ليسقط المقاولون الجدد

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 31, 2016 - 09:16
بيجيكي يوم ومننسى ليش اخترعوكي | أمجد وردة | الفن والحرية

الكاتبة: والدة أحد الشباب الذين أرسلهم حزب الله إلى سوريا

وكأنه لا يكفينا أن يشارك حزب الله السلطة اللبنانية بتآمرها على حقوق الناس بأجور عادلة والاستشفاء والمياه والكهرباء والتعليم الجيد. لا يكفينا مشاركته الفعّالة في صفقات الفساد في كل شؤون حياتنا اليومية، من إدارة النفايات وصولاً لمشاريع السدود الفاشلة واستخراج النفط. ولا يكفينا، بتاتاً، القضاء الممنهج على الحياة العامة بكل مفاصلها في القرى لصالح التقوقع والتطرف الديني والمذهبي وقمع الحريات واضطهاد النساء. 

حتماً لا ينتهي مسلسل الانتهاكات هنا، فسجلّ الحزب حافلٌ بمصادرة قرار الناس عبر انتخابات المحادل؛ يذهب الحزب أبعد من مصادرة قرار الناس والحياة العامة والحريات الفردية، إلى مصادرة الأماكن العامة من وديان وجبال وسهول تحت ذرائع العسكرة المستمرة. لا ينفكّ هذا الحزب عن مخاطبتنا كل يومٍ بأننا أشرف الناس وأننا ندهش العالم، لكنه في الوقت نفسه لا يتوانى عن المشاركة بقمعنا في شتى الاحتجاجات، وصولاً لاتهامنا بالاندساس، وبأننا طابورٌ خامس مدفوع من السفارات إذا ما دافعنا عن لقمة عيشنا ضد إجراءات السلطة كما حصل في حي السلم ومار مخايل والرمل العالي. لا يخجل هذا الحزب، الذي ما برح يدعي التقوى والإيمان، من غض النظر عن مصنعي ومستوردي الكابتاغون.

كأّنه لا يكفي أي من ذلك، فقد بلغ الظلم، كما الوقاحة، مبلغاً في أن يقوم هذا الحزب المعادي بامتياز للناس ومصالحها، بإرسال شبابنا وأهلنا وأقاربنا وأحبائنا، الذين لم يطمحوا يوماً سوى بحياةٍ أفضل، إلى الحرب في سوريا؛ سراً كما المرتزقة في البداية، ثم علناً تحت ذريعة الدفاع المقدس، ولاحقاً على طريقة جورج بوش في الحروب الاستباقية (أصلاً إذا نحن ما رحنا، هني رح يجوا). ويسخّر حزب الله في هذه الحرب آلاف الشباب المعطلين عن العمل ليلبسوا الجعب ويحملوا البنادق ويجلسوا في الخنادق في وجه أبناء الطبقة ذاتها من المعطلين عن العمل والحياة والحرية.

لم يتوانَ الحزب، في حفلة الجنون والعسكرة المستمرة منذ 5 سنوات، عن إرسال الأطفال ممن هم دون الـ 18 سنة إلى الحرب، ولم يتوانَ عن ممارسة دوره القمعي بحق السوريين في سوريا كما في لبنان، وتشجيع الانتهاكات الفردية والتلطي خلف شعار "الأهالي" لتعزيز التفرقة وتحطيم جميع أشكال التضامن المتبقية بين الناس وتمزيق النسيج الاجتماعي.

هذا ويردد القياديون في المجالس الداخلية، أننا في حالة حرب تحتّم علينا أن نتعامل مع كل سوري موجود في الجنوب على أنه قنبلة موقوتة. يُستثنى من هذه العنصرية طبعاً الأثرياء وأصحاب المناصب. تماماً كما يُستثنى من حظر التجوّل المفروضة السيارات الفاخرة والمركبات الدبلوماسية، تماماً أيضاً كما يمنح حق الدخول، إلى الأراضي اللبنانية (بحسب إجراءات الأمن العام اللبناني) لمن يحمل مبالغ مالية ضخمة ويُحرم من هذا الحق الأطفال الهاربون من القصف والمعارك.

نحن نرى ذلك كل يوم. نغلق أفواهنا ونترك قلوبنا تتحجّر.

هل حقاً  نحن مقتنعون أن من يسرق تعبنا اليومي في هذا الوطن هم اللاجئون واللاجئات؟ هل حقاً نظن أن خدمات المياه والكهرباء والصرف الصحي والنقل ليست مؤمنة بسببهم؟ لا بل أكثر من ذلك، أنعتقد أن أمننا وحياتنا الأفضل مرهونة بحصار المدن وقصف البيوت والأسواق والمخابز والمستوصفات وارتكاب المجازر؟

ألسنا نحن الذين وقفنا منذ الاجتياح الإسرائيلي عام 1993 و1996 كما في عام 2006 مذهولين حيال صمت العالم عن المجزرة الإسرائيلية المستمرة بحقنا، ألسنا من أنشدنا وهتفنا وصرخنا بالكوكب أجمع أن يحرّك ساكناً، لا حيال شيء، سوى لوقف الغارات؟

هل حقاً، نسينا خوفنا من "القازان" الذي ترميه الطائرات الإسرائيلية وأصبحنا نهلل للبراميل المتساقطة عشوائياً على رؤوس المدنيين؟

هل نحن حقاً نبتهج لحصار المدن؟ هل حقاً نفرح لسلبها والتنكيل بأهلها؟

هل نؤمن حقاً أننا في حربٍ مقدسة للدفاع عن الطغاة؟ هل نؤمن أن الإمام الحسين يزور آل الأسد ومخلوف في نومهم ليعانقهم ويلثم وجههم لشكرهم على رعاية أمة جدّه؟

لا يُخفى على أحد أن التطورات الميدانية في سوريا تتغير وتتبدل بشكلٍ مستمر، لكن إطالة أمد الحرب هي المصلحة الثابتة لجميع قوى الظلام الأساسية. مهما حاول أن يقنعنا ناصر قنديل وأمين حطيط- وأنا لا أثق بهذا الأخير حتى يخبرني عن سبب قطع أهالي برجا للطريق الساحلي- عن أن النصر في "الحرب الكونية" صبر ساعة، وكل عام في هذه الحرب هو العام المفصلي الذي تتحقق فيه كل أمانينا. 

حسناً، اسألوا العائدين من المعارك، سيخبروكم أنهم باتوا لا يعرفون من معهم ومن عليهم. هذا صحيح، فنحن لا أحد معنا ونقاتل أنفسنا في الوقت نفسه. هذه ليست سوى مهزلة، نحن الخاسرون الوحيدون فيها. أجل، نحن الناس من يدفع الثمن في أمننا وحياتنا وفي من نحب، كرمى لتجارة السلاح الدولية ومصالح أنظمة الاستبداد الاقليمية والعالمية، من واشنطن وموسكو مرورا بالرياض وصولا إلى طهران.

--

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص من المنشور - التضامن بوجه الفاشية والعسكرة والرجعية الصاعدة - شتاء 2017، أنقر/ي هنا