الانتخابات البلدية وما بعدها

نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 25, 2016 - 17:41
تصميم ندى زنهور عن مدونتها: concretefetish.tumblr.com
الكاتب/ة: نضال مفيد.

للانتخابات البلدية المقبلة أهمية بالغة. فهي تأتي بعد التمديد لمجلس النواب الحالي وتعطيل الانتخابات النيابية والرئاسية. كما تأتي بعد حراك شعبي انطلق في صيف 2015 إثر فشل السلطة الذريع في إيجاد حل لأزمة النفايات. خلال هذا الحراك الذي عبّر عن غضب اجتماعي نتيجة تراكم الازمات الاقتصادية وقلّة حيلة أطراف السلطة ما خلا من التحايل، واللصوصية، والفساد، طُرحت بقوة مسألة البلديات. فأموال هذه الأخيرة صودرت لمصلحة شركة "سوكلين" وفق عقود فاسدة. إذ أن 80% من أموال البلديات تُمتَص من الموازنة العامة بحجة الدفع للشركة. وبعد خفوت موجة التظاهرات وبتأثير منها، تكوّنت حملة "بيروت مدينتي" لتفتح مواجهة جديدة مع السلطة عنوانها الانتخابات البلدية وفق برنامج بلدي يرتكز على نقاط 10 أساسية إجتماعية وبيئية أهمها مسألة الحق في السكن، النقل، الحيز العام، والتلوّث. 

#بيروت_مدينتي: انتخابات بلا سياسة؟ 

وللمعركة الانتخابية البلدية في بيروت اهمية خاصة كونها العاصمة الاقتصادية والسياسية. لذا فالمواجهة تعبير عن الصراع الاجتماعي والسياسي في البلد بين الكتل المتنوعة التي تناضل من أجل التغيير السياسي والاجتماعي وبين قوى السلطة الحزبية الطائفية المهيمنة. لذا، ندعم حملة "بيروت مدينتي" في خوض الانتخابات بشكل مستقل عن تحالف السلطة بما هو موقف سياسي في مواجهة القوى المتحكمة بها سواء من 8 أو 14 آذار، حتى وإن كانت الحملة حتى اللحظة خجولة في إعلانها ذلك، محاولة تغليب جانب خبرة واضعي برنامجها، وتصديرها كحملة عابرة للسياسة أو "ما بعد" سياسية. فالتركيز على الجانب "التكنوقراطي" يوحي بأن سبب أزمة النظام تعود الى قلّة خبرة من هم في السلطة، لا انحيازاتهم وخياراتهم ومصالحهم السياسية والطبقية. 

وبالفعل، فإن أوائل ضحايا السياسات النيوليبيرالية لما بعد الحرب الأهلية دفعها، ولا زال يدفعها، سكان بيروت، من إخلاءات قسرية لمنازلهم وتهجير اقتصادي ولا سيما بفعل قانون الايجارات الجديد الذي يهدد اليوم عشرات الآلاف من العائلات في بيروت وغيرها من المناطق. أما الكلفة الاجتماعية المرتفعة لهذا القانون، مثلا، لا تعود الى غياب خبرة واضعيه، بل لانحيازهم لأصحاب الريوع العقارية. في إحدى اللقاءات التي نظمتها الحملة مع سكان منطقة مار مخايل، تقول إحدى السيدات: "بيتي هذا مهدد بالانهيار في أي لحظة. تقدمت بعدة طلبات ترميم للبلدية. رفضتها جميعها. يضغطون عليّ من أجل إخلائه من اجل أن يبنوا برجا إضافيا في الحي. لن أخليه. فهذا هو البيت الذي ولدت وكبرت به." هذه المرأة هي واحدة من ضحايا السياسات تلك التي وسعت من مساحات التهميش التي تمتاز بعلاقات غير متساوية لناحية القوة، الثروة والدخل. فسكان هذه المدينة، وعمالها على اختلاف مواقعهم الوظيفية وانتماءاتهم الطائفية والعرقية والجنسية يُستَغلَون يومياً في الايجار او قسط البيت، في الاستهلاك اليومي، في التعليم، في الصحة، في المياه والكهرباء. في هذا الاطار لا بد من رفع شعاري "الناس قبل الأرباح" و"حاجات المجتمع قبل سياسات الطمع" وتحويلهما من خلال المجلس البلدي الى ممارسات وسياسات فعلية. 

محطة في مواجهات قادمة

في هذا الاطار من المهم ألا نستسلم للأفكار السائدة  التي تحاول أن تقنعنا بأن التغيير يقتصر على صناديق الاقتراع حصرا. فهذه كذبة. والنماذج كثيرة عن قدرة هذا النظام على ابتلاع (بالترهيب والترغيب) من يصل إلى موقع السلطة من "المستقلين". لذا، نعتبر أن التغيير الحقيقي لا يمرّ إلا عبر التغيير الجذري في هذا النظام ورموزه وسياساته وإداراته ومؤسساته وشبكاته الريعية والزبائنية والمصالح الطبقية التي ينسجها. إلا أننا ندرك أن  تغيير النظام هو مسار تراكمي يمر عبر إصلاحات تصب في مجرى التغيير الجذري، التي من الضرورة أن تترافق مع تقوية الحركات العمالية والطلابية والنسوية وغيرها من الأطر التنظيمية. فمن دون حركات اجتماعية وسياسية ضاغطة من خارج النظام وعلى نقيض معه لا مجال لإحداث تغيير فعلي. لذا، فهذه الانتخابات البلدية، كما نراها، هي واحدة من محطات المواجهة مع هذا النظام الطائفي الطبقي. ايصال مرشحين مستقلين عن قوى السلطة أمر مهم، فهو سيكون مؤشر هام على نمو الحالة الاعتراضية كما سيعطي المزيد من الأمل والثقة لجميع التواقين الى التغيير. فمن يراقب السنوات الأخيرة في لبنان وتحديدا منذ عام 2010 يرى أن هنالك تصاعد لحالات الاعتراض الشعبي الخارج الى حد كبير عن اصطفافات السلطة. لذا فالمعركة الانتخابية القادمة هي محطة في مواجهات كثيرة قادمة.

ولذلك أيضا، نأمل أن نكون والطلاب والعمال من أصحاب الياقات البيضاء أو الزرقاء والنساء وغيرهم من الشجعان والحالمين ممن يعملون ويعملن في هذه حملة "بيروت مدينتي" ليلا نهارا بهدف الانتصار بهذه المعركة، وغيرهم ممن يناضلون على جبهات أخرى ان نلتزم ببناء حركة سياسية منسقة طويلة المدى تلتزم بمشروع تغييري شامل أبعد من المعركة البلدية القادمة. فهذه مسؤوليتنا جميعا إذا ما أردنا فعلا بأن نرى الشعارات الثلاثة التي لطالما رفعناهم محققة: "المساواة والعلمانية والعدالة الاجتماعية". لأنها ليست مسألة انتخابات واحدة وأخيرة، بل هي قضية بناء حركة سياسية من الأسفل. يجب أن نبني المقاومة الشعبية للظلم والاضطهاد في جميع الصراعات في المجتمع، أثناء الاستعداد لهذه الانتخابات وما بعدها.