مسألة "الفرد – التنظيم"

نشر في‫:‬الأثنين, ايلول 5, 2016 - 11:13
تصوير بات سي
الكاتب/ة: هاني عضاضة.

كان من المفترض لمقالتي "تجربة تحالف "الشعب يريد"... وآفاق التقدم" أن تكون جزءاً من النشرة الورقية للمنشور، في شهر أيار الماضي، ولهذا السبب كانت مقتضبةً جداً، مكونةً من 700 كلمة فقط. وبالتالي لم أستطع توضيح عدة نقاط كما يجب، فلم يكن هناك من متسع كافٍ ضمن النشرة الورقية.

لدي عتبٌ على هيئة المنشور، أولاً بسبب عدم مراسلتي قبل نشر المقالة على الموقع الالكتروني، بعد أشهر عدة من كتابتها، لكي أعيد التدقيق فيها، أو تعديلها والإضافة إليها. ففي الموقع الالكتروني متسعٌ كافٍ من المساحة لكي أعبّر عن كل نقطةٍ من النقاط دون اختصارٍ يشكّل التباساً لدى الأصدقاء والرفاق، فقد تم تأويل وتفسير عدة نقاطٍ بعدةِ اتجاهات كما بدا واضحاً. وثانياً بسبب تعديل مقالتي المذكورة إرضاءً للغاضبين والغاضبات، وهو أمرٌ غير صحّي، ولا يرضي أحداً، برأيي المتواضع، بل يضيف إلى السوء سوءاً، إن وُجِد. فالنقد، أو الكلام بشكلٍ عام، يجب أن يقابله نقدٌ أو نقدٌ مضاد، لا تعديلات. في سياق هذا الكلام، أريد أن أشكر الرفيقين إياد ريا ونبيل عبدو على ردّيهما في مقالتين لاحقتين على الموقع نفسه. وأريد أيضاً أن أشكر كل من وجّه لي كل أشكال النقد، كما "السخرية" وما إلى ذلك (...) على الفيسبوك.

سأوضحُ نقطةً معينة ثم أنتقل إلى مسألة "الفرد – التنظيم".

فيما يخص الخبرة في العمل السياسي، لم أقصد من كلامي الإساءة إلى أحد، ولم أميّز في سياق كلامي بين عضوٍ في تنظيمٍ سياسيٍ وبين فرد، أو بين فردٍ وآخر انطلاقاً من العمر أو الجندر أو المستوى التعليمي أو ما شابه... لقد تكلّمتُ بوضوحٍ عن الجميع، وأنا من ضمنهم، ولم أحدِّد. أما كلمة "النموذج التحالفي الشاب"، فهي تشير إلى عمر التحالف، أو التجربة، وليس إلى عمر الأفراد. فنحنُ نفتقرُ إلى الخبرات السياسية والتنظيمية بشكلٍ عام. نحنُ، ناشطو وناشطات حراك الصيف الماضي، كنا في حقلِ اختبارٍ نتعرّف فيه على ظروف ووضعيات ومصاعب جديدة لم نختبرها من قبل، فتعاملنا معها بارتباك. 

في مسألة "الفرد – التنظيم". إن عدداً من الأفراد كانوا أكثر التزاماً من تنظيماتٍ لم تستطع تأمين ممثلين لحضور كل الاجتماعات الدورية أو غير الدورية. لقد كانوا أكثر حماسةً، وكانت روح المبادرة لديهم مثيرة للدهشة. ولكن الصورة الأكبر أكثر مرارةً. فالتجارب الفردية تغلب عليها بالمجمل الأهواء الخاصة، حتى ولو اجتمعت تلك التجارب في مجموعة، أو حملة، فهي تبقى مؤقتة الوجود، زمن وجودها مرتبطٌ بزمن وجود المجموعة أو الحملة، وهذا في أفضل الحالات، أي في حالة الالتزام التام للفرد الذي يشعر بالانتماء للعمل الجماعي والهدف الجماعي، حتى في حالة المجموعات والحملات. بينما الواقع أشار، في العامين 2011 و2015، إلى تغلّب الانتماءات الفردية، والطموحات المنفصلة، على عمل المجموعات والحملات. لا مكان للأداء المنتظم وللتطور المستمر في ظل هيمنة مزاجية كل فرد على أولوية تحقيق هدفٍ موحّد طويل الأمد.

إن سلم الأولويات لدى الأفراد يختلف كثيراً بين فردٍ وآخر، بينما القوّى المنظّمة تستطيع توفير الحد الأدنى من أدوات مواجهة القوى المنظمة للطبقة الحاكمة، لأن التنظيم يتخطّى مسبقاً، ولدرجةٍ معينة – غير مكتملة طبعاً، معضلة التضارب بين أولويات الأفراد وأهوائهم الخاصة، وهذا ضمن عمله الروتيني، اليومي، الذي لا ينقطع. لا يمكن إلغاء هامش الحريات الشخصية والخيارات الشخصية، ولا يمكن التحكّم بمزاجية كل فردٍ من أفراد تنظيمٍ ما، تلك فاشيةٌ يجب تجنّبها حتماً. ولكن الأولوية في التنظيم، وهو مجموع الأفراد المنتظمين فيه، هي تحقيق الأهداف التي وجِدَ من أجلها، بعد تخطّي العقبات الأولية، بينما أولويات الأفراد غير المنتظمين فهي متقّلبة لا يحكمها اتفاقٌ ولا توافق. إنه البدء من الصفر في ظروفٍ تتطلّب جهوزيةً وقدرات غير اعتيادية. دون تنظيمٍ، لا يمكن التقدّم خطوةً واحدة دون أن يقابلها التراجع عدة خطوات. فالتنظيم يعني الالتزام بتحقيق الأهداف، حتى ولو كان الفرد في حالة تراجعٍ في نشاطيته لأسبابٍ خارجة عن سيطرته، أي لأسباب صحية أو حياتية أو عائلية، ولكن الهدف، بالنسبة لهذا الفرد المنتظم، لا يتبخّر فجأة، والنضال من أجل تحقيقه لا يتوقّف، وفي أصعب الأحوال يتباطأ، في حين أن التراجع الذي قد يصيب نشاطية ومردود هذا الفرد قد يسهل تعويضه ضمن التنظيم.

مرات عديدة فشلنا في التصويت على قرارات بسبب تغيّب العديدين بعد تأكيدهم المسبق للحضور، أو حتى تصويتهم على موعد الاجتماع وبرنامجه. ولكن أين كان أولئك؟ أية أعذارٍ كانت تبرّر غيابهم؟ هل هو العمل من أجل تأمين لقمة العيش؟ أم هي حالات وفاةٍ أو مشاكل لا يمكن تجاهلها؟ أم سهرة في مكان ما؟ أم تكاسلٌ دون عذرٍ سوى "الإحباط" و"التململ"؟ لا ألوم أحداً هنا، ولا أشير إلى أحد، بل أميّز بين التنظيم بشكلٍ عام، كما يجب أن يكون، وليس كما هو الآن، في لبنان، وبين المجموعة أو الحملة مؤقتة الوجود، وهي الأنماط "المودرن" التي تستهوي الطلاب بشكلٍ أساسي. ولكن ما مدى فعاليتها؟

أبسط الأمثلة: في حالة المجموعة أو الحملة، ما هي آليات التعامل مع التغيّب المستمرّ، بعد الموافقة المستمرّة على حضور اجتماعات تم تحديدها مسبقاً؟

إن الإحباط هو نتيجة عدم الانتظام بشكلٍ واضح، لدرجة التغيّب والتراجع في أكثر الأوقات حرجاً دون تبليغ. والبدء بخوض تجربةٍ نضالية لتغيير واقعٍ مرير يحطَّم آمال معظم الناس، ويدفعهم إلى الهجرة أو عيش حياةٍ ليست كالحياة، أو حتى الانتحار، يعني الالتزام بها بشكلٍ مستمر، ومقبول، أو التخلي عنها بالكامل. وفي حالة الاحتجاجات والمظاهرات، وتحرّك الشارع من تلقاء نفسه، فإن أقصى درجات الالتزام مطلوبة، وإلّا فإن الفشل حتمي. والفشل يجب الاعتراف به، قبل نقد التجربة وتقييمها سلباً أم إيجاباً. وعدم الاعتراف بالفشل فشلٌ أعظم.

هل تؤمّن تجربة الأفراد المؤقتة، والعابرة، والعفوية نتاج ظروفٍ مثيرة للحماس، هذا الالتزام؟ بل هل أمّنت تلك التجربة، في "الشعب يريد"، الحد الأدنى من الالتزام؟ نعم، كان هناك التزام لدى عدد من الأفراد. ولكن لدى الأقلّية، بينما الأغلبية كانت متردّدة، تفقد اهتمامها يوماً بعد يوم. كانت الديناميات الفردية تحكم تعامل كل فردٍ مع الآخر ضمن المجموعة ذاتها. فكم مرة انسحب عدد من الأفراد نتيجة "خلاف" مع شخص أو أكثر، وكم مرة فضّل البعض التغيّب وعدم الالتزام بمواعيد الاجتماعات، التي سبق وأكدوا حضورها، دون أعذار، ودون حتى تبليغ... ما كان يسبّب بغضب من حضر، وبالتالي يوسّع دائرة المتغيّبين في الاجتماع الذي يليه؟ نعم، كانت هناك إشكالات فيما يخصّ اللجان، وبالأخص اللجنة السياسية، وتفرّدها في بعض المجالات، ولكن في حالة التنظيم يتم معالجة الخلل، بعد النقاش والنقد والتفاعل، بينما في حالة هيمنة فردانية الأفراد، كما في المجموعات والحملات، يكون الابتعاد هو "العلاج". حصل هذا في كل الحملات.

باختصار، لقد فشلنا. لقد فشلت، شخصياً. وقد فشلت التجربة، جماعياً. لقد فشلنا جميعاً، في "الشعب يريد"، وفي "طلعت ريحتكم"، وفي "بدنا نحاسب"، وفي "جايي التغيير"، وفي "شباب 22 آب"، وفي كل المجموعات والحملات، لأننا لم نستطع التقدّم بشكلٍ مستمرٍ بوجه السلطة، ولم نتمكن من اكتساب ثقة الشارع بالقدر المطلوب. لقد تعرّضنا للضربة تلو الأخرى حتى سقطنا، المجموعة تلو الأخرى، والحملة تلو الأخرى. سقطنا بالمعنى السياسي والتنظيمي للكلمة، فيما استمرت بعض المجموعات والحملات بالنشاط الفولكلوري الذي عوّدنا عليه اليسار المهيمن في لبنان منذ نهايات القرن الماضي، متجاهلين انحسار الحركة بشكلٍ عام. والتقدّم السياسي بوجه السلطة هو المعيار الوحيد، برأيي، لقياس مستوى الفشل أو النجاح. كل شيء آخر، أضعه شخصياً في خانة الرومانسية السياسية. لقد تأخرنا كثيراً في النقد.

للتجارب المماثلة تداعياتٌ على الأفراد أنفسهم، على وعيهم، شخصياتهم، طرق تفكيرهم وسلوكهم، ولكن ما هي تداعياتها على الواقع المعاش؟ وهل تلك التداعيات مستمرة؟ ما هو رصيدُ هذا النوع من التجارب، وكيف يُصرَف على أرض الواقع اليوم بعد مرور عامٍ على الاحتجاجات الشعبية؟

أنا لا أرفض هذه التجربة، فقد كانت أمراً واقعاً في تلك الفترة بالذات، وقد كنا جميعاً جزءاً منها، فلم يكن هناك من بديل منطقي. وقد مرّت كل المجموعات والحملات فيها، لأسباب مختلفة، ولكن النتيجة كانت واحدة: الفشل. العديد من المجموعات والحملات كانت مكوّنة من أفراد دون تنظيمات، كحملة "طلعت ريحتكم"، ولم تحظَ تلك الحملات بثقةٍ وقبولٍ واسعين لدى الناس، بسبب الآفاق الضيّقة والطروحات المحدودة والأداء المتقلّب: بين السلمية والاشتباك، بين التفرّد والتنسيق، بين الضبابية والوضوح، بين المطالب الجزئية والبرامج... الخ. بينما مجموعات وحملات أخرى كانت مكوّنة من أفراد وتنظيمات، من المنتدى الاشتراكي والحزب الشيوعي اللبناني واتحاد الشباب الديمقراطي اللبناني إلى حركة الشعب وحزب البعث العراقي... واللائحة تطول. كل التنظيمات السياسية مرّت بتجربة المجموعات والحملات، التي شابتها علاقةٌ ضبابية هي علاقة "الفرد – التنظيم". صوتُ الفرد مقابل صوتِ التنظيم. ووجود الفردِ مقابل وجود التنظيم. وأهداف الفردِ مقابل أهداف التنظيم. وتقلّبُ مزاجِ الفردِ مقابل التزام التنظيم أو غياب التنظيم.

أنا لا أرفض هذه التجربة، ولم أكن أرفضها في البدء، فمن أنا لأتحكّم بالزمن، أو الظروف، أو الخيارات؟ لقد اخترتُ هذه التجربة كما اختارها الغير. أنا لا أرفضها، ولكني أرفض تكرارها بشدة، وأدعو إلى نقدها بقسوة، كي لا تتكرّر مرةً ثالثة بعدما تكرّرت مرّتين، مرةً في شتاء عام 2011 ومرةً أخرى في صيف عام 2015. 

لا تدلّ هذه التجارب، الحملاتية، إلا على ضعف التنظيمات السياسية وعدم قدرة طروحاتها على جذب الناس. ولذلك فإن التنظيمات، ومن ضمنها المنتدى الاشتراكي، الذي أنتمي إليه، بادرت إلى أو شاركت في إطلاق حملاتٍ منفصلة عن كياناتها التنظيمية، تفعل فيها كامتداداتٍ شبه سياسيةٍ لها، تعيد فيها تكوين أطرٍ جديدة من الصفر، وطروحات جديدة من الصفر، ضمن ديناميات أكثر تعقيداً مما يجب لتوفير قدرةٍ على الانطلاق في المواجهة السياسية الفعلية. ذلك إن كان يعني شيئاً، فإنه يعني بأن الأطر الموجودة مصابةٌ بنوعٍ من الشلل، والطروحات الموجودة غير قادرة على التأثير وعلى جذب الناس إليها. 

إن النقد الذي أحاول توجيهه لثنائية "الفرد – التنظيم" ليس نقداً للأفراد كأشخاص، بل هو نقدٌ للحالة برمتها. إنها حالةٌ غير سليمة. ولا يجب تكرارها بعد اليوم حتى ولو كانت السبيل الوحيد إلى "الانتظام" في ظروفٍ حرجة مجدداً. أنا لا أملك الحلول السحرية ولا أملك الوصفات الجاهزة، ولكنني أملك التجربة الفاشلة. لا يجب أن ندع الحماسة تكون سبباً في ضياع المزيد من فرص المواجهة. أحياناً من المفضّل عدم المواجهة على المواجهة دون عدّة. إن نقدي في هذا المجال هو دعوةٌ إلى التفكير، وإلى ابتداع سبلٍ أكثر فعالية، من ضمنها تطوير التنظيمات السياسية والانتظام فيها، أو خلق التنظيمات الفاعلة إذا ما ارتأى الأفراد الفاعلون في الحملات والمجموعات أنهم باستطاعتهم تكوين أطر أكثر فعالية، تملك إمكانات التطور. بينما ثنائية "الفرد – التنظيم"، هي حالة لا تملك الكثير من فرص التطوّر، ولكنها تتكرّر باستمرار. وأتمنى أن نكون قد تعلّمنا من التكرار، لا أكثر!