عن العمليات الإرهابية الأخيرة في السعودية

نشر في‫:‬الثلثاء, تشرين ثاني 10, 2015 - 12:42
http://ranajarbou.blogspot.com/
الكاتب/ة: نضال فرح.

منذ أن نفذت مجموعة إرهابية اعتداءً على إحدى الحسينيات في قرية الدالوة في الإحساء سقط على إثره 8 أشخاص وأصيب 9 بجروح، حدثت سلسلة من العمليات الإرهابية كان من ضمنها تفجير مسجد الإمام علي في القديح شرق السعودية في 22 أيار/مايو واستشهد فيه ما يقارب 21 شخصاً، تلاه تفجير مسجد العنود في 29 أيار/مايو استشهد في هذه العملية 4 أشخاص  وأصيب العشرات، ثلاثة منهم كانوا من كوادر الحماية الشعبية المعنية بحماية المساجد وتفتيش المصلين والتي تأسست بعد مجزرة القديح، لقد افتدى الشباب بشجاعة بقية المصلين بأرواحهم ومنعوا وصول الإرهابي الذي كان متنكرا بزي نسائي من الدخول الى المسجد فسارع الى تفجير نفسه بهؤلاء الشبان!

تلا ذلك اعتداءً مسلحا على جمع من الشيعة أثناء ممارستهم لشعائر عاشوراء في مدينة سيهات، استشهد في هذا خلاله 5 أشخاص من بينهم طالبة الطب بثينة العباد.

وفي 26 تشرين الأول/أكتوبر حدثت عملية ارهابية في مسجد للطائفة الاسماعيلية في مدينة نجران جنوب السعودية، استشهد فيها شخصين وجرح العشرات. مما لا شك فيه بأن جميع تلك العمليات الإرهابية تحمل بعدا طائفيا واضحا!

في تلك الأثناء استهدفت الاعتداءات الإرهابية رجال امن في عدة مدن منها: عرعر والطائف والرياض و مدن اخرى. 

بعد العمليات الارهابية، نظمت العديد من المسيرات الحقوقية التي  تدين العنف والإرهاب، وكان الحضور والتنظيم في أعلى مستوياته وتكلل بحشد جماهيري أطلقت خلالها هتافات منددة للتحريض والطائفية. بالإضافة إلى ذلك، حظيت حادثة العنود بتفاعل مختلف عبر الأعلام المحلي والأجنبي، الذي سلط الضوء على بطولة الشبان الثلاثة ومن بينهم محمد الأربش، خرج بعدها تشييع للشهداء يعتبر الأكبر في تاريخ المنطقة، حيث وصل عدد المشيعين بعد كل حادثة الى  نصف مليون جابوا الشوارع. 

تداعيات العمليات الإرهابية 

إن العمليات الإرهابية ليست بجديدة على الواقع المحلي، و لم يخرج شبح الارهاب إلا من واقع أزمة اجتماعية كانت السلطة مسؤولة عنها في المقام الاول. كما أن العمليات الارهابية التي جرت في السابق  كانت نتيجة متراكمة اشتعل فتيلها إثر عدة ازمات: حقبة حرب الخليج، وأزمة 11 أيلول/سبتمبر، ومرحلة الربيع العربي. 

لقد هزمت الدولة الإرهاب عبر معارك ميدانية وتفجيرات واعتقالات منظمة. منذ حرب الخليج في التسعينيات مرورا بأعوام 2003 وهو العام الذي حدثت فيه تفجيرات المجمعات السكنية في الرياض والتي كان يقطنها أجانب وغربيون، وصولا إلى العام 2009 حين جرت محاولة اغتيال محمد بن نايف على يد عبد الله طالع العسيري الذي كان يشكّل الرقم 85 على قائمة المطلوبين أمنيا، تلك الحقبة الدموية خرج منها مساعد وزير الداخلية السابق كأهم قيادي بوليسي استطاع ان يحمي السلطة والشعب ويدحر الإرهاب، فعليا، تاريخ البطولات هذا هو ما مهد الطريق للمساعد الصغير للوصول إلى هرم السلطة حاليا وهي ولاية العهد، من هنا تتبنى آلة الإعلام الرسمي اليوم شعارا هو "الإرهاب خرج من قبره ليعود إلى قبره" في إشارة إلى بطولات بن نايف التاريخية وفي تأكيد على أن الرجل سيهزم الإرهاب مرة أخرى.

إن السلطة التي واجهت الإرهاب مارست في نفس الوقت إرهابا آخر ضد مختلف النشطاء والاصلاحيين بحجة محاربة الإرهاب، فاعتقلت الأبرياء واصدرت بحقهم أحكاما وحشية، فخرج بعضهم من السجون وبعضهم لا يزال منسيا ومغيبا فيها فـ"لغة محاربة الإرهاب لطالما كانت الخطاب الأكثر استسهالا لدى كل كتلة حاكمة تريد الدفاع عن سلطتها". (باسم شيت) 

إن الارهاب هو الابن الشرعي للطبقة الحاكمة، لكنه في ذات الوقت، هو الابن العاق الذي خرج من بين أيديها! هو نتيجة عمل الطبقة الحاكمة التي غذت الكراهية عبر تقسيم المجتمع، وكل ذلك الخراب هو ارتداد مضاد لمنظومة القمع والظلم الذي لا وجود له من دون دولة تغذيه! 

وعبر الإعلام خرج البعض ليلقي اللوم على دول خارجية كإيران، والبعض الآخر استهدف تيارات سياسية سنية واتهمها بأنها مصدر الإرهاب. لكننا لو نظرنا إلى التاريخ بدقة سنجد أن الكيان الحقيقي الذي ساهم في نشأة الارهاب هو الحلف السياسي المتمثل بالقوى الامبريالية وحلفائها في المنطقة – نجد ذلك بصورة واضحة في تاريخ بعض الارهابيين الذين تعرضوا للعنف والتعذيب في السجون، أو كما حدث مع مظاهرات التسعينات التي نظمتها تيارات مختلفة وحاربتها الدولة واعتقلت كوادرها و زجّت بهم في الزنازين، وعندما خرج بعض هؤلاء انخرطوا في العمليات الارهابية التي جرت بين عامي 2003 و2008. 

إن سياسة العقاب الجماعي والحرمان من الحق بالتعبير والحق بالاحتجاج، ساهم في نمو اليأس الذي يتم توظيفه على يد تنظيمات ارهابية استهدفت (وتستهدف) الدولة والمواطنين الآمنين. 

فكما ان السياسات العنصرية والاستعمار هما من أنتجا الإرهابي جون – مواطن بريطاني في تنظيم داعش في العراق، أيضا السلطات السعودية هي من أنتجت الإرهابي الشمري، وكلاهما نماذج خرجت من السجون السياسية، الدولة هي من غذّت الارهاب عبر الاحتقان والعنف المنظّم و التعذيب في المعتقلات وغسل الادمغة والارهاب الديني في المناهج الدراسية ودعم التحريض في القنوات الرسمية!  

اثناء زياره لمحمد بن نايف لضحايا العملية الإرهابية في مستشفى القطيف المركزي، دار حوار بينه وبين أحد اقارب الضحايا حيث قال له المواطن "اذا كانت الحكومة لا تقوم بدورها فهي شريكة في هذا الجرم"  فرد عليه الأمير وقال "الدولة تقوم بدورها واي احد سيحاول القيام بدور الدولة سيحاسب"، وبالفعل بعد ذلك بيومين اعتقل رئيس اللجان الشعبية في القطيف، ولاحقا جرى محاكمة أفرادها، وهذا ما يكشف ازدواجية الدولة وطائفيتها عبر خطاب الإعلام الرسمي والذي رفع شعار "المواطن هو رجل الأمن الأول" بعد تفجير العنود!

لقد دعا محمد بن نايف في خطابه بعد حادثة القديح إلى "أن نكون يدا واحدة مع الدولة" حيث تم لاحقا وصف شهداء اللجان الشعبية بشهداء الواجب في محاولة لاختطاف القوة الشعبية التي مارسها التنظيم الذاتي لحماية المصلين من الهجمات الإرهابية، في معركة لم تشارك فيها القوات الحكومية، إلا أن إعطاءهم هذا اللقب ليس لشيء إلا لضرب حركة الجماهير واستبدالها ببرنامج الخيبة العسكرية الذي لم يستفد منه الشعب سوى عبر الاعتقالات المنظمة وابتزازه في نقاط التفتيش والقمع والقتل في الشوارع. ليسوا حتماً "شهداء واجب، فوسام الشجاعة لا نحتاجه من السلطة التي مارست التنكيل بحق الشعب، وهي نفسها السلطة التي مهّدت لخروج الإرهاب والآن تستيقظ على دوي انفجارات لسياسة لم تعد قادرة على احتوائها!

العوامل التي مهدت للحركة الإرهابية الأخيرة 

لقد ساهمت الطبقة الحاكمة السعودية في خلق الشروط الاجتماعية والسياسية لانتعاش الإرهاب عبر التمويل والدعم بشكل معلن وغير معلن لمختلف فصائل الثورة المضادة وتسليح جماعات دينية متطرفة لهدف تأمين مصالحها على خارطة المحاصصة الأقليمية لأن "العقاب التاريخي يفلت المخلوق من خالقه، وينقلب عليه، فإن الخالق هو ذاته وحشي. شخصية فرانكشتاين ليست هي الوحش، بل الرجل الذي خلق الوحش انطلاقا من قطع جثث، ففرنكشتاين زماننا هذا كان يعرف تماما انه بجمعه عناصر ناتجة من تفكك مجتمعات اسلامية متنوعة كان يخلق وحشا ويغذيه". جلبير الأشقر، صدام الهمجيات 

محليا، انتهجت الدولة ممارسات بوليسية صارمة تمثلت بالمزيد من القمع والاعتقالات، وعمدت لانعاش وتكريس الطائفية بمختلف أشكالها، ففي ذات الفترة التي دعمت فيها الدولة الفصائل الجهادية تم اقالة وزير الثقافة والإعلام المحلي، عبد العزيز خوجة، عندما أصدر قرارا بإغلاق قناة "وصال" الطائفية بعد حادثة الاعتداء الإرهابي في قرية الدالوة. كما صوت مجلس الشورى بالأجماع في حزيران/يونيو الماضي  على رفض المطالبة بسن قانون لتجريم الطائفية على اعتبار أن النظام الأساسي للحكم يرفض التمييز الطائفي والمذهبي 

سعت الدولة وما زالت إلى اجهاض الثورات الشعبية بكل الطرق عبر دعم الأنظمة الرأسمالية والقوى الرجعية المضادة للثورة، فالنظام السعودي الرجعي هو قائد الثوره المضادة والأب الروحي لها!  

الخلاصة

إن شواهد التاريخ والمراحل النضالية التي مر بها الشعب تستوجب التعلم منها، وهي بصيص أمل لمجتمع ينتفض على نظم الاستبداد  فخروج المئات للتظاهر في مدينة جدة  عام 2011 احتجاجاً على سوء حال البنية التحتية التي أدت إلى كارثة السيول، و مظاهرات 5 شباط/فبراير من العام نفسه والتي تظاهرت فيها أكثر من 40 امرأة من ذوي المعتقلين السياسيين أمام مقر وزارة الداخلية السعودية في العاصمة الرياض، وانتفاضة المساجين في الحائر عام 2012، وعام 2013 وصل عدد المعتصمين الى اكثر من 200 متظاهر امام الداخلية رجالا ونساءً، وتظاهرات القصيم في نفس العام، وصولا إلى انتفاضة القطيف واندلاع الحراك الثوري الذي سقط فيه 27 شهيدا. 

إن الحراك الثوري ضد الطبقة الحاكمة وسياساتها هو رأس الحربة لمواجهة مخاطر الإرهاب، فبقاء هذه الطبقة هو السبب الجذري لإعادة انتاج منظومة الإرهاب والاستغلال والظلم، ان ذلك يثبت لنا بأن عدونا واحد وهو عدو منظّم، ويجب أن ننظّم أنفسنا بكافة انتماءاتنا لمواجهته. أما اليوم فنقول:

نريد كامل حقوقنا، نريد الحرية الدينية وحرية التعبير، نريد رفع التمييز الطائفي، نريد توزيعا عادلا للثروة، نريد عدالة اجتماعية، ولن ننسى المطالبة باطلاق سراح المعتقلين والنشطاء والمنسيين، نحن نواجه الدولة وسننتزع هذه الحقوق لاقتلاع جذور العنف والإرهاب الرسمي والديني!