‫بالإذن من النفاق الوطني‬

نشر في‫:‬الثلثاء, تشرين ثاني 17, 2015 - 10:39
الرسم لهاني عباس
الكاتب/ة: المنشور.

‫خلال الساعات الأولى من مساء يوم الخميس 12 تشرين الثاني 2015، هزّ تفجيران انتحاريان منطقة برج البراجنة موقعين 43 شهيداً وما يزيد عن مئتي جريح. هذه الجريمة المروعة التي أصابت أهلنا في برج البراجنة، أودت بحياة أطفال ورجال ونساء من سكان المنطقة. وبالاضافة الى فقدان الأحبة، أدى التفجيران إلى تيتيم العديد من العائلات التي فقدت معيليها الأساسيين. وأمام هذا الواقع لا بد من أن تتحمل الدولة مسؤوليتها الاجتماعية تجاه هذه الأسر عبر تأمين كافة الوسائل لكي تتمكن من الاستعاضة المادية عن خساراتها التي لا تعوض. فهذه الأعمال الارهابية أكثر من تطال هم أولئك الذين لا ذنب لهم من فقراء شعبنا. ‬

‫ونحن إذ نتضامن مع ضحايا التفجيرين أمام هذه الكارثة الانسانية وأسرهم ونأمل الشفاء العاجل لجميع الجرحى، ندين هذا العمل المجرم الذي لا بد من التوقف عند تبعاته المقلقة. ‬

‫ففيما لم تكن دماء الشهداء قد جفت بعد، تسابقت القوى السياسية في استغلال الجريمة مستغلة مشاعر الخوف والترهيب لدى الناس. وتجلّى نفاقها "الوطني" من خلال خطاب تبويس اللحى والمحبة المزيفة التي أغدقها أطراف السلطة على بعضهم البعض، في محاولة منهم لكسب الوقت والتراصف تحت شعار "الوحدة الوطنية"، وذلك لتقويض أي صوت مطلبي معارض لهذه السلطة على قاعدة "لا صوت يعلو فوق صوت المعركة". تعالت هذه التصاريح عن "الوحدة الوطنية" من موقع الجريمة، التي لم تطأه الدولة وخدماتها وسياسييها من قبل. فضحايا التفجيرين في برج البراجنة هم ضحايا مرتين، مرة لسياسات هذا النظام الطبقي والطائفي، ومرة أخرى للإرهاب الداعشي.‬

‫ويأتي هذان التفجيران في سياق الحراك الشعبي، الذي على الرغم من محدوديته، إلا أنه استطاع أن يظهر القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تعني كل القاطنين في لبنان. جاء هذا العمل الإرهابي، ليساهم في تراجع الخطاب الاقتصادي الاجتماعي العابر للطوائف أمام المخاوف التي تفرضها الاعتبارات الامنية. وطبعا، كان الحدث الأمني بمثابة متكأ لتهرب السلطة الإضافي من مسؤولياتها الاجتماعية الاقتصادية. وبالتالي شكّل ضربة لأي حراك شعبي، وسبيلاً لتعجيل التسويات بين أطراف السلطة السياسية في متاجرة إضافية منهم بدماء الضحايا، فالمجلس النيابي أقر في نهاية الأسبوع الماضي سلسلة من القوانين التي ترتب دينا عاما إضافيا، وتبادل أطراف المجلس الرشى بالقوانين لتأمين حضور البعض ولتوفير التواطؤ والشراكة في الانقضاض على المصلحة العامة، متناسين كليا إقرار سلسلة الرتب والرواتب وإقرار قانون يؤمن استفادة المتقاعدين من الضمان الاجتماعي.‬

‫والمقلق أيضاً، أن هذا التفجير شكل أرضية لتصعيد السلطة من خطابها العنصري تجاه اللاجئين، في إطار استثمار مشاعر الخوف. وأي نوع من السياسة تلك التي تبنى على الخوف! إنها أكثر أنواع السياسة رجعية وموغلة في تحريضها. فلا أمل بسياسة ديموقراطية أو تقدمية في ظل دعوات العسكرة والرقابة والعنف الأمني خاصّة أنها أول من تطال هم الفئات الأكثر تهميشاً وحرماناً من عمال ولاجئين ومفقرين ومعطلين عن العمل. وهذا ما يشبه الى حد بعيد تبعات تفجيرات باريس التي أعطت الفرصة لمجمل الطبقة المهيمنة، وخاصة اليمين المتطرف، بخطابها وممارساتها الأشد عنصرية، فضلا عن الدعوات لإقفال الحدود وطرد اللاجئين وحرق خيمهم، بهدف التعمية على الأزمات الاقتصادية الكبيرة التي تمر فيها أوروبا. التفجيرات الارهابية هذه، لا شك بأنها تخدم الأنظمة الديكتاتورية في المنطقة من الخليج الى المحيط، مرورا بديكتاتور الشام، في ادعاء حربها ضد الارهاب، فتتجند الأنظمة كلها شرقا وغربا في معسكر واحد في محاربة ما صنعته أيديها. ‬

‫وهنا نقول، إن مواجهة الإرهاب لا تتم عن طريق المزيد من التدابير الأمنية ومن خلال تسليم البلاد الى العسكر وفرض حالة طوارئ أمنية، بل بإنهاء الاسباب والأرضية المعززة له؛ من حروب وتغييب للحريات والعدالة الاجتماعية والتحريض المذهبي والطائفي والعنصري وحرمان الناس، سيما اللاجئين، من بديهيات حقوقهم الانسانية. ‬

‫لذا ندعو وبشكل صريح ومباشر إلى انسحاب حزب الله الفوري من سوريا، ووقف حالة الاستثناء القانونية والسياسية والاقتصادية على اللاجئين الفلسطينيين واعطاء الحقوق الانسانية لكافة اللاجئين، لا سيما للاجئين السوريين. وندعو كافة الناس والقوى الاجتماعية للسعي إلى توسيع الحراك الشعبي المعارض لهذا النظام الطبقي والطائفي والعنصري. ففي هذا الوقت بالتحديد، يجب أن نتسلح بالأمل والإقدام على مواجهة سياسة السلطة المستثمرة بالخوف والتيئيس، وبالعمل باتجاه تغيير هذا النظام من أجل المساواة والعلمانية والعدالة الاجتماعية.‬

‫كامل الحب والعزاء لأهالي الضحايا، والشفاء العاجل للجرحى.‬

‫هيئة تحرير المنشور (المنتدى الاشتراكي- لبنان)‬