العنصرية تجاه اللاجئين: معقل اليمين اللبناني نموذجا

نشر في‫:‬الثلثاء, كانون الثاني 6, 2015 - 18:00
بكلامكَ تتكلم وبكلامكَ تُدان | منير الشعراني
الكاتب/ة: باسل ف. صالح.

‫اتحفنا السيد "حسين حزوري" في "جريدة النهار" بمقال عنصري تحت عنوان "الحمرا ما عادت لبنانية... التوسّع السوري غيّر هويّتها"، وهو لا يقف في نصه على  مستوى عنصري فقط، بل يتخطاه إلى مزيج متداخل من العنصرية والفاشية والبرجوازية واليمينية المتطرفة. وهو بالمناسبة، مقال يعكس وجهة نظر الصحيفة إياها، إذ أنها ليست المرة الأولى التي تنشر شيئاً كهذا، بل يمكن القول إن جريدة النهار هي رأس حربة التوجه اليميني العنصري اللبناني. ‬

‫أما بعد، فإن النقاش في التوجه العام العنصري للمقال هو نقاش بلا طائل، وهو مجهود لاثبات شيء لا يحتاج إلى اثبات أساساً. لذلك، لن ندخل في نقد المقال لما يحتويه من معايير ومقولات عنصرية، بل سنحوّل الكلام الى قراءة سياسية، بما أن المقال يحمل من التحيّز الطبقي الذي هو نقطة ارتكاز الكاتب أساساً، والذي أتى على لسان وزير السياحة ميشال فرعون حين تناول بعض اللاجئين السوريين "المرفهين الذين يقدمون اداء مرتفعاً في خدمة لبنان، وقد لا يصنفون في خانة اللجوء". ‬

‫لذلك، كان يمكن للكاتب أن يبدأ من الجملة الأخيرة من المقال، أو تلك التي تتوسطه، بعد أن يقلّب النظر مطولاً، ليقلب الآية بالتمام والكمال. فكان حري بالسيد "حزوري" أن يبدأ بالجملة التي قالها المواطن السوري نور: "السوريين كل ما يتمنونه هو السلام، وليعم السلام لنعود إلى بلادنا ونترك لبنان لأهله، لأن هذا البلد تحمّلنا بما فيه الكفاية". أو تلك التي قالها الطالب السوري باسل نويلاتي "إن الوجود السوري الكبير في الشارع يريحه ويعوّض عليه لوقت معيّن مآسي الحرب والتهجير، ويتمنى أن يعود الأمان الى بلده من أجل العودة إلى الديار وتخفيف العبء عن كاهل اللبنانيين". ‬

‫إن الإمعان في هاتين الجملتين كافٍ لدحض المقال بأكمله، إذ أن السوريين الذين اتوا إلى لبنان لم يأتوا طمعاً بجنسية هذه الدولة، ولا بالانتماء اليها، ولا بالسيطرة على مقدراتها، كما فعل النظام السوري بالسابق. بل اتوا الى لبنان هرباً من خطر أعظم وهو خطر الموت. وإذا ما كان الكاتب، أو الجريدة، يريدون رد الصاع صاعين لما عاناه لبنان من النظام السوري، فليكن في دعم الثورة الشعبية التي قامت على النظام، ليس من خلال دعم المجموعات المتطرفة من داعش والنصرة وغيرها من القوى الاسلامية المتطرفة طبعاً، بل من خلال التركيز على القضايا الطبقية وعلى التيارات الديموقراطية والثورية من الشعب السوري، تلك التي عادت لتؤسس نفسها من جديد لمواجهة كل من النظام ومن المجموعات المتطرفة على السواء. ‬

‫وعليه، فإن ما قاله كل من نور وباسل في جملتيهما يحوي ما لا يمكن شرحه في كل صحف العالم. لربما هي جمل قصيرة جداً، لكن فيها من الوعي السياسي والاجتماعي ما لا تستطيع كل الصفحات الصفراء البالية احتوائه على مدى عشرات السنين. فالسلام هو ما يريده الشعب السوري ممثلاً بنور وباسل، لكنه السلام على قاعدة سقوط النظام والقوى الفاشية الاسلامية الأخرى، لا بل على قاعدة العدالة الاجتماعية والحريات وعلى قاعدة المواطنة والديموقراطية والتعدد، خصوصاً وأن عدد من تهجّر من سوريا في فترات الثورة الأولى، يقارب عدد من تهجّر منها خلال فترة سيطرة القوى المتطرفة على العديد من المناطق. وهذا يوضّح مدى التشابه بين الاثنين، فداعش والنصرة هما الوجه الآخر للنظام، وهما النتيجة المنطقية، غير المستحبة، والمكروهة، للممارسات الوحشية التي قام بها. ‬

‫نصدّق نور وباسل عند قولهما إن الشعب السوري يريد السلام والأمان، وإنهما يريدان الانصراف عن هذا البلد لبنان حينما تنتهي دوامة العنف في سوريا، أي حينما يسقط النظام أولاً، والقوى المتطرفة ثانياً. فالشعب السوري، والذي كنا نشاهده في ورش البناء، وفي اماكن العمل ما قبل عام 2005، كان يأتي للعمل في لبنان في ظل الهيمنة السورية، حيث أسس النظام السوري والطبقة الحاكمة في لبنان مشروعا سياسيا اقتصاديا اجتماعيا كاملا متكاملا، وفي الوقت عينه تخلى عن الجولان في السر، بالقدر الذي سمح بالهيمنة على لبنان بالعلن مع حلفائه فيه. ‬

‫ومن ناحية ثانية، وبعيداً عن منطق السلب في قراءة الأمور، فإن العامل السوري الذي كان يأتي الى لبنان، لم يكن مرتاحاً على وضعه كما يحب البعض أن يصور، إذ ليس هناك من عامل او مزارع او فلاح يحب الابتعاد عن ارضه واهله من اجل حفنة من الاموال. لا بل ان هذا العامل يفضّل أن تكون ظروفه في سوريا أرحم لكي يعمل هناك، ولكي يمكث في أرضه، ويبني بيته، ويعيش قرب أحبابه وأهله وناسه. ‬

‫ودون الاطالة، نذهب إلى وجه آخر للمقال يصوّر ان الحمرا، كغيرها من المناطق اللبنانية، لم تعد للبنانيين، لا بل لم يعد من الممكن تبيّن ملامحها في ظل هجمات "العنصر" السوري وقبله "الفلسطيني" ذي البشرة "السمراء" اليومية. فنسأل الكاتب نفسه: هل زرت الوسط التجاري في لبنان؟ هل تبيّنت ملامح زواره؟ هل نظرت الى الاعلى قليلاً وشاهدت الشقق والابنية؟ هل كتبت عن هذا الامر يوماً؟ هل كتبت أن بيروت "البلد" لم تعد للبنانيين، بل أتى المشروع النيوليبرالي ليقضي على ما تحمله من تراث شعبي ينعكس في تحولها من سوق شعبي الى سوق برجوازي لا يمكنك ان تقطنه أو تحتسي فنجان القهوة فيه؟ ‬

‫ولاحقاً، نسأل الكاتب، هل كنت تسهر في حانات الحمرا فعلاً؟ هل تسهر الآن؟ لأن ما قلته غير صحيح اطلاقاً، فهذا الشارع كان، وما زال، يحوي في الليل أكثر مما يحوي في النهار. ولنقل أنك زرته وتزوره، ألم تزعجك سحنة المواطن السوري في اماكن السهر اللبنانية بامتياز، أم أنك وفي مثل هذه الاماكن تحتسي الكثير من الكحول مما يمنعك من التركيز الا على المتسوّل، وتغيب انماط الحكم العنصرية عن غيره لديك؟ ام ان الموقف اليميني العنصري لا ينزعج إلا من رؤية وتمييز الغرباء أولاً، وفقراء الغرباء ثانياً، دون الكلام عن الطبقة البرجوازية التي لا مشكلة معها لأنها تعكس "تقدّماً" حضارياً وانسانياً استهلاكياً واقتصادياً لا يثقل نظرك؟ ‬

‫وأخيراً، يمتد الكلام ليتطرق الى السؤال الفصل وهو: لماذا ترمي هذه القراءات المشكلة في وجه الاخر دائماً؟ فبعد الموقف العنصري من الفلسطينيين، ها هي تضع المشكلة في وجه السوريين، وستضعها في وجه أي كان لتبعدها عن طبقة سياسية برجوازية طائفية ناهبة للبنان ولمقدراته وقامعة لشعبة في نظام طائفي عنصري يتحول الى مذهبي.

لذلك، نسأل السيد "حزوري" هل كان لبنان قبل العام 2011 على خير ما يرام؟ هل كان قبل العام 2005 على خير ما يرام؟ هل كان في الفترة الممتدة بين 1975 الى عام 1990، وبين ال 1923 الى 1975 على خير ما يرام؟ هل كانت المعارك الطائفية 1840 و1860 في لبنان بسبب الآخر؟ وعليه، لماذا ينكر هؤلاء أن الازمات الاقتصادية الاجتماعية السياسية التي نعانيها في لبنان سببها هذه الشلة الحاكمة؟ ولماذا يتناسون أن الازمة هي هنا، في هذا النظام نفسه، في شكل الدولة اللبنانية نفسها، وفي طبقة سياسية مهيمنة تقضي على كل ما يمكن أن يكون خيراً، فتحوله الى مجرد رقم في حساباتها المصرفية في لبنان والخارج على السواء؟ وأن هذه الطبقة نفسها حليفة النظام السوري البرجوازي في السابق، ومنها الحليف و"العدو" للنظام السوري في الحاضر، هي سبب المشكلة نفسها، وهي سبب مشكلة ما نعانيه في لبنان بمعزل عن الآخر وبمعزل عن القوى الخارجية؟ هل نسي السيد "حزوري"، ومن يصفق له من العنصريين، أن ازمة الهجرة تطال اللبنانيين منذ البعيد البعيد، وأن عدد اللبنانيين الذين هجروا ويهجرون، شارع الحمرا أم غيره من المناطق، وبمشروع اقتصادي سياسي طبقي كامل متكامل يدعو الى السفر وتجميع رأسمال يسمح بفتح مشروع اقتصادي في لبنان لأن مقدرات الدولة لا تسمح بالعيش الكريم في لبنان، أفرغت الكثير من القرى ومن المناطق اللبنانية على دفعتين، اما بالنزوح من الريف الى المدينة، واما بالهجرة من لبنان الى الخارج؟ ‬

‫لذلك كله، كان حري بالسيد "حزوري" ومن خلفه جريدة النهار، وضع الاصبع على الجرح، والتركيز على نقد من تدخل في سوريا لوقف سقوط النظام السوري من اللبنانيين، وذلك لسببين، أولهما: لتنتصر الثورة الشعبية في سوريا ويتم القضاء على النظام وعلى القوى المتطرفة الأخرى، وثانيهما: ليعود السلام والامان الى سوريا، ولينتهي نور وباسل وغيرهما من السوريين من سماع التفاهات العنصرية بحقهم. ‬