تسييس الانتخابات البلدية محطة على طريق مواجهة النظام

نشر في‫:‬الاربعاء, نيسان 20, 2016 - 15:41
الإنسان الجواب | منير الشعراني
الكاتب/ة: وليد ضو.

إثر خفوت الحراك الشعبي الذي انطلق في صيف العام ٢٠١٥، تشكلت حملات تنوي خوض تجربة الانتخابات البلدية، على سبيل المثال حملة "بيروت مدينتي" وحملة "مواطنون ومواطنات في دولة". ما هو الموقف من هذه الانتخابات والحملات؟

من دون شك أن انطلاق الحراك الشعبي الذي كانت أزمة النفايات تشكل شرارته الأولى، أو حتى السبب الظاهري لامتداد هذا الزخم الشعبي في مناطق مختلفة من لبنان، قد حرك ركود الحراك الشعبي المناهض للواقع الاقتصادي والاجتماعي الذي فرضه النظام اللبناني طوال السنوات الماضية.

ومن الملاحظ أن هذا الركود سببته السلطة وأحزابها المهيمنة بالدرجة الأولى، من خلال السيطرة، بداية، على الاتحاد العمالي العام، الذي بات أداة مرتهنة بالكامل بيد النظام وأزلامه. سرعان ما امتدت اليد الخفية نفسها على هيئة التنسيق النقابية لتدجين هذه الهيئة التي صارعت السلطة لأكثر من ثلاث سنوات عبر الإضرابات والاعتصامات والمظاهرات الشعبية الحاشدة بغية تحقيق مطلبها الأساسي: إقرار سلسلة الرتب والرواتب لموظفي الدولة.

إذاً، مقابل كل حراك شعبي أو نقابي أو عمالي نجد السلطة تجترح أساليب باتت معروفة للسيطرة عليه، ولتشتيته، سواء مباشرة عبر القمع وتزوير الانتخابات ومنع التجول (حالة الاتحاد العمالي العام)، أو عبر السيطرة المباشرة على الحراك النقابي الذي أطلقته هيئة التنسيق النقابية. هذه الوقاحة التسلطية لم تتوان في اعتماد أساليب الترغيب والترهيب خاصة ما شهدناه في حراك مياومي مؤسسة كهرباء لبنان وعمال شركة سبينس، حيث تداخلت عوامل عديدة أفضت إلى السيطرة على الحراك من بينها الزبائنية الطائفية والسياسية وإغراء المحركين الأساسيين للحراك أو عبر القمع المباشر.

بكل ذلك، تحاول السلطة القول: الأمر لي. أنا أقر القوانين المعادية لمصالح الطبقات الشعبية، أنا أحمي الطبقة البرجوازية في استغلالها المتمادي والمستمر، أنا أحافظ على قوانين الأحوال الشخصية الطائفية والمذهبية لأحافظ على سياسة فرق تسد لصفوف الطبقة العاملة، أنا أساعد في تحويل ما تبقى من مساحات عامة لصالح شركات مقاولات لا تهدف إلا إلى الربح السريع، أنا أخصخص كافة الخدمات العامة لصالح شركات خاصة، أنا أضرب التعليم الرسمي والجامعة اللبنانية لصالح التعليم الخاص الربحي والطائفي. أنا من تتنازع أطراف السلطة ليس بهدف من يحقق الصالح العام بشكل أفضل، إنما بهدف نيل الحصة الأكبر من المنظومة الفاسدة والاستغلالية والطائفية، أنا أواصل حرمان آلاف اللاجئين من حقوقهم الإنسانية البديهية، وأواصل عبر الوسائل الإعلام المهيمنة تحميل اللاجئين وكافة المستضعفين سبب مأساتهم. وأنا التي حميت كل مجرمي الحرب وما ارتكبوه من جرائم حرب وخطف وسرقة وتشبيح، وأنا وأنا وأنا….

ولكن من نحن؟ وكيف نريد مواجهة كل ذلك؟

نعم المواجهة صعبة مع هذا النظام، فهو المتمرس في الحفاظ على أركان حكمه، ولكن أي مواجهة مع هذا النظام أو مبادرة بهذا الاتجاه، أو حتى أي محاولة خلخلة للستاتوكو السائد هي محاولة ينبغي العمل على دعمها، إذ في المواجهة مع النظام لن نختار الأخير، بالطبع، وأي موقف حيادي، هو بالضرورة وقوف مع الهيمنة السائدة.

ولكن ما هي طبيعة هذه المواجهة وكيف تعلن عن نفسها هنا أيضا يكمن السؤال. إزاء المشاكل التي راكمها النظام والطبقة البرجوازية والطائفية بهدف تعزيز أرباحه، نشأ واقع مادي بات من الصعب التعاطي معه وفق منطق إصلاحي أو لاسياسي، أصلا هل هذا النظام يريد إصلاح نفسه؟ الجواب هو كلا. هل استجاب النظام لأي مطلب إصلاحي؟ لنأخذ مثل "حل" أزمة النفايات، حيث أعادت السلطة المكبات بشكل أوسع من قبل، كما أعادت شركة سوكلين إلى التربع على عرش مجدها، أو حتى الطريقة التي أفرغ فيها قانون "حماية النساء من العنف الأسري" من مضمونه. كل هذه الأدلة، تشير إلى أن هذا النظام عصي على الإصلاح.

بالعودة إلى تجربة هيئة التنسيق النقابية، الجميع يذكر غياب الخطاب السياسي الواضح، حينها اكتفت مكونات الهيئة بالاتفاق على الحد الأدنى من المطالب المشتركة، فضلا عن مساومتها مع بعض أطراف السلطة، غياب هذا الخطاب ولد فراغا وكان مدخلا للسلطة لتنفيس الحراك وضرب الهيئات القيادية في روابط المعلمين. هذا بالضبط ما يغيب عن خطاب حملة "بيروت مدينتي"، في حين تحاول حملة "مواطنون ومواطنات في دولة" الظهور بخطاب سياسي متماسك، وفق وجهة نظرها. حيث تهدف الأخيرة إلى بناء الدولة، في حين تحاول الأولى تسييس مروحة واسعة من الحقوق، "دون خوض مواجهة مع أحد" وفق تعبير جاد شعبان لجريدة الأخبار. وتهدف حملة "مواطنون…" إلى تحقيق دولة مدنية في حذر واضح منها لعدم المطالبة بدولة علمانية تحقق المساواة وتقر قانونا مدنيا موحدا للأحوال الشخصية، وفي مكان آخر تهدف الحملة عينها إلى مواجهة المخاطر الخارجية المتمثلة بـ"إسرائيل أو من الأصولية الدينية التكفيرية"، دون أن يعني لها أن الأنظمة العربية، ومن بينها النظام اللبناني، هي أيضا من المخاطر التي تتطلب المواجهة في ظل تلاقيها على استمرار القمع والاستغلال بحق شعوب هذه المنطقة. وإذا كانت حملة "مواطنون…" تحاول إبراز احتوائها على اتجاهات سياسية متعدددة من الاشتراكية وصولا إلى الليبرالية (أو اشتراكيو الأنظمة وليبراليوها)، تستميت حملة "بيروت مدينتي" لإظهار طابعها المستقل.

قد يكون حذر حملة "بيروت مدينتي" من الأحزاب السياسية مفهوما إذا كان موجها تجاه تلك المهيمنة، وهو كذلك، إنما ما هو غير مفهوم هو هذا الحذر من السياسة بمعناها المطلق، ومن كل المنظمات السياسية دون تمييز بين مهيمن أو معارض، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، كيف سيكون رد المرشحين على تساؤلات المواطنين عن الموقف السياسي من هذا الأمر أو ذاك، هل سيكون: نحن لا نتكلم بالسياسة؟ على المقلب الآخر، الحال ليست أفضل، إذ كيف سيرد على سبيل المثال شربل نحاس، على سؤال: لماذا قدمت استقالتك من الوزارة عند ميشال عون راعيك الطائفي ولم تقدمها للشعب؟ هذا عدا عن دورك الاستشاري للرئيس الأسبق إميل لحود، وفيه ما فيه من اقتراحات مجحفة بحق الطبقات الشعبية؟

ولعل ما يميز حملة "بيروت مدينتي" عن حملة "مواطنون…" هي تنظيمها لنقاشات في أحياء متعددة من بيروت وما يتخللها من حوارات ديمقراطية يعبر فيها سكان هذه الأحياء عن تطلعاتهم بغد أفضل، بعيدا عن هيمنة النظام وأدواته، هذه النقاشات هي ما يجب أن يبنى عليه، ليس فقط بما خص الانتخابات الحالية، إنما خلال محطات مواجهتنا للنظام وفي كل المناطق، فالناس يريدون من يناقشهم ويستمع إلى مطالبهم، لن يحصل ذلك من خلف حواسيبنا إنما بالاتصال المباشر مع الفئات المتضررة من هذا النظام.

بالعودة إلى مروحة الحقوق الواردة سواء الواردة في برنامج "بيروت مدينتي" أو في حملة "مواطنون…"، ثمة واقع مادي خلقته البرجوازية بالشراكة مع النظام الحاكم، هذا الواقع يتعلق بمجموعة قوانين صدرت عن المجلس النيابي أو مجموعة مراسيم وقرارات صدرت عن الحكومات المتعاقبة والوزراء، بدءا من سندات الخزينة مرورا بشركة سوليدير، وضرب النقل العام المشترك والتعليم ومصادرة الأملاك العامة وصولا إلى قانون الإيجارات التهجيري والحل-الأزمة لأزمة النفايات، هذا عدا عن مسار طويل من الاستثمارات العقارية والمقاولات، وسياسات الخصخصة، التي هجرت الآلاف من سكان بيروت، وعمقت الفجوة الاجتماعية بين الطبقات، هل تستطيع هذه الحملات، بخطابها هذا، أو في حال وصولها إلى المجلس البلدي، في بيروت أو خارجها تغيير حرف واحد من كل ذلك؟ 

أكثر من ذلك، هذه المروحة من الحقوق، هل ستشمل كل سكان بيروت مثلا؟ ما هو موقف هاتين الحملتين من اللاجئين وأحزمة البؤس الموجودة "حتى" داخل مدينة بيروت والمحرومين من أبسط الحقوق الإنسانية البديهية، هل حق السكن، على سبيل المثال، سيعطي الإمكانية للاجئ أو لابن كرم الزيتون أو حي الطمليس أو الخندق الغميق لتملك شقة في "سما بيروت" أو في وسط بيروت؟ أو حتى استئجار منزل في أحياء أخرى من بيروت؟

خلال الحراك الشعبي في الصيف الماضي، رفع شعار "كل السلطة للبلديات". لا شك بأن البلديات مكبلة في كل شيء، من مواردها المالية وصولا إلى صلاحياتها التي تتسع أو تضيق وفقا لرغبات المحافظ أو القائمقام أو وزارة الداخلية، لكنها أيضا نموذج مصغر عن أي حكومة أو مجلس نيابي، ولو على صعيد محلي، إذ يغلب الطابع الأبوي في اختيار المرشحين، فضلا عن إعادة ربط أبناء هذه القرى والبلدات خلال كل مناسبة انتخابية بكامل البنى العائلية التقليدية والأبوية لانتخاب مرشحين إلى بلديات لا يسكنوا فيها، عوضا عن انتخابهم في مكان سكنهم، كما يلعب الطابع الطائفي والمذهبي دورا في انتقاء المرشحين، علما بأن قانون الانتخابات البلدية لا ينص على التوزيع الطائفي والمذهبي لمقاعد المجالس البلدية. دون أن ننسى الدور العنصري المقيت لعدد هائل من البلديات التي منعت اللاجئين السوريين من التجول في ربوعها خلال أوقات معينة من اليوم. هذه العناصر المتمثلة بالأبوية والطائفية/المذهبية والعنصرية تتوجب مناهضة صريحة وواضحة من أي حملة انتخابية تغييرية أو مناهضة للواقع السياسي الحالي.

لا نسعى هنا إلى التحامل أو المزايدة على هاتين الحملتين، سيما أننا نعلم أن الحملتين، وخاصة "بيروت مدينتي" تحتوي على العديد من الناشطين الذين يمكن العمل معهم، والذين سبق وعملنا سوية في محطات عديدة من مواجهاتنا مع هذا النظام على مختلف الصعد، وستكون الانتخابات فرصة للتعلم من هذه التجربة لطرق مواجهة النظام وأهمية ذلك.

نحن لا نقول هنا إن الثورة على الأبواب، وإلا سيكون ذلك قفزة في الهواء حتى لا نقول في الأوهام. ولكن، وفي الوقت عينه، لا نخجل، في المنتدى الاشتراكي من التحريض على تجذير الصراع الطبقي بهدف إسقاط النظام الرأسمالي والطائفي والذكوري والقمعي والعنصري. ونرى في الطبقات المستغلة والمهمشة قوة كامنة ستواجه، عاجلا أم آجلا، كل هذا التعسف والقهر المادي والمعنوي.

الانتخابات البلدية هي محطة من محطات المواجهة مع النظام، ومن جديد، أي مواجهة معه مرحب بها وسنشجعها وسندعمها، وخاصة حملة "بيروت مدينتي"، وهذا النص هو مساهمة بسيطة لتحريك النقاش مع الحملة على طريق مواجهة أمتن مع الأمر الواقع. نحن نعلم مدى صعوبة التغيير في مواجهة هذا التجبر السلطوي والاستغلالي والأبوي والطائفي، لذا علينا منذ الآن المشاركة في تكوين نقابات جديدة، ديمقراطية ومستقلة، وتشكيل حملات شعبية تنشر الأمل والإرادة بالتغيير، سنتلاقى في محطات عديدة، ضمن جبهات متحدة تحمل برنامجا سياسيا واضحا، نحو إسقاط النظام وتحقيق الديمقراطية والمساواة والعدالة الاجتماعية والعلمانية.