الفصل التاسع: تراكم رأس المال

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 14, 2016 - 07:55
Kazimir Malevich | Taking in the Rye
الكاتب/ة: كارلو كافيرو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

الفصل التاسع من كتاب "ملخص رأس المال لكارل ماركس" للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ"رأس المال"، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر "الكلب الأحمر" (Le Chien Rouge)

--

إذا لاحظنا معادلة رأس المال، فسنفهم بكل سهولة أن المحافظة عليه تقوم على إعادة انتاجه المتوالي والمستمر.

في الواقع، ينقسم رأس المال، كما سبق وعرفنا، إلى رأس مال ثابت وآخر متحرك. رأس المال الثابت، يتمثل بوسائل العمل والمواد الأولية، التي تتآكل تحت تأثير العمل نفسه. فالأدوات تتآكل وكذلك الآلات والفحم والشحم… التي تحتاجها الآلات؛ وأخيرا مبنى المصنع نفسه يتآكل. المواد الأولية يتم استيعابها. ولكن في الوقت الذي يسبب فيه العمل تآكلا لرأس المال الثابت، فإنه يعيد إنتاجه بنفس النسب التي أدت إلى استهلاكه. يعاد إنتاج رأس المال الثابت في السلعة بنفس نسبة استهلاكه خلال صناعة الأخيرة. الجزء من قيمة استهلاك وسائل العمل والمواد الأولية يتم إعادة انتاجها دائما في قيمة السلع، كما رأينا سابقا. إذا كان رأس المال الثابت قد أعيد انتاجه بشكل جزئي في كل سلعة، فمن الواضح أنه، في قيمة عدد معين من السلع المنتجة، فإننا نجد كل رأس المال الثابت الذي جرى استهلاكه خلال عملية الصناعة.

رأس المال المتحرك كرأس المال الثابت. رأس المال المتحرك، الذي يتمثل بقيمة قوة العمل؛ أي الأجر، يعاد انتاجه بالضبط، هو أيضا، في قيمة السلعة. كما رأينا سابقا. العامل، في الجزء الأول من عمله، ينتج أجره، وفي الجزء الثاني ينتج فائض القيمة. وكما أن الراتب لا يدفع للعامل إلا بعد أن ينجز عمله، فإنه يجد نفسه لا يقبض أجره إلا بعد أن ينتج قيمة سلعة الرأسمالي.

مجموع الرواتب المدفوعة للعمال منتجة باستمرار بواسطتهم. هذا الانتاج المتواصل لمجموع الرواتب يديم خضوع العامل للرأسمالي. عندما يصل البروليتاري إلى السوق لبيع قوة عمله، فإنه يأخذ المكان الذي يكلفه به نمط الانتاج الرأسمالي، مساهما في الانتاج الاجتماعي للجزء الذي يتعلق به، ويتلقى، لإعادة انتاج قواه، من مجموع الرواتب، جزءا من رأس المال المتحرك الذي من شأنه، قبل كل شيء، إعادة انتاج عمله.

هي سلسلة دائمة تحافظ على خضوع الإنسان، سواء تحت شكل من العبودية، أو القنانة، أو في إطار العمل المأجور.

يظن المراقب العادي أن العبد يعمل من أجل لا شيء. وهو لا يفكر أنه على العبد قبل كل شيء تعويض سيده لما يكلفه للحفاظ عليه؛ وسنلاحظ أن المحافظة المقدمة للعبد هي في بعض الأحيان أكبر بكثير من ذلك الذي يُجبِر الأجير على إشباعه. لأن سيد العبد شديد الاهتمام للحفاظ على الأخير، كما لذلك الجزء من رأسماله. القن، والأرض التي يرتبط بها، يملكها السيد، الذي هو، بالنسبة إلى المراقب العادي، في وضع متقدم بالنسبة للعبد، لأننا نرى بوضوح أن القن يعطي جزءا من عمله لسيده، في حين يستعمل الجزء الآخر لاستخراج من الأرض المخصصة له وسائل بقائه. بدوره العامل المأجور، يظهر للمراقب العادي كحالة أفضل بكثير من القن، لأن العامل يبدو، في مثل هذه الحالة، حرا تماما ويبدو أنه ينال قيمة العمل الذي أنجزه.

وهم عجيب! لو كان العامل قد حقق فعلا بنفسه قيمة عمله، فإن نمط الانتاج الرأسمالي ليس موجودا. كما قلنا سابقا. لا يمكن للعامل أن يحصل على أي شيء سوى على قوة عمله، الشيء الوحيد الذي يستطيع بيعه، لأنها هي السلعة الوحيدة التي يملكها في العالم. انتاج العمل يعود إلى الرأسمالي، الذي يدفع راتبا للبروليتاري، أي لإعادة انتاج قواه. كذلك، قطعة الأرض التي تركها السيد للقن، وكذلك الوقت والوسائل الضرورية للزراعة، تمثل مجموع الوسائل التي هي لدى القن حتى يعيش، في حين عليه أن يعمل بقية الوقت لصالح سيده.

العبد والقن والعامل يعملون، ثلاثتهم، في جزء من عملهم لانتاج ما هو ضروري لاعادة انتاج قواهم، والجزء الثاني لصالح سيدهم. يمثلون ثلاثة أشكال مختلفة من ذات سلسلة الخضوع والاستغلال البشري. دائما إخضاع الإنسان المحروم من أي إمكانية لتحقيق التراكم (أي وسائل الانتاج التي هي وسائل للعيش) لصالح رجل يملك تراكما سابقا، ووسائل الانتاج، ووسائل العيش (1). المحافظة على رأس المال، أي على إعادة الانتاج، هي بالضبط، ضمن نمط الانتاج الرأسمالي، المحافظة على هذه السلسلة من الخضوع والاستغلال البشري.

لكن العمل لا يعيد انتاج فقط رأس المال: فهو ينتج كذلك فائض القيمة، التي تشكل ما يسمى مردود (2) رأس المال. إذا أرجأ الرأسمالي كل سنة كل مردود رأسماله أو جزء منه، فيتحقق تراكم رأس المال؛ وسيتزايد رأسماله باستمرار. من خلال إعادة انتاج بسيطة، العمل يحافظ على رأس المال؛ من خلال تراكم فائض القيمة، العمل يزيد رأس المال.

عندما يضاف المردود إلى رأس المال، فيستعمل هذا المردود بجزء منه في وسائل الانتاج، وبالمواد الأولية، وبقوة العمل. فائض العمل الماضي، والعمل الماضي غير المدفوع، يزيد رأس المال. جزء من العمل غير المدفوع من السنة الماضية ضروري للسنة الحالية. هذا ما يحقق النجاح للرأسمالي، وذلك بفضل الآلية البارعة للانتاج الحديث.

بمجرد القبول بنمط الانتاج الحديث، القائم بشكل كامل على الملكية الخاصة والعمل المأجور، لا يمكننا نقد النتائج الناجمة عنه، ومن بينها تراكم رأس المال. لا يهم أن يعلم أنطوان أن الفرنكات الثلاثة التي يقبضها تمثل العمل غير المدفوع للعامل بيار. ما يحق له أن يعرفه هو هل هذا المبلغ يعادل قوة عمله، أي ما يعادل بشكل دقيق الأشياء التي يحتاجها ليوم واحد، إذا تم احترام قانون التبادل.

عندما يبدأ الرأسمالي بمراكمة رأس المال فوق رأس المال، تولد لديه فضيلة جديدة، وتتطور، هذه الفضيلة نسميها التقشف، الذي يهدف إلى تخفيض النفقات بشكل كبير، بهدف استعمال الجزء الأكبر من المردود للتراكم.

"إرادة الرأسمالي ووعيه لا يعكسان سوى حاجات رأس المال الذي يمثله، لا يمكن أن نرى في استهلاكه الشخصي سوى نوعا من السرقة، قروضا على الأقل أدت إلى التراكم: وفي الواقع، مسك دفاتر حسابات القيود المزدوجة تتضمن النفقات الخاصة للآخرين، كمبالغ مستحقة للرأسمالي إلى رأس المال. التراكم، هو اكتساب عالم الثروة الاجتماعية. من خلال زيادة عدد الخاضعين، تتوسع الهيمنة المباشرة وغير المباشرة للرأسمالي، وينمو طموح لا ينضب.

"لوثر يظهر ذلك بشكل جيد، على سبيل المثال المرابي- الشكل القديم للرأسمالي، ولكننا لا زلنا نراه في فترات متقطعة- الذي تكون رغبته بالسيطرة عنصرا لشغفه بتحقيق الثروات: "الوثنيون، المسترشدون بسبب بسيط، صنفوا المرابي بدرجات أعلى من درجة اللص والقاتل. ولكن، نحن المسيحيون، نقدم له كل الشرف، ونسجد له تقريبا بسبب ماله. من ينهب ويسرق ويأكل طعام الآخرين يرتكب جرما كبيرا (بقدر ما في وسعه) تماما كذلك الجائع الذي يقتل ولكن هذا بالضبط ما يفعله المرابي، الذي يجلس بكل ثقة على كرسيه، في وقت وبحسب منظومة العدالة يجب شنقه على حبل المشنقة وأن تأكله الغربان التي سرق أموالها، على افتراض أنه لديه جسدا كافيا حتى ينال كل غراب جزءا منه. يتم سجن صغار اللصوص، في حين يتنعم كبار اللصوص بالذهب والحرير. لا يوجد على الأرض من عدو للإنسانية (بعد الشيطان) أكثر من الجشِع والمرابي، لأنه يريد أن يكون إلها فوق كل الناس. الأتراك، الجنود والطغاة هم أيضا يشكلون حاضنة للشر، ولكنهم سمحوا للناس بأن يعيشوا، واعترفوا أنهم أشرار وأعداء؛ قد يكون لديهم حتى بعض الرحمة على عدد قليل من الناس. ولكن المرابي، والجشِع، يريدون أن يجوع ويعطش كل الناس وأن يحزنوا وأن يعيشوا بالبؤس، كل ذلك حتى يمتلكوا كل شيء لأنفسهم، وأن لا يحصل أي شخص إلا منهم، كآلهة، وأن يخدموهم مدى الحياة. هم يرتدون المعاطف وسلاسل الذهب، والخواتم ويظهرون أنفسهم كأتقياء وصادقين. المرابي هو وحش بشع، أسوأ من غول مفترس… وإذا كنا نلاحق ونقطع رؤوس قطاع الطرق والقتلة، فلماذا لا نلاحق ونلعن ونقطع رؤوس كل المرابين".

يتطلب تراكم رأس المال زيادة في عدد اليد العاملة. يجب زيادة عدد العمال، حتى يمكن تحويل جزء من المردود إلى رأس مال متحرك. تنظيم اعادة الانتاج الرأسمالي يضمن أن العامل يحافظ على قوة عمله من خلال الجيل الجديد، حيث يواصل رأس المال في استعمال ذلك حتى تتواصل عملية اعادة الانتاج. ولكن العمل الذي يطلبه رأس المال اليوم هو أكبر من الذي طلبه البارحة؛ وبالتالي فإن السعر يجب أن يزيد بشكل طبيعي. وأن تزيد الأجور، ما لم يكن هناك في تراكم رأس المال من سبب يؤدي على العكس إلى انخفاض الأجور.

جزء من المردود الذي يضاف سنويا على رأس المال يتم تحويله، كما رأينا سابقا، بجزء منه إلى رأس مال ثابت، وبجزء آخر إلى رأس مال متحرك، أي جزء لوسائل العمل والمواد الأولية، وجزء آخر لقوة العمل. ولكن يجب علينا الاعتبار، أنه مع تراكم رأس المال، سوف تنتج التحسينات لأنظمة الانتاج القديمة، أنظمة الانتاج الجديدة والآلات: كل شيء يؤدي إلى زيادة الانتاج، ويخفض من سعر قوة العمل، كما علمنا بشكل فعلي. ما إن يتزايد تراكم رأس المال، يتناقص الجزء المتحرك، في حين يزداد الجزء الثابت. أي نرى زيادة في الأبنية والآلات والمواد التابعة لها، والمواد الأولية للعمل، ولكن في الوقت عينه، وبما يتناسب مع هذه الزيادة، مع تراكم رأس المال تنخفض الحاجة إلى قوة العمل، الحاجة إلى اليد العاملة. بانخفاض الحاجة إلى قوة العمل، ينخفض الطلب على تلك القوة، وفي نهاية المطاف ينخفض السعر أيضا. ونتيجة لذلك، كلما تزايد تراكم رأس المال، كلما انخفضت الأجور.

تراكم رأس المال يأخذ أبعادا واسعة من خلال المنافسة والائتمان. والأخير يحمل من تلقاء نفسه الكثير من رؤوس الأموال الممزوجة، أو بالأحرى الاندماج برأس مال أقوى عوضا عن كل رأس مال لوحده. المنافسة، على العكس من ذلك، هي الحرب بين كل رؤوس الأموال؛ هي صراعهم للبقاء، ومن بعدها يخرج أقوى، ذاك الذي تغلب، كان فعليا الأقوى.

بالتالي يستغني تراكم رأس المال عن عدد كبير من اليد العاملة: أي أنه يخلق فائضا نسبيا- وغير مطلق- من السكان من بين العمال (3).

"وفي حين يتقدم تراكم الثروات على أساس رأسمالي منتجا بالضرورة فائضا عماليا نسبيا، الذي يصبح الرافعة الأقوى للتراكم، وشرطا لوجود الانتاج الرأسمالي خلال نموه الكامل. فهو يشكل جيش احتياط للصناعة، ينتمي إلى رأس المال بشكل مطلق الذي كان قد رباه وأعده على نفقته الخاصة. وهو يؤمن المواد البشرية المتاحة دائما والتي يمكن استخدامها لانتاج فائض القيمة… فقط تحت نظام الصناعات الكبيرة يصبح الفائض العمالي منبعا دائما لانتاج الثروات".

الجيش الاحتياطي الصناعي، الفائض العمالي، يكون بثلاثة أشكال، الشكل العائم، والشكل الكامن والشكل الراكد. الشكل الأول يقبض أفضل أجر، ويعاني أقل من غيره لعدم وجود عمل، في وقت يقوم بعمل أقل تعبا. الشكل الثاني، على العكس، يتكون من عمال يتم توظيفهم أقل من غيرهم، ودائما في عمل متعب ومقرف، ويقبضون أدنى سعر ممكن دفعه للعمل البشري. 

الشكل الأخير هو الأكثر عددا، ليس فقط بسبب قوة التقدم الصناعي الكبيرة التي تؤثر به، ولكن خاصة لأنه يتشكل من أشخاص وفيري الانتاج، كما يوضح الواقع.

"قال آدم سميث: "يبدو الفقر ملائما للجيل". تتشابه هذه الحكمة مع تلك التي قالها الكاهن غالياني: "الله جعل من الرجال الذين يعملون في مهن بالغة الأهمية غزيري الانجاب". لاينغ أثبت من خلال الإحصاءات أن: "البؤس وصل إلى درجة أنه يولد المجاعة والأوبئة، وإلى ميل السكان إلى التزايد بدلا من التوقف عن ذلك".

"تحت هذه الأشكال الثلاث، لم يبق سوى بقايا من فائض السكان النسبي، الذين يعيشون في جحيم الفقر. مثل المشردين والمجرمين والعاهرات والمتسولين وكل أولئك الذين يشكلون البروليتاريا الرثة، هذه الطبقة الاجتماعية تتألف من ثلاث فئات. الأولى تتضمن العمال القادرين على العمل. مجرد إلقاء نظرة على إحصاءات الفقر الانكليزية حتى نرى تضخم هذه الكتلة عند كل أزمة وانخفاضها مع كل انتعاش للأعمال. الفئة الثانية تشمل الأيتام والأطفال الذين بحاجة للمساعدة. والأخيرون يشكلون الجيش الاحتياطي للصناعة الذي في حالات الانتعاش الكبير يتم توظيفه بأعداد كبيرة منه. الفئة الثالثة وتتضمن الفاشلين والمهمشين وغير القادرين على القيام بأي عمل؛ هم، من جهة، أولئك الذين حرمهم تقسيم العمل من إشغال الوظائف والمهن التي تسمح لهم بالعيش؛ ومن ثم أولئك الذين تجاوزت أعمارهم الحد الطبيعي لحياة العامل؛ ومن ثم ضحايا الصناعة الذين تتزايد أعدادهم بسبب الآلات الخطرة، والاستثمارات المنجمية، وصناعة المواد الكيميائية… والمشلولين والمرضى والأرامل…

"العوز هو مصير غير القادرين من الجيش النشط للعمل، والحمل الثقيل لجيش الاحتياط الصناعي. وهم نتاج السبب الذي ولد فائض السكان النسبي، وضرورتهم نشأت من ضرورة الأخير؛ فهم يشكلون، مثله، شرط وجود الانتاج الرأسمالي ونمو الثروة.

"وبالتالي يمكن فهم كل حماقة الحكمة الاقتصادية، التي تبشر العمال باستيعاب أعدادهم وفق حاجات رأس المال. إنها الآلية نفسها للانتاج والتراكم الرأسمالي التي تتكيف باستمرار مع هذا العدد من الاحتياجات. الكلمة الأولى لهذا التكيف، هي عبر خلق هذا الفائض النسبي أو جيش الاحتياط الصناعي؛ والكلمة الأخيرة، هي البؤس المتزايد لطبقات من الجيش الفاعل للعمل، الحمل الثقيل للعوز.

"إن القانون الذي يؤثر على نمو القوة الاجتماعية المنتجة للعمل يقلل تدريجيا من إنفاق قوة العمل، بسبب زيادة الكفاءة وتزايد استعمال وسائل الانتاج، هذا القانون، الذي يمكن الإنسان الاجتماعي من انتاج كميات أكبر بعمل أقل، يؤدي في ظل النظام الرأسمالي- حيث وسائل الانتاج ليست في خدمة العامل، ولكن العامل هو في خدمة وسائل الانتاج-، هذه النتيجة هي على العكس من ذلك: كلما اكتسبت وسائل الانتاج الموارد والقوة، كلما ازداد عدد العاطلين عن العمل، وكلما ازدادت هشاشة وضعهم وبالتالي شروط بقاء المأجورين وبيع قوة عملهم.

"تحليل انتاج فائض القيمة النسبي أثبت أن كل وسائل زيادة القوة المنتجة للعمل تتطور، في النظام الرأسمالي، على حساب العامل الفرد؛ وأن كل وسائل زيادة الانتاج تتحول إلى وسائل للاستعباد والاستغلال للمنتج؛ وهي تشوه العامل من خلال جعله رجلا مجزأ، وتدهور حاله لصالح جعله مجرد ملحق للآلة؛ وتجرد العمل من مضمونه، مسببة للعامل الألم؛ وتعزل العامل من القوى الفكرية للانتاج، العلم يصبح قوة غريبة ومعادية؛ وتجعل شروط العمل غير طبيعية أكثر فأكثر؛ وأن يخضع العامل، خلال العمل، لاستبداد خسيس وبغيض، وتمدد يوم العمل إلى حد لا يستطيع فيه العامل العثور على وقت للعيش؛ وتقذف بزوجته وأولاده تحت عجلات عربة جاغرنو (4) لإله رأس المال.

"راهب البندقية، ج. أورتيز، أحد أبرز الخبراء الاقتصاديين في القرن الثامن عشر، رأى العداء المتأصل في الانتاج الرأسمالي قانونا عاما طبيعيا ينظم الثروة الاجتماعية، فقد قال: "بدلا من تحقيق ما لا يلزم من الأنظمة من أجل إسعاد الشعب، سأنظر فقط في أسباب بؤسهم… في أمة، الخير والشر الاقتصاديان دائما يتوازنان؛ وفرة السلع عند البعض تتساوى دائما مع الحاجة إلى هذه السلع عند البعض الآخر. الثروة الكبيرة لعدد من الناس تترافق دائما مع حرمان الضرورة لعدد أكبر بكثير من الناس". ثروة الأمة، يضيف، تتطابق مع سكانها، وبؤسها يتطابق مع غناها. عمل البعض يولد الكسل عند الآخرين. الفقراء والخاملون هم ثمار ضرورية لوجود الأغنياء والكادحين.

"بعد 10 سنوات على أورتيز، مجد أحد رجال الدين البروتستانت، تاونسند، بوحشية الفقر باعتباره شرطا ضروريا للثروة: "سيكون هناك إلزام قانوني للعمل الذي يتطلب الكثير من التعب والعنف والضجة، في حين أن الجوع لا يسبب فقط ضغطا جليلا، وصامتا ومستمرا، إنما أيضا، كنتاج طبيعي للصناعة والعمل، فهو يخلق جهدا أقوى". لا يتعلق الأمر في جعل الجوع دائما في صفوف الطبقة العاملة، بحسب تاونسند، مبدأ السكان (5) النشط بشكل خاص بين الفقراء، هو المسؤول. "يبدو ذلك قانونا طبيعيا، أن يكون للفقراء دائما قدرا من التبصر، لدرجة أن يجد دائما كميات كافية لاتمام الوظائف الأكثر بغضا والأكثر حقارة في المجتمع. أساس السعادة البشرية يتزايد بذلك إلى حد كبير، يتم تحرير الأكثر حساسية من هذه الأعمال، ويمكنهم أن يعملوا في مهن ذات شأن… قوانين الفقراء (6) تميل إلى تدمير الانسجام والجمال، والتماثل والنظام في هذه المنظومة، التي أنشأها الله في هذا العالم".

"إذا كان راهب البندقية يجد في الحتمية الاقتصادية للبؤس منطقا للمحبة المسيحية والعزوبية والرهبنة… فإن القس الانكليزي يجد على العكس من ذلك ذريعة لإدانة إغاثة الفقراء.

"ستورش قال: "إن تقدم الثروة الاجتماعية يولد هذه الفئة الضرورية للمجتمع…، المكرسة لاتمام أكثر المهن مسببة للملل، وذات أدنى مستوى، وأكثر إثارة للاشمئزاز؛ التي تتولى، بعبارة واحدة، على عاتقها جميع ما يجعل من الحياة كريهة ومهينة، وتوفر بذلك لبقية الطبقات الترفيه وفرح الروح والكرامة". ثم وبعد أن تساءل عن ميزة الحضارة الرأسمالية، مع البؤس وحالة التردي المفروضة على الجماهير، المقدمة بوجه البربرية، لم يذكر سوى ميزة واحدة فقط: الأمن!

"أخيرا قال ديستو دو تراسي بكل بساطة: "الدول الفقيرة، هناك حيث الناس يعيشون بكل راحة وثراء، أما في الدول الغنية، هنا يكون الفقر أمرا اعتياديا". 

دعونا الآن نرى من خلال الوقائع، ما هي الآثار المترتبة لتراكم رأس المال. هنا، كما ورد أعلاه، كل الأمثلة من انكلترا، بلد تراكم رأس المال بامتياز، الذي (يجب أن نكرر، وألا ننسى) تسعى كل الدول الحديثة إلى الوصول إلى هذا النموذج. نحن نأسف إلى عدم تمكننا من كتابة سوى عدد قليل من المواد التي جمعها ماركس.

"عام 1863، أوصى مجلس الملكة الخاص بإجراء تحقيق، تحت إشراف ضابط طبيب، د. سيمون، حول محنة الذين يعانون من سوء تغذية ضمن صفوف الطبقة العاملة الانكليزية. تم الاتفاق على اتخاذ كقاعدة خلال هذا التحقيق، من كل فئة أصح وأفضل العائلات نسبيا. وكانت النتيجة التي توصلوا إليها هي التالية: بين عمال المدن الذين أجري التحقيق معهم، كان استهلاك الأزوت أعلى بقليل من الحد الأدنى المطلق الذي من دونه يمكن الإصابة بأمراض ناجمة عن الجوع؛ ضمن فئتين أخريين كان هناك عجز، وفي واحدة منهما كان هناك عجز شديد جدا في الأغذية الأزوتية والكربونية؛ وعند العمال الزراعيين، أكثر من خُمْسِهم ينال أقل من الحصة الضرورية من الأغذية الكربونية، وأكثر من ثلثهم ينال أقل من الحصة الضرورية من الحصة الأزوتية؛ وأخيرا في ثلاث مقاطعات (بيركشاير، أوكسفوردشاير، وسومرستشاير) لم يتحقق الحد الأدنى من الغذاء الأزوتي. من بين عمال الزراعة، الذين كانوا أكثر من عانوا من سوء التغذية كانوا من انكلترا، الجزء الأغنى في المملكة المتحدة. ضمن السكان الزراعيين، سُجِل نقصٌ في التغذية وخاصة بين النساء والأطفال لأنه "من الضروري أن يأكل الرجل، حتى يتمكن من القيام بواجبه". النقض بالغذاء الأكثر شدة كان يسبب أضرارا كبيرة من بين فئات العمال المُدنيين: "كانوا يعانون من سوء تغذية، بحيث أن حالات الحرمان القاسي والمدمر للصحة يجب أن تكون بالضرورة عديدة".

"في تقريره العام، يقول الدكتور سيمون: "كل من يعالج المرضى الفقراء أو المستشفيات يمكنهم أن يشهدوا على وجود أمراض ناجمة عن نقص بالتغذية أو الأخيرة تولد وتفاقم أمراضا عديدة… من الناحية الصحية، تضاف ظروف حاسمة أخرى هنا… يجب أن نذكر بأن كل نقص بالغذاء لا يمكن تحمله، وبشكل عام فإن الحمية الإجبارية لم تحصل إلا بعد أن تحققت أشكال مختلفة من الحرمان. قبل وقت طويل من وزن النقص الغذائي على الميزان الصحي، وقبل وقت طويل من تفحص كميات الأزوت والكربون حيث معدلاتها تؤرجح الإنسان بين الحياة والموت جوعا، كل أنواع الراحة المادية الأخرى قد اختفت بالفعل من المنزل. الثياب والتدفئة تقلصوا أكثر بكثير من الغذاء. لم يعد هناك من حماية كافية من البرد؛ تقصلت مساحة المساكن لدرجة أنها تسبب أمراضا أو تزيدها سوءا؛ بالكاد يمكن العثور على قطعة من الأثاث أو الأواني. النظافة باتت كذلك مكلفة جدا أو صعبة. إذا، وانطلاقا من العناية بالذات، لا زال ذلك بحاجة إلى المزيد من الجهود، وكل مجهود إضافي يفاقم من حالة الجوع. يسكنون في بيوت رخيصة الإيجار، وفي أحياء لا تدخلها الشرطة الصحية، وحيث المجاري مكشوفة، والكثير من النفايات في الشوارع، والقليل من المياه أو أنها ملوثة، كل ذلك في مدينة الأقل تهوئة والأقل إنارة. هذه هي المخاطر التي يتعرض لها الفقر بشكل حتمي، عندما يفرض الجوع نقصا بالتغذية. مجموع هذه المشاكل تزن وزنا مخيفا على الحياة، نقص الغذاء، لوحده، هو أمر لا يحتمل… هنا بالضبط تكمن الأفكار المقلقة، وخاصة إذا تذكرنا أن الفقر ليس فقرا مستحقا ناتجا عن الكسل. إنه فقر الناس الذين يعملون. وفيما يتعلق بعمال المدن، فإنهم يحصلون على مبالغ زهيدة لقاء تمديد دوام عملهم. ورغم ذلك لا يمكن القول بمعنى شديد النسبية بأن ذلك يسمح لهم بالعيش. عملهم ينقلهم، عبر دروب طويلة أو قصيرة، إلى العوز".

"أي مراقب محايد يرى أن مركزة وسائل الانتاج تتزايد، الأمر الذي يزيد من تجمعات السكنية للعمال في مساحات صغيرة: الأمر الذي يزيد من التراكم الرأسمالي، وتزيد في الوقت عينه الظروف المزرية لسكن العمال. الجميع يرى "زينة" المدن التي تترافق مع زيادة الثروة: تدمير الأحياء المبنية بشكل سيء، وبناء القصور للبنوك، والمستودعات…، وتوسيع الطرقات أمام حركة المرور التجارية والسيارات الفاخرة، ومد خطوط سكك الحديد…، ينتج عن كل ذلك طرد الفقراء في أحياء غير صحية ومكتظة أكثر من ذي قبل. لنذكر التعليق العام للدكتور سيمون: "أي تكن وجهة نظري الرسمية الظاهرية، أبسط الإنسانية ألا نغفل الجانب الآخر من الشر، الذي وصل إلى درجة، يفرض نفسه بمثل هذا النفي بعيدا عن أي حساسية، هذا الاختلاط السيء غير النظيف للجسد والوظائف الجسدية، هذا الاستعراض العاري، نجد فيهم توحشا بدلا من الإنسانية. الخضوع للتأثيرات، يزيد من حالة التردي أكثر فأكثر. بالنسبة إلى الأولاد الذين ولدوا في هذه البيئة الملعونة، إنها معمودية العار. هذه البيئة لا تسمح للأشخاص الذين يربون فيها بأي جو حضاري جوهره يقوم على النظافة المادية والمعنوية".

"البروليتاريا غير المستقرة تعمل في الحقول، لكن تبقى اهتماماتها على الأغلب صناعية. إنهم مشاة رأس المال، تم رميهم، بحسب الحاجة، وأحيانا في هذا المكان وأحيانا في أماكن أخرى. العمل غير المستقر يتم استعماله في مختلف أعمال البناء وصنع الطوب والصرف الصحي وفي أفران الكلس وفي مد خطوط السكك الحديدية…. يتعرضون لكوكبة من الأوبئة في المناطق التي يسكنون فيها مثل الجدري والتيفوئيد والكوليرا والحمى القرمزية… وفي المؤسسات التي تتطلب رؤوس أموال كبيرة، مثل بناء خطوط سكك الحديد… فإن المقاول يوفر لعماله أكواخا خشبية وغيرها، منازل مرتجلة، من دون أدنى اهتمام باحتياطات السلامة والصحة، وبعيدا عن رقابة السلطات المحلية، وذلك يشكل مصدر ربح كبير للسيد المقاول، الذي يستغل عماله بشكل مضاعف كجنود في صناعته وكمستأجرين. بحسب عدد شبابيك الكوخ يتم دفع الإيجار، شباك واحد شيلينغ، شباكان اثنان شيلينغان بالأسبوع.

"في أيلول عام 1864، قال الدكتور سيمون، الوقائع التالية جرى التنديد بها في وزارة الداخلية من قبل لجنة الشرطة الصحية لرعية سيفينواكس: الجدري ما زال موجودا، منذ العام الماضي، غير المعروف فيها. قبل ذلك بوقت قليل بدأت أعمال بناء سكة الحديد بين لويشام وتونبريدج. في المدينة الأخيرة، وتحديدا في محيطها، نفذت الأشغال الأكثر أهمية، وقد أقيم المستودع الرئيسي للشركة. ونظرا لاستحالة البقاء في البيوت المتاحة للعدد الكبير من العمال، بنى المقاول على طول الخط منازل دون تهوئة ودون أنابيب للصرف الصحي، وبالإضافة إلى ذلك، كانت شديدة الازدحام، حيث كان المستأجر يستقر فيها مع أسرته، الكثيرة العدد، التي كانت تتألف من غرفتين. وأفاد التقرير الصحي أن هؤلاء الفقراء، ولتجنب رائحة مياه رائحة المراحيض الكريهة الراكدة تحت نوافذهم، اضطروا إلى إغلاق نوافذهم بإحكام، وبالتالي التعرض كل الليل من الاختناق. أحد الأطباء، المسؤولين عن التحقيق، وصف في عبارات قاسية وضه المساكن المزعومة، وقال إنه ثمة عواقب مميتة ما لم تتخذ التدابير اللازمة للحفاظ على السلامة فورا. وكان المقاول قد التزم بإقامة منازل للأشخاص الذين يعانون من الأمراض المعدية، لكنه لم يفِ بوعوده، وعلى الرغم من التبليغ بوقوع العديد من الإصابات بالجدري في أكواخ شديدة البؤس. بقيت مستشفى الرعية مزدحمة بالمرضى لمدة شهر. في عائلة واحدة، مات خمسة أطفال بسبب الجدري والحمى. من 1 نيسان/ابريل إلى 1 أيلول/سبتمبر، سجل وفاة 10 حالات بسبب الجدري، من بينهم 4 في الأكواخ، معقل انتشار العدوى. وليس ممكنا الإشارة إلى العدد الدقيق لحالات المرض، لأن العائلات حيث كانت تنتشر فيها العدوى كانوا يبذلون كل ما في وسعهم لإخفائها".

دعونا الآن نلاحظ آثار الأزمات على الجزء الأعلى أجرا في الطبقة العاملة. هنا ما يقوله مراسل صحيفة "مورنينغ ستار" الذي زار في شهر كانون الثاني/يناير عام 1867، خلال الأزمة الصناعية، التجمعات السكنية التي تأثرت بشكل رئيسي:

"في الضاحية الشرقية لمدينة لندن، يسكن أكثر من 15 ألف عامل مع عائلاتهم، وسط فقر مدقع؛ من بين هؤلاء أكثر من 3000 ميكانيكي وعمال من النخبة… عانيت كثيرا قبل الوصول إلى باب منزل العمال في بوبلار، حيث يتجمع حشد جائع. كانوا ينتظرون خبزا جيدا ولكن وقت توزيعه لم يحن بعد. في الساحة المغمورة بالثلوج، يحتمي بضعة رجال تحت مظلة، كانوا منشغلين بتكسير الحجارة لرصفها على الطريق: كان على كل واحد منهم أن يكسر 5 بوشل (البوشل يساوي 36 ديسيمتر مكعب تقريبا)، ويقبضون 3 بنسات باليوم وخبزا جيدا. في جزء آخر من الساحة نرى كوخا صغيرا في حالة سيئة. عندما فتحنا الباب، وجدناه مزدحما بالرجال، ملتصقي الأكتاف، يتدفأون. يفكون خيوط كابلات السفن، ويضعون علامات شرف لمن يعمل أطول فترة ممكنة مع الحد الأدنى من الغذاء. في هذا المكان يتم توزيع مواد الإغاثة لـ 7 آلاف شخص، من بينهم الكثير ممن ربح، منذ ستة أو سبعة أشهر، أعلى الأجور التي يمكن الحصول عليها في هذا البلد. قد تضاعف عدد العمال، وإذا لم يتوفر عدد كاف من الناس الذين، بعد أن استعملوا كل مدخراتهم، يمانعون من الاستعانة بالرعية، طالما ما زال لديهم ما يرهنونه.

"خلال مغادرتي لهذا المكان، دخلت إلى بيت عامل في قطاع التعدين، وقد بات عاطلا عن العمل منذ 27 أسبوعا. وجدته جالسا مع عائلته في غرفة خلفية. لم تكن الغرفة خالية تماما من الأثاث، وكانت النار مشتعلة في الموقدة.

كانت النار ضرورية لمنع تجمد أقدام الأطفال الحافية، لأن الطقس كان باردا بشكل رهيب. كان يوجد على طبق أمام الموقدة كتلة من الصوف، كان على الوالدة والأولاد أن يغزلوها مقابل الخبز يتلقونه من منزل العمال. الوالد كان يعمل في الساحة المذكورة أعلاه، مقابل خبز جيد و3 بنسات باليوم. وكان قد وصل للتو لتناول طعام الغذاء، متمتعا بشراهة كبيرة، كما قال لنا حين ارتسمت على شفتيه ابتسامة مريرة، واقتصر طبقه على بضعة شرائح من الخبز مع شحم الخنزير وكوب من الشاي بدون حليب.

"الباب الثاني الذي قرعناه فتحته امرأة في أواسط عمرها التي، ومن دون أن تقول أي كلمة، قادتنا إلى غرفة صغيرة في الخلف حيث كانت كل العائلة جالسة، صامتة، عيونها متسمرة بالنار التي على وشك أن تنطفئ. تلك العائلة وغرفتهم الصغيرة مثلوا مشهد العزلة وفقدان الأمل الذي لا أتمنى أن أرى مثله مجددا. "لم يقبضوا شيئا، سيدي، قالت الوالدة وهي تدل إلى أولادها، لم يقبضوا شيئا، منذ 27 أسبوع، وكل أموالنا تبخرت، كل أموالي وأموال زوجي التي وضعناها جانبا خلال أوقاتنا الجيدة، لقد اعتقدنا أننا سنضمن الأمان في المستقبل. أنظر إلى حالنا اليوم!"، صرخت بلهجة تكاد تكون متوحشة، وفي الوقت عينه أشارت إلى دفتر البنك حيث سجلت كل المبالغ المودعة والمسحوبة، حيث رأيت بكل الوضوح تاريخ فتح الحساب مع إيداع 5 شيلينغ، ومن ثم تزايد المبلغ إلى أن وصل إلى 20 جنيه استرليني، ومن ثم انخفض تدريجيا، من الجنيه الاسترليني إلى الشينلينغ، ومن الشيلينغ إلى البنس، وصولا إلى آخر سحب الأمر الذي جعل من الدفتر مجرد ورقة دون قيمة. هذه العائلة تتلقى كل يوم طعاما قليلا للغداء من منزل العمال…

"في منزل آخر وجدت امرأة تعاني من جوع شديد، ممددة بكامل ملابسها على الحصيرة، وبالكاد تغطي جسمها بقطعة من السجاد. أولادها البائسون يعتنون بها، كانوا هم بحاجة إلى عطف الأمومة. وقد أخبرتني عن ماضيها، منتحبة كما لو أنها فقدت كل أمل بمستقبل أفضل… وقد استدعوني إلى منزل آخر، حيث وجدت امرأة شابة وطفلين جميلين: علبة من المساعدات وغرفة فارغة، كان هذا كل ما لديهم.

"من المألوف بين الرأسماليين الانكليز الإشارة إلى بلجيكا باعتباره جنة العمال، لأن حرية العمل لا تعيقها استبدادية النقابات العمالية، أو قوانين المصانع. السيد دوكبيتيو، المفتش العام للسجون والمؤسسات الخيرية البلجيكية، يعلمنا عن ذلك في كتابه الميزانية الاقتصادية للطبقات العاملة في بلجيكا (بروكسل، 1855). حيث نجد التشابه بين نظام عائلة عمالية بلجيكية وبين الجندي، بين بحار الدولة والسجين. كل موارد العائلة العمالية، المحسوبة بدقة تبلغ سنويا 1068 فرنك. هنا الميزانية السنوية للعائلة:

الوالد يعمل 300 يوم عمل، بأجر يومي 1،56 فرنك، يصبح المجموع 468

الأم تعمل 300 يوم عمل، بأجر يومي 0،89 فرنك = 267

الابن يعمل نفس المدة، بأجر يومي 0،56 فرنك = 168

الابنة تعمل نفس المدة، بأجر يومي 0،55 فرنك = 163

المجموع السنوي: 1066 فرنك.

"الإنفاق السنوي للعائلة وعجزها المالي يصلان إلى المبالغ الواردة أدناه، على افتراض أن العامل يحصل غذاء مماثل لذلك الذي يحصل عليه البحار والجندي والسجين:

الحالة الأولى (البحار): يبلغ الإنفاق: 1828 فرنك، ويبلغ العجز المالي: 760 فرنك

الحالة الثانية (الجندي): يبلغ الإنفاق: 1473 فرنك، والعجز المالي: 405 فرنك

الحالة الثالثة (السجين): يبلغ الإنفاق: 1112 فرنك، والعجز المالي: 44 فرنك.

"أجري تحقيق في انكلترا عام 1863، حول غذاء وعمل المحكومين بالنفي والمحكومين بالأشغال الشاقة. وأظهرت المقارنة بين المساجين الانكليز وبين الفقراء العاملين في منازل العمل والعمال الزراعيين أن الأوائل يحصلون على غذاء أفضل بكثير من الفئتين من الطبقة العاملة، وأن حجم العمل المطلوب من المحكوم بالأشغال الشاقة لا يكاد يبلغ نصف ذلك الذي ينفذه كمعدل العامل الزراعي.

"يشير، تقرير الصحة العامة صادر عام 1865، خلال زيارة جرت خلال انتشار وباء بين الفلاحين، إلى الحقيقة التالية: "تنام شابة مصابة بالحمى في نفس الغرفة مع والدها، وأمها، وابنها "غير الشرعي"، وأخوين لها، وأختيها وكل واحدة منهما مع طفلها "غير الشرعي"، فيبلغ المجموع 10 أشخاص. قبل بضعة أسابيع، سكن في نفس الغرفة 13 ولدا".

الحجم الصغير لهذا الكتاب/الملخص لا يسمح لنا بذكر العرض التفصيلي للحالة المزرية التي غرق فيها المزارعون في انكلترا. سنختتم هذا الفصل بالحديث عن آفة خاصة سببها تراكم رأس المال للعمال الزراعيين في انكلترا.

أدت زيادة عدد العمال الزراعيين إلى انخفاض الأجور، دون أن تتمكن هذه الفئة من السكان من تأمين كل احتياجاتها من رأس المال في ظل عمل عاجل واستثنائي تتطلبه الزراعة خلال أوقات معينة من السنة. ونتج عن ذلك الزام رأس المال لأعداد كبيرة من النساء والأطفال للقيام بمهام مؤقتة، بعد الانتهاء من هذه المهام يصبح هؤلاء جزءا من اليد العاملة الزراعية. وهذا ما أدى إلى نشوء نظام العصابات المتنقلة في انكلترا.

"العصابة تتألف من 10-40 وحتى 50 شخصا: من النساء والمراهقين/ات (الذكور منهم يتركون العصابة بمجرد بلوغهم سن 13 سنة)، والأولاد من الجنسين، من 6 سنوات إلى 13 سنة. زعيم العصابة هو عامل زراعي عادي، غالبا ما يكون ذي سمعة سيئة، معربدا، وسكيرا ولكن أيضا جريئا ومحتالا. هو الذي يجند عناصر العصابة، التي تعمل تحت أوامره. بالكاد يتجاوز ربح هذا الزعيم أجر العامل العادي، وذلك يعتمد على المهارة التي لديه، وفي أقل وقت ممكن، أن يستفيد أكثر ما يمكن من عمل عصابته. المزارعون يعلمون، من خلال التجربة، أن النساء لا يعملن جيدا إلا تحت سلطة الرجل الديكتاتورية، ولكن، من ناحية أخرى، عندما يبدأ النساء والأطفال بالعمل ويستمرون به بشغف حقيقي، كما لاحظ فورييه، في وقت يقوم العامل الذكر البالغ، والأكثر حكمة، بأقل عمل ممكن. زعيم العصابة ينتقل من مزرعة إلى أخرى، ويحتلها مع عصابته لمدة 6-8 أشهر في السنة. وهذا الأمر يوفر للعائلات العمالية زبونا مضمونا وأكثر ملاءمة من المزارع المعزولة، التي لا تشغل الأولاد إلا عرضا. هذا الواقع فرض تأثيره على القرى أكثر من بقية الأماكن حيث لا يمكن الحصول على الأولاد دون وسيط.

"مساوئ هذا النظام تكمن في الأعباء المفرطة المفروضة على الأطفال والفتيات، والمسافة التي تلزمهم للوصول إلى المزارع البعيدة تبلغ 5، 6 وأحيانا 7 ميل (8-11 كلم)، والمسافة عينها للعودة، فضلا عن الانهيار الأخلاقي داخل العصابة. على الرغم من أن زعيم العصابة يتسلح بعصا طويلة، ولكنه نادرا ما يستخدمها، والمعاملة الوحشية هي الاستثناء. هو امبراطور ديمقراطي، أو كـ"زعيم الفئران" بحسب الأسطورة الألمانية. هو يحتاج لأن يحظى بشعبية بين رعاياه، وهو يجذبهم بالجو البوهيمي السائد ضمن العصابة. من أبرز مميزات الأخيرة: اباحة غير منضبطة، وقلة تهذيب فرحة، فجور صفيق. عادة، يتم دفع الرواتب في حانة، حيث يرأس الجلسة زعيم العصابة يتوسط ثرثارين يجلسان إلى يمينه ويساره، ويقف خلفه الأولاد والفتيات المشاكسين، ويرددون من بعده الأغاني الفاحشة. وليس من غير المألوف أن نرى فتيات تتراوح أعمارهن بين 13-14 عاما أكثر من الفتيان من نفس العمر. القرى التي ترسل أبناءها إلى العصابات تصبح سدوم وعمورة، وتبلغ نسبة الولادات غير الشرعية أكثر من نصف تلك المسجلة في المملكة.

"العصابة، بالشكل التقليدي الذي وصفناه منذ قليل، تسمى عصابة عامة، ومشتركة أو متجولة. هناك أيضا العصابات الخاصة. هذه الأخيرة تتشكل كالعصابات العامة، ولكن عددها أقل بكثير، ولا تعمل بموجب أوامر رئيس عصابة، إنما لأوامر مزارع عجوز لا يجد صاحب المزرعة وظيفة أفضل له سوى تلك. هنا، لا تعيش العصابة الخاصة حياة بوهيمية، إنما وبحسب الأدلة التي تم جمعها، يقبض الأطفال أجورا منخفضة ويتعرضون لأسوأ معاملة.

"هذا النظام، وخلال السنوات القليلة الماضية، توسع باستمرار، لم ينشأ لتحقيق متعة زعيم العصابة. وقد أسس لإثراء كبار المزارعين وأصحاب الأملاك. صغار المزارعين لا يشغلون العصابات؛ التي لا تعمل في الأراضي الفقيرة. أحد مالكي الأرض الخائف من الإجراءات القمعية التي يمكن أن تسبب تخفيضا لربحه، أعلن بغضب أمام بعثة التحقيق: يكفي، يقول، أن يتم استبدال اسم العصابة باسم الجمعية التعاونية الصناعية-الزراعية لشباب الريف، ولن يعترض أحد. "يتميز عمل العصابات عن بقية الأعمال، ولهذا السبب يتم اعتماده"، بحسب زعيم عصابة سابق. "نظام العصابات أرخص بالنسبة للمزارعين، وبالتأكيد هو الأكثر ضررا على الأطفال"، قال أحد المزارعين. ومن المؤكد أنه لا يوجد طريقة أكثر براعة للمزارعين للحفاظ على عمالهم أقل بكثير من المستوى الطبيعي، وبوضعهم تحت إمرته، لتأدية أي عمل إضافي، يحتاج إلى عامل إضافي؛ حتى يتمكن من الحصول على أكبر قدر ممكن من العمل بأقل كلفة ممكنة، وحتى يبذل العمال الراشدون ما يزيد عن الحاجة. بحجة أن العمال الزراعيين سيختفون وينزحون إلى المدن، ومن جهة أخرى، سيفتقدهم العمل في الحقول بشكل دائم، يصبح نظام العصابات لا غنى عنه".

--

الهوامش:

(1) اقتبس هنا كافيرو فقرة من مقدمة النظام الأساسي للأممية، التي كتبها ماركس، وقد وردت بصيغة غير كاملة في النص الفرنسي، هنا ترجمتها عن الانكليزية: "إن الإخضاع الاقتصادي للعامل بواسطة محتكر وسائل العمل، هذا هو مصدر الحياة، يكمن في أسفل العبودية بجميع أشكالها…" [الملاحظة من جايمس غيللوم]

(2) كلمة المردود (تعني ما يقدمه رأس المال، وما ينتجه) تعبر عن اعتقاد خاطئ الذي يرى أن رأس المال منتج. [الملاحظة من جايمس غيللوم]

(3) قال ماركس حول الفائض النسبي من السكان العاملين: "قانون الانخفاض النسبي لرأس المال المتحرك والانخفاض المماثل في الطلب على اليد العاملة… له نتيجة انتاج فائض السكان النسبي. نسميه نسبيا، لأنه يأتي، ليس من نمو إيجابي ومطلق للسكان العاملين، إنما، ونسبة لاحتياجات رأس المال، جزء من السكان العاملين باتوا يشكلون فائضا، ولا طائل منهم، ويشكلون بالتالي فائضا نسبيا". [الملاحظة من جايمس غيللوم]

(4) عربة الآلهة الهندوس: جاغاناتا، فيشنو، بالابادرا التي تحملها الجماهير. [الملاحظة من المحرر]

(5) هذا ما يسمى بقانون مالتوس، الذي يعتبر أن السكان يتزايدون أسرع بكثير من نسبة تزايد كمية المواد. [الملاحظة من جايمس غيللوم]

(6) تهدف قوانين الفقراء إلى معالجة العوز عبر "ضريبة الفقراء" و"منازل العمل". [الملاحظة من جايمس غيللوم]