غير الآمنة هن ضحايا حملات "برو لايف" والحكومات المعادية للحق بالإجهاض.

لا يوجد هناك أي إحتمال لضمان حصول جميع النساء على حقهن بالإختيار في إطار الأيديولوجيا الدينية والبطريركية، أو في إطار الرأسمالية التي وضعت، وما تزال، الكثير من العوائق أمام الحركات المدافعة عن حق النساء بالإجهاض.

ونحن نتأكد أكثر فأكثر، كنساء، أن المسألة ليست متعلقة بالحقوق بقدر ما هي متعلقة بمصادرة حقنا بالسيادة على أجسادنا وبتقييد وصولنا للرعاية الصحية والإجراءات الطبية الآمنة، كل ذلك يوضح وبشكل صريح بأن أجسادنا دائماً ملك لشخص آخر- إما الله أو الدولة أو لمن "حبّلها". بالفعل، إن الواقع الاجتماعي يؤكد على أن حرمان المرأة من حقها بالإجهاض يحافظ على وضعها كإنسان من درجة "ثانية"، ويمنح الرجل- الذي قد لا يريد أصلاً الاعتراف بالطفل، ولا حتى يريده- حق إجبار المرأة على الحمل أو الاجهاض (غير الآمن طبعاً). لن نستطيع وضع حدّ لعدم المساواة والتمييز ضد النساء في كل مكان، قبل أن يكون الحق بالإجهاض متوفرا للنساء دون قيد أو عذر.