مقاومة ترامب في الولايات المتحدة

نشر في‫:‬الأثنين, كانون الثاني 16, 2017 - 15:34
الرسم لـ خالد البيه
الكاتب/ة: وائل الأسدي.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

شكل فوز دونالد ترامب المفاجئ منعطفا خطيرا للسياسة الأميركية والدولية. على الصعيد الدولي، يمثل انتخابه انطلاقة جديدة وقوية لليمين الشعبوي، هذه المرة على الرغم من السلطة الرأسمالية المهيمنة في العالم. فوز ترامب يعني تعميق علاقات الولايات المتحدة مع زعماء متسلطين مثل السيسي وأردوغان حيث يرى ترامب فيهما روحا متشابهة معه، مطبّعا في الوقت عينه مع ممارساتهما غير الديمقراطية. الأخطر من ذلك أن انتخاب ترامب من شأنه زعزعة استقرار النظام الدولي وتكثيف المنافسة وسط احتمالات حدوث مواجهة خطيرة مع الصين.

على الصعيد المحلي، شكل فوز ترامب تطبيعا مع الخطاب العنصري والذكوري فضلا عن تشجيع اليمين الأبيض المتطرف والعنصري مثل حركة "اليمين البديل". عقب الانتخابات، وثق "مركز قانون الحاجة الجنوبي" ارتفاعا في جرائم الكراهية والمضايقات التي تعرض لها المسلمون/ات والمهاجرون/ات والأقليات الأخرى.

في الوقت عينه، عيّن ترامب في حكومته وفي المناصب القيادية العليا داخل إدارته، مجموعة من العنصريين البيض، والمحافظين الأثرياء الذين يملكون 30 بالمئة من الثروة في البلاد، والذين لا يريدون شيئا أكثر من زيادة الهجمات على المهاجرين/ات والمسلمين/ات، وعسكرة الشرطة وفرض قوانين معادية لحقوق العمال/ات والتعليم العام والحماية البيئية. فقد اختار ترامب ستيف بانون لموقع كبير الاستراتيجيين، وقد شغل في وقت سابق مركز المدير التنفيذي لبريتبارت، وكالة الأخبار اليمينية المعروفة بنشرها لأفكار تدّعي تفوق البيض. كما عيّن جيف سيشنز، وزيرا للعدل الذي شغل منصب المدعي العام في فترة سابقة، والذي يعتبر "أسوأ عدو لمنظمة العفو الدولية" بسبب آرائه المعادية للمهاجرين/ات وقد جرى عزله من منصبه كقاض اتحادي من قبل مجلس الشيوخ الأميركي بسبب آرائه العنصرية. ورقة ترامب الرابحة كانت باختياره لوزير العمل، المركز الذي يفترض به أن يحمي القواعد القانونية الراعية لحقوق العمال/ات، مدير عام لشركة الوجبات السريعة أندرو ف. بوزدر، الذي يعارض زيادة الحد الأدنى للأجور، وبدل العمل الإضافي، والإجازات المرضية، والرعاية الصحية للعمال/ات. هذه أمثلة بسيطة، لكن كافية، للرد على من يقول أن خطاب ترامب العدائي كان لغايات انتخابية فقط، وفي وقت سيتعرض فيه ترامب لبعض العقبات المؤسساتية لإجراءاته المتطرفة، فمن الواضح أنه لوقف ترامب لا يمكننا التعويل على الطبقة الحاكمة بل نحن بحاجة لبناء حركة جماهيرية تواجهه في الشارع.

وفي وقت شكّل فيه انتخاب ترامب تحوّلا خطرا إلى اليمين، فإنه من الخاطئ أن نرى في هذه الانتخابات تحوّلا حاسما نحو اليمين بين الأميركيين. وهنا يكمن الأمل في المقاومة.

أول ما ينبغي قوله هو أن ترامب خسر في مجمل أصوات الناخبين بنحو 2،8 مليون صوت، وهو أكبر فارق في التاريخ، حيث خسر ترامب في التصويت الشعبي، لكنه استطاع الوصول إلى البيت الأبيض. فـ"المجمع الانتخابي"، وهو النظام الذي وضع لحماية حكم الأرستقراطية الاستعبادية، أصبح اليوم يعطي وزنا أكبر للمناطق الريفية المحافظة على حساب المراكز المُدُنية للطبقة العاملة المتعددة الأصول، سامحا بذلك لأقلية من السكان باختيار الرئيس. ولكن فوز ترامب يرتكز على أساس أضيق من ذلك حيث أن 42،7 بالمئة من سكان الولايات المتحدة لم يصوتوا على الإطلاق. وصوت 3،1 بالمئة لمرشح الحزب الثالث، 27،4 بالمئة لصالح كلينتون وفقط 26،8 بالمئة لصالح ترامب. أي بعبارة أخرى 73،2 بالمئة من السكان لم يصوتوا لترامب أو صوتوا لصالح خصومه.

تمكن ترامب من الفوز في "المجمع الانتخابي" بهامش ضئيل في ثلاث ولايات هي بنسلفانيا وميتشيغان وويسكونسن، في حين أشارت استطلاعات الرأي إلى أن حوالي مئة ألف صوت قرروا في نهاية المطاف النتيجة. العامل الأساسي في فوز ترامب لم يكن في زيادة إقبال الناخبين/ات الجمهوريين إنما بسبب انخفاض تاريخي في اقبال الناخبين الديمقراطيين من الطبقة العاملة والأقليات. فعلى سبيل المثال، انخفضت نسبة الناخبين السود من 13 بالمئة من مجموع الناخبين/ات عام 2012 إلى 12 بالمئة عام 2016، في حين انخفضت نسبة تصويت الأسر التي تكسب 50 ألف دولار بالسنة أو أقل من ذلك، من 41 بالمئة إلى 36 بالمئة عام 2016، وكان السبب الآخر حصول تحول صغير ولكن حاسم في نهاية المطاف من الحزب الديمقراطي إلى الحزب الجمهوري بين بعض الناخبين/ات مقارنة مع الانتخابات الأخيرة. فقد انخفض التصويت اللاتيني للديمقراطيين من 71 بالمئة عام 2012 إلى 65 بالمئة عام 2016، وهذا على الرغم من العنصرية المعادية للمهاجرين/ات داخل حملة ترامب، وانخفضت نسبة النقابيين/ات المصوتين/ات للحزب الديمقراطي من 59 بالمئة عام 2012 إلى 51 بالمئة عام 2016، أدنى نسبة ينالها الحزب الديمقراطي منذ عام 1960.

في نهاية المطاف الحزب الديمقراطي لم يقدم للناخبين/ات أي سبب للتصويت له. فقد كانت مستويات معيشة العمال/ات تحت الهجوم لمدة 40 عاما، وزادت الأزمة الاقتصادية عام 2008 من التفاوت الطبقي. إدارة أوباما الديمقراطية انتخبت تحت شعار "الأمل والتغيير" ولم تقدم أي مساعدة لملايين العمال/ات الذين/اللواتي فقدوا/ن وظائفهم/ن ومنازلهم/ن إنما سارعت لمساعدة البنوك والمؤسسات المالية التي تسببت في حصول الأزمة.

بالإضافة إلى ذلك، وبعد 8 سنوات على الحكم الديمقراطي بقيادة أول رئيس أميركي من أصل أفريقي تزايدت وحشية الشرطة بحق الأميركيين من أصل أفريقي وإدارة أوباما مسؤولة في الوقت عينه عن العدد القياسي لترحيل المهاجرين/ات، متجاوزا كل الرؤساء السابقين في تفتيت الأسر وتدمير حياة المهاجرين/ات. أرقام أوباما القياسية كانت لا تزال طازجة في عقول الناخبين/ات وبعد هزيمة بيرني ساندرز، الذي جيش الملايين من الأميركيين مع برنامجه الطامح لمحاربة الطبقة الغنية، في الانتخابات التمهيدية، انتقل الحزب الديمقراطي ومرشحته كلينتون إلى اليمين. واعتمدوا على برنامج يشجع على سياسة "تنوع وهمية" بالنسبة للناخبين/ات المُدُنيين، ولكن لا يقدم أي وسيلة حقيقية بالنسبة للجماعات المضطهدة، بدلا من ذلك حاول جذب الناخبين/ات المحافظين/ات من الضواحي. تراجع بيرني ساندرز عن خطابه اليساري وحاول حث ناخبيه على التصويت لصالح هيلاري كلينتون مغادرا التجذر اليساري وإمكانية التعبير عن نفسه خلال الانتخابات الرئاسية.

إذاً، شعر الملايين من الأميركيين/ات بأنهم/ن يعيشون/ن كابوسا أميركيا وكانوا/ن غاضبين/ات من الستاتيكو. أما هيلاري كلينتون فقد خاضت الانتخابات كبطلة للستاتيكو معتمدة شعارا يقول إن أميركا هي "عظيمة بالفعل".

وهكذا بالنسبة لشريحة صغيرة من العمال/ات الأميركيين/ات كان ترامب قادرا على استغلال الغضب من انخفاض مستويات المعيشة وتزايد البؤس ضمن خطاب عنصري وقومي، وتوجيه غضبهم/ن ليس ضد الطبقة الغنية التي ينتمي إليها ترامب والمسؤولة عن تنامي انعدام المساواة، ولكن ضد المهاجرين/ات، والأجانب والنساء وحركة "حياة السود مهمة" والمسلمين/ات.

فهم هذا السياق الذي أدى إلى فوز ترامب في الانتخابات يساعدنا على فهم آفاق المقاومة وما الأشكال التي تتطلبها.

أولا، وصول ترامب إلى سدة الرئاسة لا يمثل وجهة نظر معظم الأميركيين/ات خاصة مع حصوله على أدنى عدد من المصوتين/ات من أي رئيس سابق. وهذا الأمر ينبغي أن يوفر الثقة بأن اليسار ليس منعزلا وأنه يمكننا وينبغي أن نهدف إلى التواصل وحشد الملايين من الأميركيين/ات المشمئزين/ات من انتخابه نحو مقاومة سياساته الرجعية التي من المؤكد سيقوم بها ما لم يتوصل اليسار إلى استنتاجات راديكالية مواجِهة. لذلك علينا بالصبر مع أولئك الذين/اللواتي دخلوا/ن المجال السياسي لأول مرة. وسيكون بناء سياسة التضامن والنضال الموحد أساسي في هذه الفترة.

ثانيا، كان واضحا الدور الذي لعبه الحزب الديمقراطي في تهيئة الظروف التي سمحت في وصول ترامب خلال سنوات من التقشف النيوليبرالي والتكيف مع البرامج الاجتماعية المحافظة. التزام الحزب الديمقراطي النظام الرأسمالي يجعله غير قادر تماما على مواجهة ترامب وسياسته الرجعية. وهذا يعني أن المقاومة لبرنامج ترامب وحده ليست كافية، بدلا من ذلك على المقاومة أن تحافظ على استقلالها عن الحزب الديمقراطي الذي من شأنه أن يقود، إلى عكس ذلك، بدفع الحركة إلى الوراء وصب الطاقة الشعبية في حملات انتخابية لصالح الحزب الديمقراطي الملتزم بنفس السياسات التي مهدت الطريق أمام وصول ترامب.

وأخيرا، من المهم أن نفهم أن السياق الأميركي هو واحد لناحية الاستقطاب داخل اليمين واليسار. اليمين كان قادرا على كسب التعبير السياسي في هذه الانتخابات، وفي الوقت عينه احتمالات نمو اليسار كبيرة كما كان هو الحال خلال السبعينيات. فقد صوّت الملايين من الشباب لصالح بيرني ساندرز، وهو اشتراكي منفتح ففضل الملايين الاشتراكية على الرأسمالية داخل الولايات المتحدة. بغض النظر عن غموض شكل الاشتراكية التي يريدها بيرني، من الواضح أن الطريق قد تعززت أمام الاشتراكيين/ات للبدء بتوضيح وتنظيم هذا الشعور والتأكد أنهم/ن لن يصطدموا بجدران الحزب الديمقراطي غير الفعّال والذي سيستنزفهم/ن دون جدوى. والوقت حان لبناء واضح وواثق لتنظيم اشتراكي وثوري.

الاحتجاجات الشعبية الحاشدة التي تلت انتخاب ترامب والتي شارك فيها الآلاف، فضلا عن المظاهرات الشعبية التي يتم التحضير لها يوم 20 كانون الثاني خلال تنصيب ترامب، والنصر الملهم في ستاندينغ روك ضد مد الأنابيب في داكوتا الشمالية هي علامات مشجعة، كذلك النمو الصغير، ولكن غير المستهان به، التي شهدناه ضمن المنظمات الاشتراكية مثل الاشتراكيين الديمقراطيين في أميركا ومنظمة الاشتراكيين الأمميين عقب انتخاب ترامب. مع ذلك، فإن التحديات التي تواجهنا كبيرة. أولا، انتصار ترامب ومحاولات تنفيذ برنامجه الرجعي يمكن أن يثير المقاومة ويمكن أن يضعف المعنويات وأن يشعر أولئك الذين/اللواتي يواجهون/ن سياسته بالعزلة ما لم يتم المحافظة على المقاومة الواضحة والقابلة للاستمرار. هذه الإمكانية قد تتزايد في الوقت الحالي بسبب الدعوة الإجرامية للحزب الديمقراطي حين يقول للناس أن "يصبروا" وأن يعطوا ترامب "فرصة" وكان لذلك تأثيره على قيادة الحركة العمالية والمنظمات الليبرالية الرئيسية التي فشلت في تعبئة قواعدها الكبيرة. وفي الوقت عينه استمر ضعف اليسار المستقل داخل الحزب الديمقراطي وعدم قدرته حتى الآن على توفير التماسك والقيادة السياسية للصراع المتفجر الذي يندلع ويتبدد بسرعة نتيجة لنقاط الضعف السياسية والتنظيمية.

لذلك يمكن أن نتوقع مقاومة لسياسات ترامب في السنوات المقبلة ولكن للأسباب الواردة أعلاه هذه المقاومة على الأرجح أن تتراوح بين الصعود والهبوط وسنواجه من جانبنا هزائما وكذلك انتصارات دفاعية. القدرة على تحدي مبادرات ترامب وشعبويته اليمينية في هذه الفترة تعتمد على ما إذا كان من هم/ن على اليسار قادرين/ات على تعبئة وتنظيم أكبر عدد من الناس في نضال موحد لمقاومة سياسات ترامب وكسب أكبر عدد ممكن من الناس إلى سياسات مستقلة عن الحزب الديمقراطي، وأخيرا بناء بديل اشتراكي حقيقي بمواجهة الشعور باليأس والعجز الذي ولده وصول ترامب إلى السلطة.

--

* الرفيق وائل الأسدي، فلسطيني/سوري يعيش في بورتلاند- أوريغون وناشط في حركة المقاطعة وسحب الاستثمارات وفرض العقوبات (BDS). شارك في تأسيس منظمة "طلاب متحدون للمساواة في الحقوق للفلسطينيين"، وهو عضو منذ وقت طويل في منظمة الاشتراكيين الأمميين في الولايات المتحدة.

 

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص من المنشور - التضامن بوجه الفاشية والعسكرة والرجعية الصاعدة - شتاء 2017، أنقر/ي هنا