حين ترسل السلطة جرافة لهدم منزلك

نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 18, 2016 - 16:16
تصميم ندى زنهور من مدونتها concretefetish.tumblr.com
الكاتب/ة: محمد جمول.

أحال وزير المالية اللبناني علي حسن خليل السنة الماضية عدداً من ملفات ما أسماه "التعدي على أملاك الدولة" (ما يعرف بالمشاعات) إلى النيابة العامة في كل من عكار والضنية والشوف وبنت جبيل، تكرر الأمر نفسه في نيسان الحالي في عدد من قرى سير الضنية وأحيل أصحاب هذه التعديات على النائب العام المالي القاضي علي ابراهيم. يُقدِم الوزير على ذلك بحجة الحفاظ على "هيبة الدولة" كما ورد في نصوص الإحالة. ‬

‫هيبة الدولة تلك، تلحظ سقفاً مبنيا على أرض مشاع في الضنية الغائبة كلياً عن أذهان مسؤولي السلطة فيما خص قضايا الرعاية الخدماتية، لكنها (هيبة الدولة) لا ترى آلأف الهكتارات من الأملاك البحرية والبرية بما فيها مناطق حرجية والأنهار والجبال من الجنوب إلى الشمال استولت عليها إما الشركات الخاصة أو متنفذون يتمتعون بغطاء زعماء الطوائف هنا وهناك، دون ذكر ما استولت عليه أحزاب السلطة نفسها.‬

‫ما دفعني إلى البحث عن هذا الموضوع هو حادثة جرت في قريتي "عزة" منذ أسبوع تقريباً حيث أقدم أحد السكان على استصلاح مساحة صغيرة أمام منزله، يقع المنزل المبني منذ سنوات والأرض المستصلحة حديثاً ضمن ما يعرف بالأملاك العامة، إثر ذلك لم تتأخر السلطة في إرسال جرافة وقامت بإزالة "التعدي" الأخير أمام المنزل بعد ورود شكوى بشأن ذلك.‬

‫هذه الحادثة تعيد إلى الأذهان الكثير من الممارسات المشابهة حيث تقوم السلطة بمؤازرة من أجهزتها الأمنية بقمع مخالفات البناء، أشهرها حادثة مقتل طفلين على يد قوى الأمن الداخلي أواخر عام ٢٠٠٦ في منطقة الرمل العالي في ضاحية بيروت الجنوبية خلال إزالة مخالفات بناء. فورا أبدت وزارة الداخلية وممثلو القوى الحزبية في الضاحية "أسفها" على مقتل الطفلين ودعت إلى استمرار حملة القمع. كما تجدر الإشارة، إلى ما حصل منذ سنوات في بعض قرى قضاء صور، حيث أدت الحملة الأمنية إلى مقتل المواطنين علي ناصر ووسام الطويل في منطقة المساكن الشعبية، إضافةً إلى عدد من الجرحى والمعتقلين، إثر ذلك لم تتوانَ القوى الأمنية عن متابعة التعدي على منازل المواطنين و"تطبيق القانون بحزم"، كما جاء في بيان مجلس الأمن الفرعي الذي انعقد في صيدا، لا للبحث في ظروف قتل الشابين، إنما للتأكيد على استمرار الحملة. ‬

‫موقف أحزاب السلطة آنذاك جاء مشابهاً لموقفها في حادثة الرمل العالي التي لم تدافع عن الفئات الشعبية التي تدعي تمثيلها إنما آزرت القوى الأمنية، رافعة "الغطاء" عمن أسمتهم "مخلين بالنظام والقانون".‬

‫تعاقب السلطة أفراد الطبقة العاملة إذا ما حاولوا استغلال تلك المشاعات في إيجاد مسكن لائق على أرض لم يتح لهم وراثتها أو شراءها. وهي في ذلك تضعهم أمام خيارين: إما الموت دفاعاً عن سقف بنوه تحت جنح الظلام خوفاً من أعين الأجهزة الأمنية، أو الوقوف لمشاهدة العرض من بعيد حيث تقوم السلطة باستثمار معاناتهم في شركات كبرى ذات مجالس إدارة شغلها الشاغل يكمن في مراكمة المزيد من الأرباح؛ كمشروع سوليدير الذي قضى على أملاك المواطنين في وسط بيروت وأحال قلب العاصمة إلى مكعبات اسمنتية تعود بالمنفعة على أصحاب المليارات.‬

‫كثير من الأسئلة تطرح هنا، لماذا يغيب الناس عن تقرير مصير الأراضي المشاع في قراهم؟، لماذا لا يساهمون في عمليات التنظيم المُدُني لتلك القرى بإشراف البلدية؟ ثم ماذا فعلت البلديات التي عَهد إليها القانون تنظيم شؤون اراضيها بكل تلك الأملاك سوى توزيعها على الشركات والمستثمرين كي يبنوا فيها علباً سكنية في مجمعات هدفها المزيد من الربح على حساب حق السكن؟ لماذا لا توزع تلك الأراضي وفق آليات تلحظ الطبقات الأكثر حاجةً والشباب الباحثين عن مسكن بعيداً عن الهجرة ما وراء البحار لجمع مبالغ طائلة لا تكفي حتى دفعةً أولى من قرض سكن؟ هل تقوم السلطة بما تقوم به للحفاظ على هيبتها أم على أرباح الشركات؟‬

‫في خضم المشكلة المذكورة التي حصلت في عزة كثرت التعليقات وحملات التضامن، وخصوصاً أن الشخص المعني هو عضو حزبي. علماً أن التضامن معه أو مع غيره واجب أخلاقي نمارسه عن قناعة في وجوب انتزاع الناس من السلطة وأحزابها حقّها في استغلال الأراضي في قراها وفق توزيع عادل وشفاف لا يراعي المحسوبيات الحزبية أو المنافع الشخصية أو النفوذ الاقتصادي أو العسكري.‬

‫يكاد يكون الأكثر لفتاً للإنتباه في سياق التحليل أعلاه، هو إحدى التعليقات التي وردت على مواقع التواصل الإجتماعي حيث انتشرت القصة. كتب هذا التعليق أحد أبناء القرية الذي أعرفه جيداً؛ ذلك الشاب العشريني طرد مؤخراً من إحدى المؤسسات الحزبية تعسفياً دون أي تعويض أو حتى إنذار مسبق، بعد وقتٍ وجيز من حصوله على قرض سكني لشراء منزل في قرية مجاورة (حيث أنه لا يملك أرضاً في قريته). لا بد هنا من التضامن مع العضو الحزبي الذي تعبث جرافات الدرك أمام منزله بأصدق العبارات ومع حقه في استملاك الأرض. التضامن الضروري معه لا ينم بأي شكل من الأشكال عن تأييد وانصياع للجهة الحزبية المهيمنة، بقدر ما هو صرخة غضب في وجه السلطة وأجهزتها.    ‬

‫قد يضطر شاب من قريتي الهجرة سنوات عديدة للعمل ليلاً نهاراً بعيداً عن وطنه في سبيل جمع مئات آلآف الدولارات كي يشتري بيتاً في أي مكان في لبنان، وقريته تضم أملاكاً لا تعرف السلطة أو البلدية المختصة وجهة استثمارها أو لا تريد. ‬

‫ومع اقتراب موعد الإنتخابات البلدية في لبنان، تبقى قضية السكن وغيرها من حقوق الناس البديهية غائبة عن برامج أحزاب السلطة، التي لم ولن تفعل سوى القضاء الممنهج على أحلام الآلاف بمساكن لائقة في مدنهم وقراهم. وعليه، يجب أن تكون هذه القضية دافعاً إضافياً لإعادة النظر في مشاركة المواطنين في اختيار ممثليهم وسحب الثقة من السلطة وأحزابها التي لا تلتفت إلى جيش المعطّلين عن العمل إلا عندما تحتاجهم وقوداً في صراعاتها الطائفية. ‬

‫نعم للتضامن مع المواطنين المتضررين ضد الهدم والقمع ونعم لحلول مستدامة لأزمة السكن. ونعم لتعزيز العمل السياسي اليومي من أجل حقوق ومصالح الناس وتفعيل كل أساليب الرقابة والمساءلة والشفافية. لا لاستمرار مصادرة الحياة السياسية وما ينجم عن ذلك من سحق لإرادة الناس واستغلالهم على يد الرأسماليين والمتنفذين وأرباب العمل.‬