"حاج" الباصات اللبناني والسائقون السوريون: العنصرية كسبيل للانتفاع الاقتصادي

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 13:19
الكاتب/ة: لميا مغنية.

لم يعد خفيا على أحد، ارتفاع حدة العنصرية في لبنان، تجاه "السوري"، لاجئا كان أو عاملا. حتى يكاد اللبناني لا يفرق بينهما فيما يخص الحقوق، الحاجات الانسانية، والمعاناة السياسية والاقتصادية. في الآونة الأخيرة، كثرت المقالات والتقارير الصحافية التي تشدد على ضرورة التنبه للخطر السوري في لبنان. لا سيما ذلك الذي يتعلق بالضغط الاقتصادي الذي يعاني منه العمال/ات اللبنانيون/ات جراء التنافس مع اليد العاملة السورية. هذه المقالات، صوّرت اللاجئ على أنه المستفيد الوحيد والأساسي من السوق اللبنانية؛ وفي الوقت ذاته على أنه محتكرها أيضا. وبات السوري المنافس الحذق الذي  يستولي على وظائف اللبنانيين وأرزاقهم. من هذا المنطلق، تصبح العنصرية مبرّرة أو على الأقل مفهومة. فبرأيهم إنها دلالة على معاناة اللبنانيين الاقتصادية والاجتماعية بسبب "وطأة النزوح السوري". 

القراءات الصحافية تفترض أنّ العنصرية، هي ردّة فعل طبيعيّة على وضع غير صائب وتناشد "المجتمع الدولي" والدول المانحة لايجاد حلول لهذا الوضع. إحدى هذه المقالات، تقرير "يكشف" أن المتضرر الاول من اللجوء هو العامل السوري ذاته. فاللاجئ ينافس العامل ويستولي على رزقه. وهكذا تصبح القضية مسألة داخلية بين "حقوق" العامل السوري، المستباحة من قبل اللاجئ، واحتكار الآخر لدور العمال السوريين في السوق اللبنانية. 

أود أن أقترح قراءة مغايرة للوضع الاقتصادي و"الانتفاع السوري"، تضع هذه الظاهرة في شاكلتها الحقيقية، وذلك عبر مشاركة بعض القصص عن نقليات الباص في بيروت وعن "حاج" الباصات، وسائقيه السوريين. 

كل من يستعمل الباص للتنقل في بيروت، قد التقى أو سمع بـ"الحاج". من دون أن يعرف فعليا من هي هذه الشخصية وماذا تمثّل. وأيضا يمكنه الملاحظة بسهولة أنّ جميع السائقين اللبنانيين قد استُبدِلوا فجأة بسائقين سوريين. 

**

تعرّفت على "الحاج"، كمفهوم اقتصادي لاحتكار واستغلال اليد العاملة السورية واللبنانية. وذلك على مراحل متعددة من ركوبي الباص. أدركت خلالها مدى سيطرته الاقتصادية على النقليات المشتركة في بيروت. لا سيّما بعد ان أطلقت الدولة باصات النقل المشترك (١). 

المرة الأولى التي سمعت فيها بـ"الحاج"،  كان يوم بدأ الحديث عن زيادة سعر تذكرة الباص من 500 إلى ألف ليرة. كان الركاب يسألون السائق مستفسرين:

- "عمو؟ عن جد حتغلّوا سعر الباص ويصير ألف؟"

- "ما بعرف عمو، حسب "الحاج".. "الحاج" بعد ما قرّر".

 ويظهر "الحاج" مسيطراً أيضا على جدول انطلاق وتوقف الباصات في محطاتها المتعددة: 

- "مطوّلين لنمشي عمو؟" 

- "انا ناطر "الحاج"...بس يقلّي امشي بمشي"

فبدا "الحاج" لي يومها، كشخص مجهول لامرئي يدير الباصات من حيث لا أحد يعلم. 

***

عطلة

أخذت الباص من محطة الحمرا للذهاب إلى الكولا. انتظرنا أنا والسائق من دون أن يكون هناك أي راكب غيري. الجدير بالذكر هنا، أن السائقين السوريين الذين يعملون لدى "الحاج"، رواتبهم متدنية جدا.

- "عمو حتروح فيني أو خلص بلاها؟"

- "لأ أكيد ح آخدك، ما في حدن اليوم لأنه اليوم عطلة. إنتِ معطّلة اليوم؟ 

- ….

- انا ما عطّلت. كان بدي عطّل بس "الحاج" قال لي روح اشتغل ح يكون في ركاب كثير، روح ومنشوف. طول النهار ضليتني اسأله شو يا "حاج"؟ بوقّف؟ باخد عطلة؟ يقللي لأ لأ خليك. اليوم قلت لحالي انه في عطل لكل الناس، بس مش كل الناس بيطلعلها عطلة. ناس بيطلعلها تعطّل وناس لأ. دقولي اولاد بنتي على التلفون اليوم وقالولي "جدو تعا! جدو اليوم عطلة تعا عملنا كزدورة!".. قلتله لـ "الحاج" بس ما سمحلي.. كان واعدني بالعطلة.. وعدني..."

- "عمو انت ما بتعطّل أبدا؟" 

- "لأ يا عمو ما عندي عطلة، بضلني بهالباص رايح جايي. عندي 7 بنات، 2 منهم هون ببيروت والبقية بالشام… ما بشوفهم"

- "ما بتزورن ابدا؟"

- "عمو آخر مرة رحت على الشام قعدت أكثر من 14 ساعة على الطريق. المسافة بين بيروت والشام صارت كبيرة. بعيدة كثير الشام عن بيروت.... بعيدة كثير يا عمو".

باص رقم 24: وطن وأمل وتآخي رغم أنف "الحاج" 

يصعد الركاب من جميع الجنسيات والطوائف. يعرف معظم الركاب، لا سيما السوريين منهم، السائق. يحيّونه ويجلسون جنبه ثم يجول نظرهم إلى الركاب الآخرين في الباص : "انت كمان من سوريا؟ انا كمان! وإنتِ كمان؟ والله هلق بعدني راجع من سوريا... أنا من تلكلخ، وين عايش هون؟ خليها علينا شباب.. إنتِ… إنتِ أكيد لبنانية!!" ضحك ودردشة في الباص. قليل من الأمل والتآخي والوطن. سائق الباص السوري من ألطف السائقين الذين مروا على الباص رقم 24. يبطئ الباص عن قصد وأحيانا يوقفه لينتظر ركاب يعرف دوامهم ويعرف أنهم سيتأخرون عن عملهم إذا انطلق. إذا عرف "الحاج" بذلك سيقتله بالتأكيد.  

عند محطة البربير أخيرا، تعرّفت على "حاج" الباصات. لو كان هناك تجسيد واقعي ونظري للإثراء السريع عبر استغلال يد العاملة واحتكار السوق فهو "الحاج". رجل في العقد الخامس أو السادس من عمره، سمين جداً، شعره الأبيض مصبوغ باللون الاسود القاتم. يجلس حاملا دفترا كبيرا يسجل فيه كل ألف ليرة تصله من السائقين ويرمق الباصات وسائقيها بنظرات مرعبة.

- "تعا لهون ولييه!!" يصرخ في سائقنا، فيخرج من الباص ليتكلم معه. "قدي الحساب؟! بس هلقد؟!" يصرخ مجددا. 

رجع السائق إلى الباص، وجلس ينتظر إشارة "الحاج" للانطلاق. جلست خلفه سألته في صوت منخفض: "عمو، دخلك هيدا "الحاج"؟" التفت إليّ متفاجئا أنني أعرف ماذا ومن هو "الحاج"،  وبابتسامة صفراء منكسرة على وجهه: "ايه عمو. شفتِ ؟ شفتِ على آخر الزمن هالأ$%#$%ر بقللي "ولييه"؟

- "ايه ما شكله شكل "حاج" أقول له ونضحك سوياً بصمت.

- "دخلِك في عطلة اليوم؟"

- "لأ بس شوب كثير و في إضرابات."

- "انا ابني صرلو مأضرب 20 يوم...مش جريمة هاي؟ وعم ادفع 100 دولار للمدرسة بعدني"

- "منيحة مدرسة ابنك عمو؟"

- "ايه عمو منيحة. انا ابني بيطلع الاول بمدرسته!"

- "برافو عليه شاطر! الله يخليلك اياه". 

التفت اليّ السائق وقد تغيّر وجهه، ابتسمت عيناه عندما هنأته بنجاح ابنه في المدرسة. فهمت وقتها أن استغلال "الحاج" للعمال واهانته لهم أقل أهمية من نجاح ابن السائق في مدرسته الجديدة في لبنان.

جحش الدولة،"الحاج" واحتكار السوق اللبنانية

بعد استقصاء مطوّل، قررت الالتحاق بباصات الدولة والاستغناء عن باصات "الحاج". ذهبت الى المحطة الأساسية التي تقف فيها باصات الدولة للاستفسار:

- "من وين فيني آخد باص النقل المشترك من كورنيش المزرعة؟ ليش ولا مرّة بوقّف لي الباص على كورنيش المزرعة؟"

- "ما معقول. هوي بيمرق من هونيك".

- "كيف فيني آخده؟ ولا مرة بيوقّف لي".

- "بيكون نازل على البحر. هيدا خط البحر".

- "معقول  ما بوقف عشان الباصات الثانية يللي بيملكها "الحاج"؟ 

- "اااه ايه.. ما هوي النقل المشترك مخانق مع "الحاج" فما بحب يزعّله. يعني بيضربوهم للسواقين تاعول باص الدولة وبيكسّروا الباصات إذا وقّفوا على محطاتهم. مرة ضربوه للشوفور… بس بس يصير في دولة وحكومة بيمشي الحال".

- "ليصير عنا دولة بصير فيني اطلع بالباص؟!!؟ مش معقول يا عمو!! كيف فيني اطلع بباص الدولة"؟

- "انا بقلك كيف. ما عندك الا هيدا الحل. بتوقفي حد إشارة المرور وبس يجي الباص وتكون الاشارة حمرا بتنطّي بالباص".

العنصرية ضد السوريين: من يحتكر ويستغل العمال؟

يصر الخطاب اللبناني على تجاهل المستفيدين والمحتكرين الأساسيين للسوق الاقتصادية بعد اللجوء السوري. أولئك الذين يستغلون العمال سواسية للإثراء السريع. فلا تظهر القراءات المتراكمة عن "سيطرة السوريين على سوق العمل" في الاعلام اللبناني في هذه الحال إلا كتبرير آخر للعنصرية تجاه السوريين.

--

(١) تجدر الإشارة هنا إلى ان باص رقم 24، كما باصات "الحاج"، هي باصات خاصة وليست تابعة للدولة. 

--