شهادة شخصية: عندما طاردت المخابرات السورية سمير القنطار

نشر في‫:‬الجمعة, كانون الثاني 8, 2016 - 15:08
الكاتب/ة: سليمان فقيه.

كنت عاملا في مجال الاتصالات السلكية ضمن إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية. جاءني أحد الرفاق ويرافقه صديق شاب في مقتبل العمر بانت عليه معالم القلق والريبة، وقال لي:

‫"هذا رفيقنا سمير القنطار من الجبل في التجمع الشيوعي الثوري، تعرض لمشكلة مع المخابرات السورية حيث عمد إلى شتم رجال المخابرات بعد أن أهانوه على حاجز لهم عند مثلث قبر شمون منطقة الشحار. وهو بحاجة لمكان للعمل والنوم في مكان بعيد عن حواجز المخابرات".‬

‫بتنا ليلتها في بيتي بمنطقة الحرش قرب مخيم شاتيلا.‬ فطال الحديث بيننا عن حوادث تعرض المواطنين للإهانة على حواجز النظام السوري حيث كان يتعرض المواطنون للاذلال والتعسف الشديدَين.‬

‫وفي اليوم التالي، توجهنا إلى مكتب ما يسمى بـ"الشعبة الفنية" وقد قبل المهندس المشرف أن ينضم سمير إلى فريق العمل بصيانة شبكة الاتصالات. ومضت الأيام وكنا فرحين بصداقتنا، وكانت تبرز بيننا أعمال التحدي خاصة لناحية سرعة الصعود إلى أسطح الابنية، حيث علب التوصيل لشبكات الهاتف الداخلية، والنزول والقفز من بناء إلى آخر وسرعة تصليح الخطوط الهاتفية.‬

‫كانت تلك الفترة شهر عسل الصداقة الجميلة التي لم تمتد وقتا طويلا. ففي ليلة افتقدت الصديق الآتي من جيل البراءة والحلم بالحرية. فطال غيابه أشهرا إلى أن علمت أنه التحق بغرفة العمليات الانتحارية في جبهة التحرير الفلسطينية. إثرها، تقابلنا وحاولت إقناعه بالتخلي عن هذا المشروع الخطير الذي لم نكن نستسيغه في ذلك الزمن. وكان جوابه حاسما: "هذه الطريق لن أحيد عنها، وأنا أتوق للحظة التي سأنطلق فيها لتنفيذ أول عملية".‬

‫وغاب بعدها الغيبة الصغرى حيث علمنا أنه معتقل في السجون الأردنية إثر تنفيذه مع مجموعة من الفدائيين عملية عند ضفة نهر الاردن المحاذية لفلسطين المحتلة. حيث أطلقوا النار على دورية للاحتلال الصهيوني، إثر اصطدامهم بها على حين غرة، حيث كان من المفترض أن تتم العملية داخل فلسطين.‬

‫بعد سماعي بخبر اعتقاله وأنه ذلك حصل بعد أن قطع نهر الأردن سباحة وهو يحمل كامل عتاده الحربي، تذكرت حينها طريقة تعلمه السباحة التي كنت استغربتها في ذلك الحين، حيث تعلم السباحة في يوم واحد وبساعة واحدة لا بل اكتشف أنه سباح ماهر. قال لي إنه أثناء درس السباحة وبعد بضعة توجيهات امتشق المدرب رشاش بي كي سي وبدأ بإطلاق النار باتجاه المتدربين فما كان منهم إلا أن هربوا إلى البحر يطوون الأمواج تحت أذرعهم كأنهم سباحون ماهرون منذ زمن طويل.‬

‫بعد عام، أفرج عنه بعد وساطة من الراحل ياسر عرفات وذلك بعد عقد مصالحة بين الأخير والملك حسين. التقيت به ثانية واعتقدت أن هذه العملية هي نهاية مشوار الرفيق، الذي كنت ألوم نفسي على انخراطه في هذا العمل عن طريقي.‬

‫وما هي أشهر حتى أخبرني أنه يتوق لعمل فدائي عظيم داخل فلسطين. علمت حينها أن العملية باتت جاهزة وانها ستكون عبر البحر من لبنان إلى شواطئ فلسطين، خاصة بعد أن عاينت الزورق المطاطي الذي اخبرني عنه أحد الرفاق المقربين، ابن عمي الشهيد، أثناء عدوان تموز، محمد فقيه.‬

‫وما هي أيام حتى غاب الغيبة الثانية الكبرى. بعد شهر أو أكثر قليلا من غيابه علمنا أن عملية كبرى حصلت على أحد الشواطئ السياحية في فلسطين المحتله واستمرت الاشتباكات لمدة ساعات استشهد على إثرها معظم أفراد المجموعة المقاومة وقتل وجرح عدد من الجنود والمستوطنين، وجرح سمير بإصابته بسبع طلقات في مختلف أنحاء جسده أثناء انسحابه بعد أن خطف أحد علماء الذرة الصهاينة الذي قتل بدوره إثر تبادل لإطلاق النار مع الجنود الصهاينة مع سمير.‬

‫وقد امتدت تداعيات هذه العملية لفترة طويلة. اعتقل سمير على إثرها لمدة ثلاثين عاما كان خلالها ناشطا حقوقيا في المعتقل، وكان يشارك ويقود نشاطات التمرد والمطالبه بحقوق المعتقلين.‬

‫وقد بنى علاقات من داخل المعتقل مكنته من نيل شهادة جامعية في العلوم السياسية. وقد عقد قرانه مع إحدى السيدات الفلسطينيات، وقد تبنته وساعدته أم جبر، والدة أحد المعتقلين الفلسطينيين.‬

‫وبعد ثلاثين عاما، وبعد أن ذاع صيته في الاعلام اللبناني وذلك بعد نشر إحدى رسائله المسربة إلى رفيقنا وصديقنا المشترك في الجبل، م. الغريب، وقد تبنت قضيته عدة قوى سياسية. وكانت حرب تموز المحطة الحاسمة في إطلاق سراحه في تبادل أخذ صدى عالمياً. وكان ثمن الحرب باهظا، التي سميت، سياسيا، باسمه.‬

‫خلال لقائنا الأخير في منزله تذكر سمير عملنا المشترك. وقد أفشى لي سر تركه للعمل معي، حيث خلال عملنا على أسطح المباني وأثناء القفز من سطح مبنى لآخر ارتعب كثيرا وترك العمل مفضلا الموت في سبيل قضية فلسطين على أن يقع في حادث عمل. ‬

‫كان يتمنى أن يستشهد على أرض فلسطين في مسيرة تحريرها. ومن الممكن أنه نال ما أراد. ولكن في سوريا وليس في قلب فلسطين.‬

‫وداعا سمير، أنت الذي ودعتني أكثر من مرة.‬