قراءة في الموجة الجديدة لليمين المتطرف في أوروبا وأسباب دعمه للنظام في سوريا

نشر في‫:‬الأثنين, كانون الثاني 27, 2014 - 09:43
من مظاهرة 2 شباط 2013 لـ«الطريق الثالث» ويظهر سيرج ايوب، الثاني من اليسار، في الصورة.(*)
الكاتب/ة: هشام الأشقر.

بدأت أخبار زيارات المجموعات الفاشية واليمينية المتطرفة إلى سوريا، من أجل التضامن مع النظام، تظهر بشكل واضح في الآونة الأخيرة، خصوصاً مع بداية السيرورة الثورية في المنطقة العربية. وكما يبدو، فإن المسألة السورية تحظى بمكانة هامة على جدول أعمال اليمين المتطرف الأوروبي. فهل من البديهي القول إن أغلبية اليمين المتطرف الاوروبي يدعم نظام الأسد ويقف ضد الثورة في سوريا؟

منذ حوالي عقدين من الزمن، أخذت عدة أحزاب ومجموعات يمينية متطرفة تنسج علاقات مع النظام السوري. فعلى سبيل المثال، يمكن ملاحظة التواصل الذي بدأ بين بعض اليمين في فرنسا وبين النظام السوري، وذلك منذ عقد التسيعينيات، حيث تتالت الزيارات التي كان أبرزها زيارة فريديريك شاتييون، رئيس المنظمة الطلابية المتطرفة «مجموعة اتحاد دفاع» (Groupe Union Défense) والمقرّب جداً من مارين لوبان الرئيسة الحالية لحزب «الجبهة الوطنية» الفرنسية (Front Nationalولقائه وزير الدفاع السوري آنذاك، مصطفى طلاس، وذلك في عام 1994. اما في العقد الأول من هذا القرن، خصوصاً منذ 2006، ازدادت وتيرة هذه الزيارات، والتي كانت تمرّ معظمها في لبنان، حيث جرت العادة أن يعقد الزائرون لقاءات مع الحزب السوري القومي الاجتماعي، حليف النظام السوري، وقد كان فريديريك شاتييون بالإضافة إلى آلان سورال (شخصية سنتحدث عنها لاحقاً) من أبرز أولئك الزوار.

لم تقتصر هذه العلاقة على الزيارات الرسمية والمحادثات السياسية فقط، بل تعدّتها إلى عالم الأعمال أيضاً. فعلى سبيل المثال، أسّست شركة «ريوال» (Riwal) التي يملكها شاتييون، شركة «ريوال-سوريا» (Riwal-Syria) لتطوير العلاقات الاقتصادية بين شركات سورية وفرنسية وذلك في عام 2009.

ومع بدء الانتفاضة الشعبية في سوريا في ربيع 2011، بدأ دعم اليمين المتطرف الأوروبي للنظام في سوريا يتوالى ويأخذ أشكالاً مختلفة، خصوصاً مع فريديريك شاتييون الذي كان سباقاً في دعم الأسد. فمنذ الأيام الأولى للثورة، أي في آذار 2011، إتهم شاتييون كل من يشارك بالمظاهرات المعارضة للنظام في سوريا بأنهم شركاء اللوبي الصهيوني الذي يريد زعزعة استقرار سوريا. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل قام شاتييون في شهر تشرين الأول من العام نفسه بتنظيم تظاهرة في باريس من أجل دعم النظام، كما أن شركته «ريوال» تثابر على دعم الموقع الاخباري «إنفوسيري» (InfoSyrie) الذي يقوم بحملات دعائية لصالح نظام الأسد.

ومع مرور الوقت، بدأت المظاهرات اليمينية المتطرفة المؤيدة للنظام تتوالى في العديد من المدن الأوروبية، من روما إلى وارسو إالى جينيف. وبالترافق مع المظاهرات، نُظمت عدة زيارات دعم، أبرزها «مهمة تقصي الحقائق» في حزيران 2013، التي شارك فيها عدة شخصيات أوروبية يمينية متطرفة، من أمثال نيك غريفين النائب في مجلس العموم البريطاني، وفيليب دوفينتر النائب في برلمان إقليم الفلاندرز في بلجيكا، حتى أن هذا الدعم وصل في بعض الحالات إلى الذهاب لسوريا والقتال إلى جانب قوات الأسد، كما صرحّ التنظيم النيو-نازي اليوناني «الزنبقة السوداء» (Mavros Krinos). هذا ودون ذكر الاجتماعات العديدة التي يعقدها اليمين المتطرف والتي تهدف إلى التباحث في الوضع السوري وفي كيفية دعم نظام الأسد، وأبرزها كان مهرجان بوريال الذي عقد في مدينة كانتو في ايطاليا في 12 أيلول 2013 بحضور عدد كبير من الفاشيين الاوروبيين، وللمفارقة فقد أستهل رئيس بلدية كانتو، مضيف هذا الحفل، خطبته بكلمات مستقاة من روزا لوكسمبورغ!

لماذا يدعم اليمين المتطرف الاوروبي النظام السوري؟

تعزي ليلى شرومز، في مقالتها المفصلة عن أنصار الأسد الفاشيين، هذا الدعم إلى:

«مشاعر معادة الإمبريالية/ معاداة العولمة، إلى جانب التركيز القوي على الدول القومية (هم يعتقدون أن نظام الأسد يحمي الدولة السورية في مواجهة الإمبريالية الأمريكية)، وإلى رهاب الإسلام (هم يعتقدون أن نظام الأسد يحارب المتطرفين الإسلاميين)، وإلى معاداة السامية (هم يعتقدون أن نظام الأسد يتصرف كمقاومة لإسرائيل).»

أما سيرج أيوب قائد المنظمة اليمينية المتطرفة «الطريق الثالث» (Troisième Voie) - والمنحلّة منذ صيف 2013 - فقد نظّم في 2 شباط 2013 مسيرة تضامنية مع النظام في سوريا الأسد، حيث يظهر سبب هذا الدعم من خلال إجابته على السؤال التالي: لماذا يشارك السوريون المؤيدون لنظام الأسد في هذه التظاهرة، يجيب أيوب:

«لماذا السوريين معنا؟ بالتأكيد واجبنا دعم قضيتهم! فسوريا أمة، وطن، دولة اشتراكية مع أفضلية قومية، تحارب من أجل العلمانية، وهي تتعرّض لهجوم من قبل الإمبريالية الأميركية، والعولمة، وخدمها من السلفيين مرتزقة قطر والسعودية، وذلك من أجل تدمير الدولة.»

نجد في خطاب أيوب جميع الأسباب التي قدّمتها ليلى شرومز، باستثناء مقاومة اسرائيل. فاليمين المتطرف لا يخفي عداءه لإسرائيل أبداً، كما رأينا مع شاتييون. وللمفارقة أيضاً، فقد رفع أنصار أيوب الذين يعرّفون عن أنفسهم بوصفهم قوميين فرنسيين ثوريين، والذين آزرتهم عدة منظمات فاشية فرنسية وأوروبية، صور خمسة شخصيات في هذه المظاهرة: صورة بشار الأسد، بمحاذاتها نجد صور للرئيس الروسي بوتين، والرئيس البيلوروسي لوكاتشينكو، والرئيس الفنزويلي السابق تشافيز والقومي الصربي دراجا ميهايلوفيتش. كما تم رفع أعلام العديد من البلدان من بينها أعلام سوريا، فرنسا، روسيا، فنزويلا وكوبا.

إن أسباب هذا الدعم التي تقدّمها كل من منظمات اليمين المتطرف من جهة ومن المنظمات التي تنتقدهم من جهة ثانية، تثير أيضاً عدة أسئلة على سبيل: لماذا لم يتحالف هذا اليمين مع سوريا ضد اسرائيل قبل عقد التسعينيات؟ لماذا عادى هذا اليمين الثورة السورية من بداياتها وذلك قبل الصعود العسكري للحركات الاسلامية المتشددة؟ وما هي حقيقة معاداة هذا اليمين للامبريالية والعولمة؟

ولتبيان خلفية ومنطق مواقف اليمين مما يجري الآن في سوريا، علينا العودة إلى خمس وعشرين سنة إلى الوراء، إلى مرحلة تاريخية جديدة بدأت مع سقوط حائط برلين.

إعادة تحديد العدو: من الخطر الشيوعي إلى خطر النموذج الأميريكي

يقول باكستون في كتابه «تشريح الفاشية» إن الحركات الفاشية بحاجة دائمة إلى عدو يكون رمزاً للأزمة الساحقة التي تعصف بالمجتمع، ويدفع الجماعة-الضحية إلى التوحّد تحت راية الزعيم المخلّص. وفي أواخر الحرب الباردة، كانت معظم الحركات اليمينية المتطرفة في أوروبا الغربية تعتبر أن الإتحاد السوفيتي هو هذا العدو-الرمز، لدرجة أن جان-ماري لوبان زعيم الحزب اليميني المتطرف الفرنسي «الجبهة الوطنية» زعم أنهم يحملون إرث كل من وينستون تشرشل، ودوغلاس ماك آرثر، ورونالد ريغان[1] ليس في المجال السياسي فقط، بل في المجال الاقتصادي ايضاً. فحتى نهاية الثمانينات، كانت «الجبهة الوطنية» تمجّد وتدافع عن اللييرالية الاقتصادية.[2]

في هذا السياق، لم يحدِث انهيار المنظومة الشيوعية أزمة في الأوساط اليسارية فقط، بل تعداها ليصل إلى اليمين المتطرف، الذي خسر بين ليلة وضحاها عدوه الأبرز وأحد مرتكزات سياسته. إن إعادة المراجعة التي قام بها بعض هذا اليمين دفعه إلى تبني أفكار مجموعات فكرية أمثال «غريس» (GRECE)، التي قامت منذ الستينيات بتطوير نظرية الاختلاف الثقافي، والتي تعارض تمازج الأجناس لكونها خطراً على هوية الشعوب. عندئذٍ أضحت الولايات المتحدة الأميركية العدو-الرمز الجديد، وذلك لعدة أسباب هي: أولاً، لأن الهيمنة الثقافية والسياسية الأميريكية تشكل تهديداً للهويات القومية. وثانياً، لأن النموذج الأميركي يعكس تواجداً وتمازجاً بين عدة أجناس وثقافات، وهذا بغض النظر عن التمييز وعدم المساواة المتأصلة في هذا النموذج.

إن إعادة تحديد العدو دفعت هذه القوى اليمينية إلى إعادة النظر بالعديد من مواقفها السياسية والاقتصادية وذلك لتتناسب مع موقفها الأيديولوجي المستجد. وهنا لا بدّ من التذكير أن الأحزاب اليمينية المتطرفة أو الفاشية الكبرى، هي أحزاب براغماتية لا تتوانى عن إعادة تحديد مواقفها الرئيسية (وخصوصاً الاقتصادية منها، فهي لا تعتمد على خط أو موقف ثابت في هذا المجال، بل موقفها متغيّر وذلك حسب التغييرات السياسية)،[3] وذلك بغرض وصولها إلى مبتغاها، أي إلى النجاح والسلطة.[4] ومن هنا، أخذ هذا اليمين يرفع سقف معاداته لما تمثله الولايات المتحدة وللنظام السياسي الجديد، كالنيوليبرالية الاقتصادية والعولمة، بالإضافة إلى نسج علاقات مع من يعتبرهم أعداء لهذا النظام السياسي. فعلى سبيل المثال، نرى أن جان-ماري لوبان حليف حزب الكتائب اليميني المتطرف اللبناني منذ منتصف السبعينيات، وفي زيارته لبيروت عام 2002 حاول لقاء آية الله فضل الله المقرّب من حزب الله ولكن بدون جدوى. إن إعادة تحديد العدو تلك، هي ما يفسر التقارب بين هذه الأحزاب والنظام السوري، الذي بدأ بشكل خجول في التسعينيات، ليصبح أكثر متانةً وعمقاً في السنوات العشر الماضية.

اليمين المتطرف الجديد: «يسار في العمل، ويمين في القيّم»!؟

إن التحول الذي أصاب اليمين المتطرف جرّاء إعادة تحديد العدو من جهة، وإعادة تحديد الأولويات من جهة أخرى، دعا إلى الاعتماد والاستيلاء على بعض أفكار اليسار، وذلك من أجل تمكين هذا التوجه الفكري الجديد. فعلى سبيل المثال، نرى أن حملة مارين لوبان في الانتخابات الرئاسية الفرنسية في 2012 ارتكزت على المواضيع الاجتماعية الاقتصادية، حتى إنها كادت تخلو من ذكر بعض المواضيع المفضلة عند هذا اليمين كخطر المهاجرين. إن اعتماد اليمين المتطرف على بعض الخطابات اليسارية والماركسية ليس بجديد، وقد ظهر جلياً منذ نشأة الفاشية، حيث كان يوجّه موسوليني خطاباته اليمينية القومية المعادية للرأسمالية إلى البروليتاريا والفاشيين في آنٍ واحد. طبعاً إن هذا الاعتماد كان انتقائياً وتلاعبياً بشكل كبير، فالمعاداة هي للرأسمال الخارجي وليس القومي، ومن أهداف هذه الخطابات المصالحة بين الطبقة العاملة وأرباب العمل الوطنيين.[5] وفي هذا السياق، إن اعتماد هذا اليمين المتجدد للأفكار اليسارية ما هو إلا تلك الشعبوية القومية الاشتراكية، أي هي عودة إلى الخطاب الفاشي الكلاسيكي كما كان في العشرينيات، وفي أحد أهم أزمات الرأسمالية الأوروبية حينها. إن هذه العودة تظهر جلياً عبر اعادة اعتماد «الجبهة الوطنية» لشعار «لا من اليمين ولا من اليسار» في ترديد واضح لمقولة مؤسس حزب «الكتائب» الفاشي الاسباني (Falange Española de las JONSخوسيه أنطونيو بريمو دي ريفيرا، أن حركته ليست من اليمين وليست من اليسار.

إلا أن الخطاب والتوجه الحالي لهذا اليمين يختلف بالعديد من التفاصيل عن الذي سبقه قبل ثمانين عاماً. فلا يكتفي هذا اليمين باعتماد شعارات وعناوين اليسار، بل يقوم باقتباس الفكر اليساري بطريقة مجتزأة، وضمّه إلى تراثه، في محاولة لتوسيع قاعدته الشعبية وتأكيد ادعائه بتجاوزه لتصنيفي يسار ويمين. فنرى أن مارين لوبان في كتابها «كي تعيش فرنسا»[6] تستند إلى أقوال العديد من المفكرين والسياسيين والكتّاب وغيرهم من اليساريين، من جورج مارشيه إلى جورج أورويل إلى برتولد برشت وحتى إلى كارل ماركس نفسه، مثنيةً في طريقها بدايات هذا اليسار، ومعتبرةً أن هذا اليسار خان مبادئه، وملمّحةً إلى أن هذه الأهداف باتت تحملها الآن «الجبهة الوطنية». بعض المفكرين اليمينيين المتطرفين كآلان سورال ذهبوا خطوةً أبعد، فعوضاً عن التنصل من اليمين ومن اليسار، يحاولون الجمع بين الاثنين. فسورال، العضو السابق في الحزب الشيوعي الفرنسي وفي الجبهة الوطنية من ثم، ينظّر إلى وحدة «اليمين الأخلاقي» مع «اليسار الاقتصادي والاجتماعي» ضد «اليسار اللا-أخلاقي» الذي يتكامل مع «اليمين الاقتصادي». وفي الشكل، وعلى صفحة مجموعته السياسية على الانترنت «مساواة ومصالحة» (Égalité et Réconciliation) يجمع سورال بين صور تشي غيفارا ومعمر القذافي ومحمود أحمدي نجّاد وفلاديمير بوتين وأيقونة اليمين المتطرف الفرنسي جان دارك. يهاجم سورال النظام السياسي العالمي المتمثل بالولايات المتحدة واسرائيل، ويتحدث عن العدالة الاجتماعية، وعن الاستغلال الحاصل للطبقات الاجتماعية، فيندد بالاستعمار ويطالب بيسار حقيقي. أما في المضمون، فهو لا يطرح فيما خصّ اليسار شيئاً مغايراً عن مبدأ المصالحة بين العامل وربّ العمل، وذلك مع التركيز الكامل على المبادئ والقيم المحافظة والتي تؤدي إلى خلاص الأمة الفرنسية.

قد يبدو سورال كمهرج يمزج بين الاقتصاد والتيولوجيا والعقل المؤامراتي، إلا أن صفحته تجذب أعداداً كبيرة من الزائرين والمتابعين، خصوصاً من عمر الشباب. فالأفكار التي يروّج لها أمثال سورال تجد ترجمة فعلية في الشارع، كمثال رفع «الطريق الثالث» لصور الشخصيات والأعلام المختلفة التي ذكرناها أعلاه، وهي ترجمة تصل إلى حدّ التواصل والتحالف بين اليمين وبعض التيارات اليسارية القومية المتطرفة أحياناً، كحالة المنظمة الفاشية البولندية «الكتائب» (Falanga) التي تنسج علاقات مع الماويين والبلشفيين الوطنيين.

إن هذا التغيير الأيدولوجي، وإن كان موجّه حصرياً نحو الداخل الوطني لهذه الاحزاب، فهو يحمل في طياته ما يدعم موقف هذا اليمين من النظام السوري. فللمنظرّين أمثال سورال، يعدّ بشار الأسد أحد الوجوه التي تقف في وجه هذا النظام العالمي، كما أن النظام السوري هو نموذج وإن لم يكن مثالياً للجمع بين شعارهم «يسار في العمل، ويمين في القيّم». مع التأكيد أن هذا النموذج ليس للتطبيق في أوروبا بل هو «مناسب لخصائص الشرق الأوسط السياسية، حيث من الضروري تواجد زعيم قوي يمسك التلاحم الإثني الطائفي بيد من حديد، وهذا مقبول عادةً من قبل جميع العشائر.. كما كانت الحالة في الماضي البعيد [في أوروبا]»

حدود عداء اليمين المتطرف لـ «الغريب»

بالاضافة إلى حجة «الخطر الخارجي الداهم»، فإن الأحزاب اليمينية المتطرفة بحاجة إلى عدوٍ داخلي ايضاً، يكون من المسببات في إنحطاط الجماعة، ويحدّ من الوصول إلى تكامل أوثق لمجتمع أنقى.[7] من أعداء الداخل لهذا اليمين يبرز «الغريب»، وفي أوروبا أهمّ «غريبين» لليمين المتطرف هما اليهود ومؤخراً المسلمين، إلا أن لاسامية هذا اليمين لم تكن تترجم دوماً كعداء لإسرائيل. ففي زمن الحرب الباردة، كان معظم اليمين المتطرف ينظر إلى إسرائيل بوصفها حصن الغرب في مواجهة الاتحاد السوفياتي، لكن التقارب كان يتعرقل معظم الأحيان بسبب موقف هذا اليمين من الهولوكوست. ومع انتهاء الحرب الباردة، وإعادة تحديد العدو، تحوّلت اسرائيل من الحصن المنيع بوجه الخطر الشيوعي إلى الحليف الأوثق للعدو الجديد الأميريكي. ترافق هذا التطور مع تغيّر نظرة بعض هذا اليمين وتقاربه مع قسم من الجماعات اليهودية الأوروبية، في خطوة يعزوها بعض الباحثين إلى بروز خطر «غريب» جديد لهذا اليمين في أوروبا، وهم المسلمون.

ولكن هذه المقاربة تبقى تبسيطية بعض الشيء، فمعاداة الإسلام قد يشكل حافزاً لهذا التقارب، لكنها لا تفسر التغيير الجوهري في نظرة اليمين المتطرف إلى «الغريب». فمنذ عشرات السنين، نجد أن بضعة أوجه بارزة في اليمين المتطرف هم إما من اليهود أو ذو أصول يهودية، ومن أبرز الأمثلة نائب رئيس «الجبهة الوطنية»، والشريك الحياتي لمارين لوبان لويس اليو الذي ينحدر من أصول يهودية جزائرية. كما أن في الانتخابات النيابية الفرنسية في 2012 رشحت «الجبهة الوطنية» اليهودي ميشال توريس عن أحد المقاعد في باريس، بالاضافة إلى أن منظمات يمينية يهودية متطرفة كـ «عصبة الدفاع اليهودية» الفرنسية (Ligue de Défense Juive) كانت مقربة من اليمين المتطرف بشكل دائم، أولاً من «كتلة هوية» (Bloc Identitaire)، ومن ثم من «الجبهة الوطنية». وإذا عدنا بالزمن إلى بدايات القرن العشرين، نجد أن حزب موسوليني الفاشي الايطالي كان يضمّ العديد من اليهود.[8] ومن هنا، نرى أن اليمين المتطرف يعادي «الغريب» الذي يحاول الاحتفاظ بخصائصه ومميزاته، بينما يتقبل «الغريب» في حال تبنى هذا الأخير قيم ومبادئ وأهداف هذا اليمين - أي أن ينصهر وطنياً وفق التعابير الفاشية - فيصبح حينئذٍ هذا «الغريب» جزءاً من ذاك اليمين، ويمكن أن يصبح قيادياً، كحالة سيرج أيوب اللبناني الأصل. لذلك، وفي هذا الإطار، لن يكون أمراً مستغرباً أن نجد مسلماً ضمن اللوائح الانتخابية لإحدى الأحزاب اليمينة المتطرفة في أوروبا وذلك في المستقبل القريب.

هذا في ما خصّ «الغريب» الداخلي، فماذا بشأن «الغريب» الخارجي؟ انطلاقاً من العلاقة المتقلبة بين اليمين المتطرف مع اليهود واسرائيل، وبالرغم العداء المستجد مع اسرائيل، يحاول بعض هذا اليمين كـ «الجبهة الوطنية» إعادة وصل ما انفصل، وذلك لأهداف انتخابية داخلية. وفي هذا الاطار صرّحت مارين لوبان لجريدة هآرتز الاسرائيلية عام ٢٠١١ أن «الجبهة الوطنية كانت مناصرة دائمة للحركة للصهيونية، وكانت مدافعة دائمة عن حقّ اسرائيل بالوجود»، إلا أنه من الخطأ اعتبار هذا التصريح كحملة دعائية فقط، بل وجب أخذه بتمعن وبجدية متناهية. إن الدفاع عن حقّ اسرائيل بالوجود لا يعني مناصرتها بالضرورة، انما المناصرة هي للحركة الصهيونية، أي لفكر قومي يميني متطرف آخر، قرر إقامة كيانه خارج نطاق القوميات الأوروبية. إن الاحزاب اليمينة المتطرفة إذ تنفي حقّ «الغريب» التواجد ضمن حدودها القومية أو الجغرافية، فهي لا تنفي حقّه في التواجد ضمن كيانه الجغرافي الخاص، شرط أن لا يتعارض مع نطاقها هي. ومن هذا المنطلق، يتضح التعاون والتواصل بين الاحزاب اليمينية المتطرفة مع بعضها البعض دولياً.

ومن هذا المنظار، ما كان متناقضاً للوهلة الأولى أصبح اكثر وضوحاً. فليس هناك أي تناقض بين دعم اليمين المتطرف الأوروبي للنظام السوري، وبين عدائيتهم للاجئين السوريين في بلدانهم وإن كانوا من أنصار النظام. كما يصبح أمر العداء للإسلام سبباً ثانوياً لدعم الأسد، فلا ننسى أن هذا اليمين يدعم، بل وحتى يفتخر، بالقتال إلى جانب حزبٍ إسلامي هو حزب الله، كما صرحّت منظمة «الزنبقة السوداء». كذلك، يتضح الدور المحوري الذي تلعبه الأحزاب اليمينية المتطرفة الحليفة لنظام الأسد، من خلال نسج وتوطيد هذه العلاقة بالإضافة إلى الدعم المتأتي عنها، ما يفسر المحطات الدورية لهذا اليمين الأوروبي في بيروت من أجل لقاء أحزاب كالسوري القومي الاجتماعي. إذ أن دور هذا الحزب بالتحديد، وشبكة علاقاته مع اليمين المتطرف الاوروبي، يستحق مزيداً من التعمق، وذلك لفهمٍ أشمل للموضوع.

خاتمة

لقد حاول هذا المقال التطرق إلى اليمين المتطرف بشكلٍ عام، بينما في الواقع يحتوي هذا اليمين على العديد من التيارت الفكرية المختلفة، بالإضافة إلى أن هذا الاختلاف يأخذ أشكالاً متعددة وذلك حسب نوع وحجم هذه المجموعات، من الأحزاب الكبرى الأكثر براغماتياً إلى الحلقات الفكرية والمجموعات شبه العسكرية الأكثر تشدداً. ومع ذلك، فإن المبادئ العامة هي ذاتها، وإن بدا الاختلاف بالشكل جذرياً، فهو يبقى تفصيلياً وليس جوهرياً. وكما رأينا في هذا المقال، إن أي قراءة أو تحليل لمواقف اليمين المتطرف عليها الأخذ بالاعتبار أن الأيدولوجيا التي يظهرها هذا اليمين متحركة ومتحولة باستمرار، وإن إحدى الطرق الهامة للتحليل وللمقاربة هي الأسس التي توصّل إليها باكستون، كالشعور بأزمة ساحقة أبعد من متناول الحلول التقليدية، أولية الجماعة على الفرد، الاعتقاد بأن الجماعة هي ضحية بالإضافة إلى الخوف من انحطاطها، الحاجة إلى تكامل أوثق لمجتمع أنقى، وغيرها.

أما لماذا يدعم اليمين المتطرف النظام السوري؟ السبب الرئيسي يكمن في أن التقاطع بين الأيدولوجيا المعتمدة من هذا اليمين وبين ما يمثله النظام السوري حصلت في هذه اللحظة التاريخية. بالنسبة لهذا اليمين، هذا الدعم يشكل أحد أوجه معركته الدعائية مع عدوه-الرمز الجديد، كما أن هذا الدعم يشكل تمايزه عن الاحزاب والتيارات السياسية الاخرى في اوروبا، التي يتهمها أنها ألعوبة بيد هذا العدو. وإن كان يعلم هذا اليمين أن هذا الدعم لا يمكن استثماره داخلياً، بسبب سوء سمعة وبطش النظام السوري، فإن تطور الأحداث في سوريا يمكّنه من استغلال الرأي العام الأوروبي من خلال التعاطف مع حال المسيحيين في المشرق مثلاً، أو من خلال موضوع المجاهدين الأوروبيين في سوريا. لكن هذا الدعم لم يكن لأسباب سياسية فقط، فقد رأينا أن بعض هذا اليمين المتطرف لديه مصالح مالية واقتصادية في سوريا، وهذا الموضوع بحاجة الى أبحاثٍ إضافية لكشف مدى وتشعب هذه العلاقات.

يبقى الأهم وهو أن إحدى الدوافع الرئيسية وراء هذه الأسباب هي الانتهازية المتأصلة في فكر اليمين المتطرف، الذي لا يتوانى عن أخذ أي موقف كان، أو فعل أي شيء، شرط أن يقرّبه ولو قليلاً إلى السلطة.
____________
بإمكانكم/ن متابعة هشام الأشقر على التويتر hisham_ashkar@
____________
* مصدر الصورة: spiritoftens.canalblog.com
1. Ariane Chebel d'Appollonia, L'Extrême-droite en France. De Maurras à Le Pen, Bruxelles: Éditions Complexe et PUF, 1987
2. Sylvain Crépon, La nouvelle extrême droite: Enquête sur les jeunes militants du Front National, Paris: L'Harmattan, 2006
3. من الأمثلة المحلية على ذلك، تقرّب الحزب السوري القومي الاجتماعي في لبنان من الطروحات الماركسية في فترة الستينات، وذلك عقب محاولته الانقلابية الفاشلة عشية رأس سنة 1962
4. Robert Paxton, The Anatomy of Fascism, New York: Knopf, 2004
5. Paxton, 2004
6. Marine Le Pen, Pour que vive la France, Paris: Grancher, 2012
7. Paxton, 2004
8. Paxton, 2004