الحرب على اللاجئين/ات السوريين/ات: استمرار للحرب الطبقية

نشر في‫:‬الأحد, تشرين ثاني 30, 2014 - 13:28
العمل لسلافة حجازي
الكاتب/ة: باسم شيت.

في كل مرة تُذكَر عبارات كـ"هيبة الدولة" و"الجيش خط احمر"، و"الحفاظ على المؤسسة العسكرية"، وغيرها من الجمل الرنانة التي يرددها سياسيو المحاور الطائفية من داخل متاريس السلطة اللبنانية أو من خارجها، إعرف حينها أن الدولة اللبنانية، ومن خلال المؤسسة العسكرية تقود حرباً طبقية جديدة ضد اللاجئين واللاجئات والفقراء والعمال والعاملات.

ومن الضرورة هنا التنويه أن المؤسسة العسكرية للدولة اللبنانية وطبقتها الحاكمة لا تقتصر فقط على الشرطة والجيش بل تمتد الى ميليشيات وزعران الأحياء الذين يشكلون جهاز العسكر "المحلي" للسلطة اللبنانية والذين يتولون مهمة ضبط "الأهالي" ضمن قوقعات طائفية، وتحت هيبة زعامات "أهلية- محلية" تبسط سلطانها على الاحياء.

ولكن لهذه المؤسسة العسكرية بكل فروعها الرسمية وغير الرسمية دور آخر أكثر شراسة، وهو البطش والتنكيل باللاجئين/ات، والعمال/ات الاجانب، وفي وقت تشتد فيه قبضتها الحديدية التي بها تعتقل وتقتل وتدمر مخيمات اللاجئين، ترق حناناً أمام وهرة السلاح الميليشياوي الطائفي، من صيدا، الى بيروت وطرابلس، والبقاع، والجنوب. هذه المؤسسة العسكرية لم تلعب سوى دور ضابط الأمن السياسي- الطائفي. ولم تقف يوماً دفاعاً عن الشعب والناس بمواجهة المجازر الطائفية، بل تكيفت معها وتحولت هي نفسها إلى ميليشيات تساند زعامات طائفية ضد أخرى، كما حصل خلال الحرب الاهلية. ومع عودة عهد "السلم"، بعد اتفاق الطائف، اندمجت الميليشيات المحاربة نفسها في المؤسسة العسكرية "الوطنية"، وأصبحت جهازاً آخر من أجهزة الاحتواء الطبقي والطائفي، تحت ما يسمى الكوتا الطائفية في التعيين والترقيات وغيرها، كما كانت هي المنفذ الاول لقرارات حكم البعث في لبنان، حيث تحمل عقيدته بامتياز وتفاخر.

هذه المؤسسة العسكرية كانت دوماً الذراع الأيمن لحروب السلطة اللبنانية على اللاجئين، تحت غطاء "معركة وطنية" أو "معركة مواجهة الإرهاب"؛ حيث في الحالتين لا تقوم هذه الأجهزة لا بالانقضاض على الاحتلال الاسرائيلي مثلاً، ولا على الميليشيات الطائفية المسلحة، بل تقوم بتنكيل وضرب وتهجير واعتقال اللاجئين/ات، والفقراء، وما شهدناه في مخيم نهر البارد عام ٢٠٠٧، وما نشهده اليوم في عرسال هو نسخة جديدة لحرب واحدة، هي حرب النظام ضد اللاجئين/ات.

في ذلك العام، عرضت الفصائل الفلسطينية على القيادة العسكرية مساندتها للتخلص من فتح الإسلام في مخيم نهر البارد، من دون اللجوء إلى تدمير المخيم، ولكن تلك المؤسسة العسكرية أبت أن يساندها من يعرف المخيم حجراً حجراً، ولم يهدأ القصف إلا بعد تدمير المخيم بالكامل واستشهاد العديد من المدنيين الفلسطينين والجنود اللبنانيين خلال المعركة.

عام ٢٠٠٨، قام الجيش اللبناني بالتعاون مع ميليشيات الثامن من آذار في بيروت والمناطق، إلى اعادة التوازن "العسكري- الطائفي" الداخلي في المناطق اللبنانية كافة وخاصة في بيروت، وإلى "تهدئة" الاوضاع ما بين القوى المتناحرة، وبطبيعة الحال لم يعتقل أي من المسلحين التابعين للاحزاب الحاكمة.

ولا يمكن أن ننسى عام ٢٠٠٤، حين انقضت هذه المؤسسة الوطنية نفسها على الإضراب العام حينها وقتلت خمسة عمال في حيّ السلم، وهي نفسها التي قامت بضرب التحركات المطالبة بالكهرباء وقتل عدة مواطنين منذ سنوات اثناء قمعها لهذه التحركات.

ويشهد التاريخ اللبناني المعاصر عدة أمثلة لما عاناه الفلسطينيون في لبنان مثلاً، أو اللبنانيون أنفسهم، ما قبل، وخلال، وما بعد الحرب الاهلية، على أيدي المؤسسة العسكرية والامنية اللبنانية. فإلى من نسى، نذكره بإضراب مصنع غندور، والتظاهرة التي اغتيل فيها معروف سعد في صيدا، وحرب الإلغاء بين عون وجعجع، حين انقسم، ما تبقى من جيش بعتاده بين الطرفين.

هذه المؤسسة هي في عقيدتها، تعرّف الوطنية بالاحتواء الطائفي، أي أن دورها يبقى يدور في فلك التوازن العسكري والسياسي الطائفي، بلباس "وطني"، وليس مستغرباً أن تكون المؤسسة الوحيدة التي تعتبر "وطنية" في لبنان هي مؤسسة عسكرية وامنية، أي مؤسسة ركيزتها الأولى هي العنف المنظم.

فبحسب منطق النظام الطائفي اللبناني، الحكم الوطني هو نقيض الطائفية، في الواقع ليس إلا حكماً امنياً، وهو في معظم الاحيان إعلان حربٍ طبقية، مستمرة، ضد العمال والحركات الاجتماعية تارة، بكونهم يهددون السلم الاهلي، أو تارة أخرى، ضد اللاجئين واللاجئات بدعوى بناء هوية "لبنانية" تنقذهم من أزمة النظام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وأفضل وسيلة للبرجوازية، أينما وجدت، للهروب من أزمتها، هو العنصرية والأنظمة الفاشية.

وهذا بالضبط ما يحصل اليوم؛ فبسبب عدم إرادة أطراف السلطة السياسية حل مسألة الرهائن، بطريقة سياسية، أو حتى عسكرية، كما فعلوا مراراً وتكراراً مع العدو الصهيوني، أو مع الميليشيات اللبنانية، نرى السلطة السياسية والمؤسسة العسكرية تحوّل معركتها بمواجهة اللاجئين السوريين، هرباً من عجزها. ورغم أن أهالي الجنود المخطوفين أنفسهم كانوا قد كرروا مراراً أنه لا علاقة للاجئين السوريين في مسألة الخطف. وكيف تكون تلك العلاقة قائمة وهم المعتدى عليهم أولاً من داعش وأفعالها الارهابية.

وفي معرض الحديث عن هذه العنصرية نرى أقلاماً كثيرة تحاول تبرير هذه العنصرية باعتبار وجود نوع من الأسباب الموضوعية الموجبة لها، من عرض مسألة لقمة العيش والتزاحم على الوظائف وغيرها، أو إرث العلاقة اللبنانية السورية في عهد الوصاية.

ولكن، وخلال فترة حكم البعث للبنان، كانت القيادة العسكرية بشكل دائم، الذراع الأيمن لتنفيذ كل متطلبات حكم آل الاسد على لبنان، وجرى تدريب قياداتها وأفرادها على حمل والدفاع عن "العلاقة الاستراتيجية مع سوريا الأسد"، اي ذلك التحالف ما بين نظام الطوائف اللبناني، ونظام البعث الاستبدادي.

وفي معارك عرسال الحالية، وعلى إثر اختطاف الجنود اللبنانيين من قبل داعش والنصرة، تقوم المؤسسة العسكرية اللبنانية بإحراق مخيمات اللاجئين وبالتنكيل واعتقال اللاجئين السوريين على امتداد لبنان، تحت مظلة خطاب عنصري وحاقد يعتبر كل سوري هو "داعشي".

فاختراع تلك العلاقة ما بين داعش واللاجئين السوريين ليس سوى عنصرية مباشرة وواضحة، تهدف إلى التلطي وراء "محاربة داعش" لمحاربة اللاجئين السوريين في لبنان. 

واليوم كما في الماضي، تعمد السلطة اللبنانية إلى التصنيف العنصري الواضح تحت غطاء محاربة الإرهاب متناسية ومتجاهلة، واقع الأمر أن كل من داعش والنصرة ليسا تنظيمين سوريين، كما لم تكن فتح الإسلام منظمة فلسطينية، بل هي تنظيمات طائفية وتكفيرية عابرة للقوميات، وترعاها قوى إقليمية ومحلية، من ضمن الطبقة الحاكمة اللبنانية، والسورية وممالك وإمارات الخليج.

وبدل الردّ على داعش والنصرة، اللذين خطفوا الجنود، نراها تساند وتحافظ على التوازن الطائفي- العسكري والمناطقي؛ فمتطلبات "الوطنية اللبنانية"، أي تلك الهيبة التي تتمختر على أنغام الجزم التي "تدعس"، هي متطلبات استمرار هذا النظام، تحت أقدام المؤسسة العسكرية. 

ففي السنوات التي تلت العام ١٩٤٨، أي في فترة اللجوء الاولى للفلسطينين إلى لبنان، نتيجة توسع الاحتلال الصهيوني في فلسطين، عمدت السلطة اللبنانية إلى نقل مخيمات اللجوء من الجنوب إلى الوسط والبقاع وحلب (قافلة حلب توقفت في الشمال واستقرت في مخيم نهر البارد)، وإلى إدارة المخيمات بشكل أمني مباشر عبر الشرطة والجيش. ومع نشوء المكتب الثاني في عهد الرئيس- الجنرال، فؤاد شهاب، ازدادت وطأة القبضة الأمنية والمخابراتية على الفلسطينيين. ومن أهم "إنجازات" المكتب الثاني حينها هو استشهاد المناضل جلال كعوش تحت التعذيب في أقبيته.

فلم يكن هناك يوماً ضرورة للتكلّم عن "أهمية" الحفاظ على هيبة الدولة إن كان الجيش يخوض مواجهة ضد الاحتلال الاسرائيلي مثلاً، في الاحيان القليلة التي فعلها فيها، بل كان يشاد حينها ببطولته، ولكن تحضر تلك الهيبة وضرورة الحفاظ عليها، فقط، حين تكون المؤسسة العسكرية تقود حرباً طبقية شنعاء ضد اللاجئين/ات والفقراء والعمال/ات. 

أحداث عرسال الأخيرة التي أدت الى خطف الجنود اللبنانيين على يد داعش والنصرة، كانت "الحجة" الجديدة، التي استخدمتها معظم القوى السياسية اللبنانية لإعادة الاعتبار لعنصريتها القائمة أصلاً، ومحاولة توسيع امتدادها، وادخال المجتمع بأكمله في حرب جديدة ضد اللاجئين/ات.

والعنصرية هذه ليست بشيء غريب على الدولة اللبنانية، ولا على أحزابها، فمعظم الاحزاب المكونة للسلطة القائمة، بنت شرعيتها "الجديدة" على ركام المجازر والحروب الاجتماعية غير المتناهية ضد اللاجئين الفلسطينيين، وكللت عنصريتها تلك في اتفاق الطائف الذي مدد وثبّت الاجراءات التعسفية، وسياسات العقاب الجماعية بحق الفلسطينيين في لبنان.

واليوم يبدأ نظام الحكم اللبناني حرباً أخرى على اللاجئين السوريين في لبنان، التي تمتد من سياسات الترحيل، وإلغاء صفة اللجوء، وحرق المخيمات والاعتقالات التعسفية، والإذلال في التفتيش، وصولاً إلى الضرب والتعذيب وغيرها من أساليب عنفية وتعسفية.

بالإضافة إلى ذلك، تُشَن حرب اقتصادية عليهم عبر رفع أسعار الإيجارات، فضلا عن الترديد بشكل هستيري أن "السوريين يسرقون لقمة عيش اللبناني"، وإرغام اللاجئين على دفع ثمن إقامتهم الجبرية في خيم اللجوء إلى أصحاب الأراضي، والوسطاء أو سماسرة اللجوء الذين يسطون على أموالهم ومن ثم يطردونهم من أماكن لجوئهم، وغيرها من اساليب ملتوية تجعل، في كثير من الحالات، من وضع اللجوء أصعب من الحرب نفسها.

قد يستغرب البعض استخدام كلمة "عنصرية" هنا، لكون السوريين/ات واللبنانيين/ات لا يشكلون عناصر مختلفة، وقد يستهجن البعض استخدام كلمة عنصرية، أو يحاول تبريرها بأنها "ردة فعل طبيعية" في وضع كالذي نعيشه. فالعنصرية والطائفية ليسا أمراً جديداً على الطبقة الحاكمة والدولة اللبنانية بأكملها، "فالجمهورية الأولى" التي نشأت وترعرت في حضن الانتداب الفرنسي، بنيت على إرث المجازر الطائفية التي شنها الإقطاع اللبناني في حرب عام ١٨٦٠ على الفلاحين، التي شجعتها السلطنة العثمانية، واستفادت منها الكولونيالية الاوروبية، في بناء توازن طائفي وجيوسياسي في سوريا ولبنان، أمّن لكليهما سيطرة تنافسية ضمن المساحة اللبنانية- السورية. فكانت دولة لبنان الكبير، التجسيد الفعلي للطائفية التي صنعها الاقطاع اللبناني في تلك الحرب.

وبينما ينادي معظم القادة السياسيين اللبنانيين، على اختلاف مواقعهم من الانقسام السياسي اللبناني، إلى ترحيل أجزاء واسعة من اللاجئين السوريين؛ بدأ في المقابل عدد من البلديات إلى المباشرة بطرد اللاجئين السوريين خارج بلداتهم.

وفي نفس الوقت تطلق الميليشيات اللبنانية، وزعرانها في الأحياء، التهديدات وتتهجم وتضرب وتخطف اللاجئين والعمال السوريين في المناطق التي يتواجدون فيها، منفذين بذلك، (بشكل عملي) آمال زعمائهم بالتخلص من اللاجئين السوريين في لبنان.

بالإضافة إلى ذلك، وتحت مظلة وغطاء "وطني" تقوم المؤسسة العسكرية اللبنانية بكامل فروعها بالتضييق، والتنكيل، وتهجير وضرب آلاف اللاجئين السوريين من خلال المداهمات على مخيمات اللجوء، وإحراقها، وتدميرها، كل ذلك من أجل "مكافحة الارهاب". فالعسكرة، هي الملاذ الأول والأخير الغطاء "الوطني" للنظام الطائفي اللبناني. 

مع المؤسسة العسكرية يتحول العنف الطائفي والعنصري والطبقي الذي يمارسه النظام، إلى عنف "علماني" تزين في الماضي، ويتزين يومياً، بشعارات مثل"١٠٠٪ لبناني"، و"جيش، شعب ومقاومة"، و"فدى صباتك" وغيرها من تعبيرات عن هوس الجزمة، والشوفينية "الوطنية" والانحناء التام أمام مشاهد الدعس الذي تمارسه قوى الجيش "الوطني" على اللاجئين/ات السوريين/ات، كما فعل سابقاً مع الفلسطينيين/ات، ومع اللبنانيين/ات خلال الحرب الاهلية. ومشاهد الدعس تلك لا تختلف أيضاً عن مشاهد الدعس التي مارستها، وتمارسها، جزمة النظام السوري على اللبنانيين/ات والسوريين/ات والفلسطينيين/ات على حد سواء، فالجزمة لها جنسية واحدة وهي هوية "الدعس"، هي الجهاز التي من خلاله يفرض ويطبق هذا العنف الطبقي والطائفي والعنصري.

فمن مصر التي هي إحدى أهم مراكز الثورة المضادة وإلى الخليج شرقاً الى المحيط الأطلسي غرباً، مروراً ووصولاً إلى سوريا ولبنان، كانت العنصرية سلاحاً بيد الأنظمة، فما يعانيه العمال الأجانب في ممالك النفط، لا يختلف بشيء عن معاناة العمال الأفارقة في تونس أو ليبيا، وما تعرض له الأمازيغ في شمال أفريقيا ليس مختلفا عن وضع الأكراد في ظل حكم البعث، العراقي والسوري، وفي هذا الوقت من عمرنا، في زمن تتراجع فيه الثورة، أو تخمد بسيوف داعش وصواريخ التحالف الدولي، وجزمة العسكر، لا بد، في وقت تتحالف فيه الأنظمة الديكتاتورية العربية ورعاتها من الامبرياليات العالمية أو الإقليمية، من قيام تحالف ثوري مواجه لهذه الأنظمة بين الشعوب المنتفضة متخطيا وهم الفصل القومي والحدودي والهوياتي، نحو حركة تتكافل وتتضامن فيما بينها بمواجهة أنظمة القمع والاضطهاد القائمة.

---

النص أعلاه هو المقال الأخير لباسم شيت. كان رفيقنا يضع اللمسات الأخيرة عليه في ليل ٣٠ أيلول أي قبل ساعات من وفاته. تحرير ونشر هذا المقال هو عهد جديد، ودائم، لاستمرار الحياة بحلوها ومرها، وفي هذه الأيام حيث نستطعم طعم العلقم، بعد "براءة" مبارك، و"الانتصارات" التي تسجلها الثورة المضادة، نعرف ونؤكد، على الرغم من تلاقي هذه الخسارات الذاتية وغير الذاتية، أننا سنستمر بحفر الصخر بأمل بحثاً عن الأمل، ولو طويلاً. (هيئة تحرير المنشور)