‫كلمات إلى مجد‬ كيال

نشر في‫:‬الثلثاء, نيسان 15, 2014 - 17:55
تجري الرياح كما تريد لها السفن | ديالا برصلي
الكاتب/ة: وليد ضو.

‫"وهز الضابط رأسه مرتاباً وهو يبتسم ابتسامة العارف الذي لا يسهل خداعه، وقال بصوت لا يكاد يسمع:‬

‫- لم تكن الخطوة خطوة طفل…‬

- ومرة أخرى، بمثل لمح البرق، شهد أبو القاسم في عيني زياد، وهما تعبران به، ومضة تشبه الرسالة".

غسان كنفاني- العاشق

نشر غسان كنفاني هذه الكلمات عام ١٩٧٤، وبعد مرور أربعة عقود من الزمن تطل هذه الأسطر برأسها- بالصدفة أعترف- تخبرني بالرسالة عينها التي أراد كنفاني إيصالها.

لم يكن وصول مجد كيال إلى بيروت بالأمر المفاجئ أو المستهجن، ولعله لا يحمل ذنباً لأنه زار المدينة التي يحبها. ومن المؤكد أنه لا يحمل أي ذنب لـ"فعلته". 

وكيال، كما هو، وبكل طبيعية، اجتاز طرقاً ومعابر، تسمى اليوم حدوداً. حيث تظهر الأسلاك الشائكة وكاميرات المراقبة وجنود الاحتلال وجنود الأنظمة مجرد أحلام مزعجة للحلم الأبهى.

ليس في الموضوع أي تحدٍ، إنما ممارسة اعتيادية مارسها أغلب أجدادنا وحتى آبائنا وأمهاتنا، وهي لا تتوقف عند هذا الحد أو ذاك من تلك الزاوية من العالم التي نسميها فلسطين.

فلسطين التي أستحضرها اليوم في ذهني أكثر من أي وقت مضى، ويستحضرها مجد كل يوم، لم تكن تعني بالنسبة لي فقط أنها محتلة، وأن شعبها طرد من أرضه، كنت أرى فلسطين كناية عن عالم بأكمله، تكاد تختصر كل القضايا دفعة واحدة.

ولكن بالنسبة للذين يعيشون على الطرف الآخر من الحدود هنا أو في سوريا…، تحضر فلسطين كجزء من معادلة سميت زوراً معادلة وطنية أو داخلية، والأصح تسميتها بالمعضلة. والأكثر صحة أن تحقق الجزء الوازن من "أزمتها" واحتلالها هو في هذه الأنظمة التي تناور باستمرار للمزيد من التحكم بهذا الشعب. 

وكيال يعلم تمام العلم، مسألة الاحتلال وسبل مواجهته، كما يعرف أن ديكتاتور الاحتلال الاسرائيلي المفضل له اسم ووجه، وله أفعال وارتكابات. لم يتلعثم كيال يوماً عندما أراد، ويريد، القول إن: "الشعب السوري عارف طريقه". فمن داخل فلسطين المحتلة انحاز كيال بكامل جوارحه إلى جانب الثورة، وهو وجد فيها فرصة إضافية، على رغم من الصعاب والعثرات، لتحرر فلسطين.

لم يكن ذلك وهماً نراه في منام منامنا، فمجد كيال قدم خلال زيارته إلى بيروت دليلاً بسيطاً، إنما بالغ الدلالة، لطريقة مواجهة الظلم والاستغلال، لم يأبه بالتقسيمات الوطنية والجغرفية، وهو سارع إلى المشاركة في اعتصامات وتجمعات نقابية حيث عبر عن ذلك في مقاله الأخير في ملحق شباب السفير بقوله: "نُحب بيروت… لأننا لا نستطيع احتضان أخوتنا السوريين وتضميد جرحهم. لأنك تدخل اعتصام الطلبة لتخفيض الأقساط بثقة، وتشارك عمّال الكهرباء بثقة، فهم لا يمتّون للإسرائيليين بصلة". شارك وعبر عن ذلك، وهو يعلم أن الفلسطيني في لبنان محروم من حقوقه المدنية والاقتصادية والاجتماعية، والسياسية- وهذه الأخيرة ليست مجازفة خطابية "تضر بالقضية". وفعله هذا، على بساطته، يقدم نموذجاً للعمل.

قال العديد من الناس ألم يكن يعلم مجد كيال بأن فعلته هذه ستودي به إلى السجن؟ هذه المسألة لا يمكن اختصارها بهذه القضية التفصيلية، إلا أن كيال على الرغم من ذلك ليس تفصيلاً، فاللوحة التي تكون حلمنا ليست لوحة من لون واحد، فكل جزئية فيها تحدد الصورة العامة التي نرجوها.

وهي صورة أحسن كيال بالتعبير عنها في مقاله بموقع المنشور: "يكون النضال ضد الاستعمار فارغاً من المعنى ومن المضمون إن لم يتناغم مع رصد حركة المجتمعات العربيّة وتحليلها، وإيجاد السبيل للنضال الناري والثوري ضد العصابات الحاكمة في بلادنا، وضد اليمين الطائفي والقومي. وهو سبيل لا يحيد عن الصدام مع الأنظمة".

"تجري الرياح كما تريد لها السفن" عبارة تحملها اللوحة أعلاه، وهي أتت أيضاً من ضفاف المتوسط. عبارة تحمل العناد في طياتها، تتجاوز الحدود المرسومة، وتتخطاها، تسقط الاحتلال، وتسقط الأنظمة، وتقول لمجد على شاطئ حيفا: "‫لم تكن الخطوة خطوة طفل".‬