‫الفصل الثامن: الأجر‬

نشر في‫:‬الاربعاء, ايلول 7, 2016 - 08:17
Kazimir Malevich | Suprematist composition
الكاتب/ة: كارلو كافيرو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

الفصل الثامن من كتاب "ملخص رأس المال لكارل ماركس" للكاتب الإيطالي الأناركي كارلو كافيرو. كافيرو نشر الكتاب في حزيران عام 1879 باللغة الإيطالية، ومن ثم ترجمه إلى الفرنسية الكاتب جايمس غيللوم عام 1910. أبدى كارل ماركس، ضمن رسالة بريدية وجهها إلى كارلو كافيرو، إعجابه بالكتاب ورأى فيه أفضل ملخص شعبي لـ"رأس المال"، ومن ثم أعيد نشر الكتاب الصادر عام 2008 في دار نشر "الكلب الأحمر" (Le Chien Rouge)

--

أنصار النمط الرأسمالي للانتاج يدَعون أن الأجر هو لقاء العمل، وأن فائض القيمة هو نتاج رأس المال.

ولكن ما هو العمل؟

العمل، نجده لا يزال في العامل نفسه، أو خرج منه بالفعل؛ أي ما يعني أن العمل، هو القوة، أو القدرة على فعل شيء ما، أو أنه هو هذا الشيء نفسه، الذي جرى صنعه؛ في المحصلة، العمل هو قوة العمل أو السلعة. العامل لا يستطيع بيع العمل الذي خرج منه، أي الشيء الذي صنعه، السلعة، لأن الرأسمالي يملكها، وليس هو. وبالتالي فإنه حتى يتمكن العامل من بيع العمل الذي خرج منه، أي السلعة التي أنتجها، يجب أن يمتلك وسائل الانتاج والمواد الأولية، وبعد ذلك يصبح تاجرا للسلع التي أنتجها. لكنه لا يمتلك شيئا، إنه بروليتاري، ولكي يعيش، يحتاج إلى بيع للآخرين، الملكية الوحيدة المتبقية لديه، وهي قدرته على العمل، قوة عمله. الرأسمالي لا يمكن أن يشتري منه سوى قوة العمل.

قوة العمل هذه، مثل كل السلع الأخرى، لها قيمة استعمالية وقيمة تبادلية. الرأسمالي يدفع للعامل القيمة التبادلية، أو القيمة الفعلية للسلعة الذي يبيعها الأخير. ولكن، عبر هذا الدفع، يكون قد حصل أيضا على القيمة الاستعمالية للسلعة التي اشتراها. بيد أن للقيمة الاستعمالية لهذه السلعة الفريدة نوعية مزدوجة. الأولى مشتركة مع القيمة الاستعمالية لكل السلع، أي لتلبية حاجة ما؛ أما الثانية فهي خاصة بها، وتميز هذه السلعة عن بقية السلع، وتتجسد بكونها تخلق القيمة.

إذا، الأجر لا يمكن أن يمثل أي شيء سوى سعر، ليس العمل (عبارة مبهمة وغامضة)، إنما قوة العمل. فائض القيمة لا يمكن أن يكون نتاج رأس المال، لأن رأس المال هو مادة خامدة، الذي يجد نفسه في السلعة بنفس كمية القيمة التي دخل بها؛ إنه مادة خالية من الحياة، وهو لن يكون من دون قوة العمل. قوة العمل وحدها هي الوحيدة التي تنتج فائض القيمة. وهي التي تقدم لرأس المال بذرة الحياة الأولى. وهي التي تحافظ على حياة رأس المال. والأخير لا يفعل شيئا سوى المص، ومن ثم يشرب عبر كل المسام، وأخيرا يشفط بقوة فائض قيمة العمل.

الشكلان الرئيسيان للأجر هما: الأجر على أساس الوقت والأجر على أساس القطعة.

الأجر على أساس الوقت هو أن يُدفع لقاء وقت معين: ليوم، أو لأسبوع، أو لشهر… عمل. وهو ليس إلا تحويلا لقيمة قوة العمل. فبدلا من أن نقول إن العامل قد باع قوة عمله لقاء 3 فرنك باليوم، نقول أن العامل يعمل لقاء أجر 3 فرنك باليوم.

أجر 3 فرنك باليوم هو إذا ثمن قوة العمل ليوم واحد. ولكن هذا اليوم يمكن أن تختلف مدة طوله. فإذا كان يوم العمل يتألف من 10 ساعات عمل، على سبيل المثال، قوة العمل تكون قيمتها 30 سنتيم بالساعة، في حين إذا تألف يوم العمل من 12 ساعة عمل، فإن قوة العمل تكون بقيمة 25 سنتيم بالساعة. إذاً، الرأسمالي، ومن خلال زيادة يوم العمل، يقلل من قيمة المبلغ الذي يدفعه للعامل لقاء قوة عمله. الرأسمالي يمكنه أن يزيد الأجر، من خلال الاستمرار بالدفع للعامل، لقاء قوة عمله، السعر السابق نفسه، أو حتى عبر سعر أقل حتى. فإذا زاد الرأسمالي أجر العامل من 3 فرنك إلى 3،6 فرنك، وفي الوقت عينه زاد يوم العمل، الذي كان 10 ساعات عمل، إلى 12 ساعة عمل، فإنه يستمر في الدفع للعامل 30 سنتيم بالساعة لقاء قوة عمله. وإذا زاد الرأسمالي الأجر من 3 فرنك إلى 3،6 فرنك، ومدد يوم العمل من 10 ساعات إلى 15 ساعة، فإنه يدفع للعامل لقاء قوة عمله أقل من قبل، أي 24 سنتيم بالساعة عوضا عن 30. الرأسمالي يحصل على نفس الأثر عندما، وبدلا من زيادة من مدة يوم العمل، يزيد من كثافته، كما رأينا من قبل عندما قام بذلك بواسطة الآلات. باختصار، الرأسمالي، بزيادة العمل، ينجح بخداع العامل بكل أمانة: ويمكنه أن يقوم بذلك بكل السخاء، من خلال زيادة الأجر اليومي.

عندما يدفع الرأسمالي بالساعة للعامل، فإنه يجد أيضا وسيلة لإلحاق الأذى به، من خلال زيادة أو خفض العمل، ولكن عبر دفع بكل أمانة نفس سعر ساعة العمل. لنفترض أن أجر ساعة العمل يبلغ 25 سنتيم. إذا شغل الرأسمالي العامل لمدة 8 ساعات، بدلا من 12 ساعة، فإنه سيدفع له فرنكين بدلا من 3 فرنكات؛ أي أنه خسر فرنكا، أي ثلث ما هو ضروري للعامل لتلبية احتياجاته اليومية. إذا حصل العكس حيث شغل الرأسمالي العامل لمدة 14 أو 16 ساعة، فإنه سيدفع له 3،5 فرنك أو 4 فرنك بدلا من 3 فرنك، فإنه يأخذ من العامل ساعتين أو 4 ساعات بقيمة أقل مما تستحق. في الواقع، بعد 12 ساعة عمل تتراجع قوى العامل، وساعتا أو 4 ساعات عمل ينبغي أن تدفع بمعدل أعلى من الـ 12 ساعة الماضية. الشكوى المقدمة من العمال، قَبِل بها العديد من المصانع، حيث ساعة العمل الإضافية تدفع بسعر أعلى. كلما كان سعر قوة العمل، ضمن الأجر على أساس الوقت، قليلا، كلما كانت مدة العمل طويلة. ومن الواضح أنه يجب أن يكون كذلك. إذا كان الأجر 25 سنتيم بالساعة بدلا من 30، فإن العامل بحاجة إلى يوم عمل من 12 ساعة، بدلا من 10 ساعات، وذلك للحصول على الـ 3 فرنك التي تتطلبها احتياجاته اليومية. إذا كان الأجر 2 فرنك باليوم، فإن العامل يحتاج إلى ثلاثة أيام، بدلا من يومين، لشراء ما هو ضروري ليومين فقط. هنا تخفيض الأجر يزيد العمل؛ ولكن قد يحدث أيضا أن زيادة العمل قد تؤدي إلى انخفاض بالأجر. بعد دخول الآلة إلى الصناعة، على سبيل المثال، حصل أن تمكن العامل من انتاج ضعف ما كان ينتجه في السابق؛ ثم قلل الرأسمالي من عدد العمال؛ وكنتيجة لذلك زاد عرض قوة العمل، مما أدى إلى انخفاض الأجور.

الأجر على أساس القطعة ليس سوى تحويلا للأجر على أساس الوقت، كما أظهرنا في السابق واقع أن نوعي الأجور يتم استخدامهما على قدم المساواة، ليس فقط ضمن صناعات مختلفة، إنما أيضا في بعض الأحيان في نفس الصناعة.

يعمل عامل لمدة 12 ساعة عمل مقابل راتب من 3 فرنك وينتج ما قيمته 6 فرنك. لا يهم القول أن العامل ينتج في أول ست ساعات من عمله الـ 3 فرنكات التي تشكل أجره، وفي الساعات الست المتبقية ينتج الـ 3 فرنكات التي تشكل فائض القيمة؛ بالتالي، يمكننا القول أيضا أن العامل ينتج في أول نصف ساعة 25 سنتيم التي تمثل 1/12 من أجره، وفي كل ثاني نصف ساعة، ينتج 25 سنتيم تمثل 1/12 من فائض القيمة. وبالمثل، إذا أنتج العامل، خلال 12 ساعة عمل، 24 قطعة من سلعة معينة، فإنه ينال 12،5 سنتيم بالقطعة، أي 3 فرنك بالمجمل، وهذا بالضبط كما لو أن العامل أنتج 12 قطعة لانتاج 3 فرنك من أجره، وأنتج 12 قطعة أخرى لانتاج 3 فرنك قيمة فائض القيمة؛ أو حتى ينتج العامل في كل ساعة عمل، قطعة لصالح أجره، وقطعة لصالح صاحب العمل.

"ضمن العمل بالقطعة، يتم التحكم بنوعية العمل من خلال العمل نفسه، الذي يجب أن يكون متوسط الجودة حتى يدفع ثمن القطعة بالسعر المتفق عليه. وفق هذه المعادلة، يصبح الأجر على أساس القطعة مصدرا لا ينضب من الذرائع لتخفيض أجر العامل. كما يوفر في نفس الوقت للرأسمالي مقياسا محددا لكثافة العمل. وقت العمل يندمج بكمية السلع المحددة سلفا، ومجربا بشكل محدد، يعتبر كوقت العمل الضروري اجتماعيا، وهو وحده ما يدفع ثمنه. في مصانع الخياطة الكبيرة في لندن، قطعة معينة، سترة على سبيل المثال، تسمى ساعة، نصف ساعة…، الساعة تحتسب بقيمة 6 بنسات. التجربة هي التي أعطت معدل الانتاج في الساعة. وإذا تعلق الأمر بمنتج جديد أو تعديلات عليه…، فإن نقاشاً سيولد بين صاحب العمل والعامل لمعرفة كم تحتاج هذه القطعة أو تلك لوقت…، إلى أن تعلن عن ذلك التجربة. الأمر عينه يحصل عند صانعي المفروشات… إذا لم يتمكن العامل متوسط القدرة من تسليم في يوم عمل واحد الحد الأدنى من العمل، فيتم طرده.

"مراقبة نوعية وكثافة العمل لو تمت كما يحصل مع الأجور، فإن جزءا كبيرا من عمل المراقبة سيكون لا لزوم له. هذا النموذج يمثل أساس العمل الحديث في المنزل، ويشكل نموذجا من تنظيم هرمي للاستغلال والاضطهاد. من جهة، العمل بالقطعة، يسمح بتدخل الطفيليين بين الرأسمالي والعامل، أو المقاول من الباطن. ربح الأخير، من مقاولته، يأتي فقط من الفرق بين السعر المدفوع من الرأسمالي لقاء العمل المنجز، والجزء من هذا المبلغ الذي يكون المقاول من الباطن مستعدا للتخلي عنه للعامل. هذا النظام يسمى في انكلترا نظام التعرق (أي نظام يسبب التعرق للعامل). من جهة أخرى، الأجر على أساس القطعة يسمح للرأسمالي بتمرير عقد، لدفع الكثير بالقطعة، للعامل الرئيسي،- في المعمل: رئيس مجموعة العمال، في المنجم: العامل الذي يدير عملية استخراج الفحم، في المصنع: مشغل الآلة،- هذا العامل الرئيسي يتولى عملية توظيف العمال ودفع الأجور لمساعديه. استغلال رأس المال يتحقق هنا من خلال استغلال العامل للعامل نفسه.

"بمجرد إقامة العمل بالقطعة، تدفع المصلحة الشخصية، بطبيعة الحال، العامل لتكثيف بأقدر جهد ممكن عمله، مما يسهل للرأسمالي برفع الدرجة العادية للكثافة. وعلى الرغم من هذه النتيجة التي تنتج نفسها، عادة ما يتم استخدام وسائل اصطناعية لضمانها بشكل أفضل. في لندن، على سبيل المثال، عند الميكانيكيين، يخبرنا أمين سر إحدى النقابات، دونينغ، إنها مسألة معتادة، من جهة الرأسمالي، "اختيار متزعم لعدد من العمال يتميز ببنية بدنية قوية وبمهارة أعلى من المعدل. ويدفع له كل فصل أجرا إضافيا بشرط أن يقوم بكل ما هو ممكن لإثارة التنافس بين العمال الموضوعين تحت أوامره، الذين لا يحصلون إلا على أجور عادية". العامل المهتم أيضا بزيادة يوم العمل، لأنها وسيلة لزيادة أجره اليومي أو الأسبوعي. فيتبع كردة فعل مماثلة لتلك التي جرى وصفها في حالة الأجر على أساس الوقت، دون أن يحتسب أن تمديد يوم العمل، حتى لو كان الأجر على أساس القطعة بقي ثابتا، يعني في حد ذاته انخفاضا في سعر العمل.

"الأجر على أساس القطعة هو الداعم الرئيسي لنظام يؤاجر العمل على أساس الساعة، بدلا من توظيف العامل على أساس يومي أو أسبوعي.

"في المؤسسات الخاضعة لقوانين المصانع (1)، الأجر على أساس القطعة يصبح القاعدة العامة، لأن رأس المال لا يجد وسيلة لزيادة حجم العمل اليومي إلا عبر تكثيفه".

زيادة الانتاج يتبعها تخفيضا نسبيا للراتب. عندما ينتج العامل 12 قطعة خلال 12 ساعة، الرأسمالي يدفع، على سبيل المثال، أجرا بمقدار 25 سنتيم بالقطعة. إذا تضاعف الانتاج، وأصبح العامل ينتج 24 قطعة بدلا من 12، هنا يخفض الرأسمالي الأجر بمقدار النصف. ولا يدفع له أكثر من 12،5 سنتيم بالقطعة.

"هذا التغيير في الأجر، على الرغم من كونه اسمي، يؤدي إلى صراعات مستمرة بين الرأسمالي والعامل: إما لأن الرأسمالي يتخذ ذلك ذريعة لتخفيض حقيقي لسعر العمل، أو بسبب زيادة انتاجية العمل المترافقة مع زيادة في كثافة الأخير، أو أيضا لأن العامل، الذي أخذ على محمل الجد مظهر، الذي سببه الأجر على أساس القطعة، أنه قد نال أجره مما أنتجه وليس من قوة عمله، فيثور ضد تخفيض أجره الذي لم يترافق مع تخفيض مماثل في سعر السلعة. الرأسمال يدفع جانبا وعن حق مثل هذه الحجج، التي تبدو مملية من فهم خاطىء لطبيعة العمل المأجور، ويعلن بكل فظاظة أن انتاجية العمل لا تخص العامل".

الهوامش:

(1) قانون انكليزي يحدد مدة يوم العمل بعدد من الساعات المحددة. [ملاحظة كارلو كافيرو].