الطلاب نبض "الشارع"‬

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 16, 2015 - 15:55
الكاتب/ة: حسين بغدادي.

ينتقلون من غرف المختبرات العلمية الجامعية إلى ساحات تحقيق الممكن. يهربون من المسرح الذي يعبّر عن ماضٍ بعيد ليجدوا أنفسهم يلعبون أدوار حقيقية في الحاضر. يغلقون كتب التاريخ المغطّاة بغبار الطبقة المسيطرة، من أجل صنع تاريخهم بأشكالٍ لا تخدم إلا المنتجين المعدمين، لا الآلهة ولا الحكّام. يغنّون بأصوات رافضة للواقع المقيت، يرسمون مستقبلهم على جدران المدينة بعد أن شاركوا بإعادة الروح إليها. يناضلون، رغم السلطة الأبويّة التي تشكّل عائقا أمام تحرّرهم، ضدّ كلّ ما تقدّسه العائلة في المجتمع، من تبعية للزعيم أو للطائفة أو للعشيرة. يقاومون، رغم غسيل الدماغ الذي يتلقّونه في محاضرات حداثية عن أهميّة 'الرأسمالية'، المنظومة التي تنتج ظروف الاستغلال الطبقي، وفي بعض الأحيان: أسباب انتحارهم. الطلاب، بشعاراتهم وهتافاتهم المتنوّعة، بحماسهم وتمرّدهم، باسهاماتهم المكتوبة والمسموعة والمرئية، هم عصب الحراك الشعبي اليوم.‬

منذ الأيّام الأولى للحراك الذي فجّر المجتمع بسبب أزمة النفايات المرتبطة بفشل سياسات الخصخصة في نظام المحاصصات الطائفية، أي نفس السياسات التي همّشت الجامعة الوطنية والتعليم الرسمي، والطلاب من مختلف الجامعات يشاركون بقوّة في عملية التغيير. كان واضحًا الدور السياسي-المطلبي الذي أعطوه لأنفسهم، فقد عبّروا عن غضبهم المعقلن والموجّه ضدّ سلطة الفساد، إمّا بشكل فردي-عفوي، وإمّا عبر الانخراط في مجموعات طلابية مختلفة ذات خبرة في النضال لتحقيق مطالب جامعية معيّنة (تخفيض الأقساط) أو سياسية-اجتماعية (زيادة أجور الموظفين والأساتذة، رفض التمديد، المطالبة بقانون انتخابي نسبي)، كالنادي العلماني ونادي السنديانة الحمراء في الجامعة الأميركية مثلًا، حيث استطاع الطلاب من خلال هذين الإطارين تقديم عقلية تقدميّة جديدة تساعد الحراك على انتاج مشروع ثوري شامل، قائمة على أفكار ومواقف مضادّة لكل أشكال الإستغلال والقمع في المجتمع (ذكورية، تمييز جنسي…) لطالما اعتبرها اليسار التقليدي أفكار "ليبرالية" أو ثانوية لا أهميّة لها في السيرورة الثورية، وقد استطاع الطلاب في المجموعتين، على الرغم من الاختلافات الأيديولوجية-السياسية التي تبرز في النقاشات أو عند قضايا مصيرية، أن يعملا كجسم واحد/متماسك/متناغم في الحراك. حتّى داخل الجماعة ذاتها، أكثر الندوات والنقاشات والتحرّكات التي ينظّموها مرتبطة بشكل مباشر بمسار الحراك نفسه، وبمواضيع مثل معالجة أزمة النفايات أو آلية سيطرة المصارف على الاقتصاد اللبناني.‬

من جهة أخرى، المشاركة الطلابية الأكبر في الحراك كانت من نصيب طلاب الجامعة اللبنانية، الأكثر تعرّضاً للاضطهاد الطبقي في لبنان، حيث يأتي معظمهم من بيئة اجتماعية فقيرة، ليدخلوا إلى مكان يمثّل صورة مصغّرة عن كيفية إدارة جهاز الدولة للمؤسسات والمجتمع على قاعدة التقسيمات الطائفية، ليروا بأعينهم، لا بل يختبرون تلك العلاقات الزبائنية التي تربط الطالب منذ تسجيله حتّى لحظة تخرّجه، بزعيم طائفي أو حزب سلطوي معيّن، إضافة إلى غياب إنتخابات طلابية ديمقراطية، وعدم وجود بنية بحثية-منتجة للجامعة، ومحاولة زيادة الأقساط، والارتفاع في أسعار الكتب، وقمع أي حركة مستقلة عن الأحزاب المسيطرة، وتزايد في نسبة العاطلين عن العمل من المتخرّجين، إلخ. كلّ تلك المشاكل تجعل من طلاب الجامعة اللبنانية في كل الفروع، ضحايا المنظومة القائمة، لذلك كان تعبيرهم عن رفض هذا الواقع الأكثر راديكاليّة في الحراك، إمّا عبر الهتافات أو خلال مواجهتهم لقمع القوى الأمنية بأجسادهم، مع أبناء طبقتهم الذين أتوا من أفقر المناطق اللبنانية. لكنهم، في الوقت عينه، يواجهون صعوبات يمكن أن تعطّل حركيّتهم، فهناك ضغط يصل بعض الأحيان إلى تهديد من قبل التنظيمات الطائفية المسيطرة على الجامعة لمنع الطلاب من المشاركة لأنّها تخشى أن يتحرّر هؤلاء من التبعية، فأي حراك مستقلّ يشكّل ضربة مباشرة لمصالح تلك التنظيمات. لذلك هناك تخوّف عند بعض طلاب الجامعة من قدرة المنظّمين في الأحزاب المسيطرة على إعاقة مستقبلهم العلمي والعملي، أو حتى من اعتداءات ميليشياوية يمكن أن تحصل. لكن رغم ذلك، لا يزال الطلاب عازمين على استكمال مهام الحراك الشعبي، فكما ضحّى الرفيق فرج الله حنين بحياته من أجل تأسيس الجامعة اللبنانية، طلابها اليوم يضحّون بكل شيء من أجل إسقاط النظام الذي خلق أزمة الجامعة ذاتها.‬‬

لمشاركة الطلاب أهميّة على كافّة الصعد، لكن الفكرة الأبرز هي أنّ معظمهم من جيل ما بعد الحرب الأهليّة، لذلك الصراع أيضاً يأخذ منحى آخر، بين القديم والجديد، بين من ذبح وقتل وجزّر لحماية منظومة النهب القائمة وبقي جزءا من السلطة السياسية بعد الحرب٫ وبين من يريد أن يقضي على نهج جيل ما قبل الحرب الذي يمارس حكمه الطبقي لكن بطريقة أكثر 'توافقية'. بين من يهمّه إبقاء الجامعة اللبنانية وطلابها في بؤرة بائسة لمصلحة دكاكين التعليم الجامعي الخاصّ وبين من يريد تطوير التعليم الرسمي وتحرير الجامعة من محتلّيها الفاسدين، بين من يريد تأبيد العلاقات العشائرية والطائفية لتمرير مشاريع النهب مثل الخصخصة وغيرها، وبين من يريد بناء دولة العدالة الاجتماعية والمساواة والعلمانية.‬

هذه هي معركة الطلاب اليوم. هم وحدهم من يقدر، إمّا على قتل الحراك- إذا تموضعوا في بلوكات طائفية نتيجة الضغوطات، أو خضعوا لرغبة العائلة "المقدسة" بالتراجع والقيام بدور المشاهد فقط-، وإمّا على الدفع نحو مراحل أكثر تقدما من الصراع حيث يصبح الحراك بكلّ مكوّناته في موقع قادر على انتزاع حقوق الناس من الطبقة الحاكمة بالقوّة، بعد قطيعة شاملة مع السلطة، وبالتالي تنتقل السلطة الفعلية، كما حدث في أوروبا عام 1968، إلى الشارع المشتعل، بطلّابه ومثقفيه ونقابييه وعمّاله وموظّفيه ومناضليه وفنانيه.‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا