اليسار الممانع، الليبرالية والموقف الملتبس من الامبريالية

نشر في‫:‬الأثنين, كانون اول 2, 2013 - 16:32
الحياة ستستمر | وسام الجزائري
الكاتب/ة: هيفاء أحمد الجندي.

للثورة السورية فضائل جمة، لأنها حركة تغيير عامة وانقلاب جذري يطال بنى المجتمع، والوعي، والسلطة، ولكن تبقى الفضائل الفكرية للثورة هي الأبرز والأهم على هذا الصعيد، لأنها أسقطت الكثير من الأفكار الجاهزة، والمعلبة، والنمطية لتيارات فكرية وسياسية بعينها، وأعادت النظر بأطروحات بعض المثقفين المهيمنين على المشهد الفكري قبل اندلاع الثورات وبكثير من الأبوية والتعالي النخبوي.

أهم تيارين، اصطدما بواقع الثورة، ديناميتها وحركيتها، وأصابتهما حالة من الارتباك هما: يسار الأحزاب الشيوعية التقليدية وبعض القوى الليبرالية. ولا يمكن تحديد مكامن الارتباك إلا بعد تفكيك خطابهما وتموضعهما ضمن السياق الذي سبق اندلاع الثورة السورية.

البداية سوف تكون مع يسار الاحزاب الشيوعية التقليدية /العقائدية/ التي تماهت بنيتها التنظيمية وعقيدتها وخطابها مع المركز السوفياتي السابق وأصبحت جناحا تابعا لما اصطلح على تسميته الانظمة التقدمية، التي استلمت السلطة عبر انقلابات عسكرية وليس عبر ثورات اجتماعية معادية للاستعمار، وأجرت عددا من الإصلاحات كالإصلاح الزراعي والتأميم ومع سنوات حكمها الطويلة، تحولت، البورجوازية الصغيرة، إلى كولونيالية اغتنت من الشكل البيروقراطي للسلطة وراكمت ثروات طائلة، وهذا التحول فرض عليها أن تقطع مع الفئات والشرائح التي ادّعت أنّها مثلتها وعبرت عنها، فقطعت معها سياسيا واقتصاديا من دون أن تقطع أيديولوجيا، وهذا التحول أيضا لم يمنعها من حل المسألة الوطنية وحسب وإنما عملت جاهدة على الفصل بين الوطني الاجتماعي والديمقراطي، وبالتالي، تمسّك اليسار الممانع بالبعد الوطني وتغاضى عن الجوهر الكولونيالي والخيار الرأسمالي لهذا النظام وتحولت مقولة معاداة الامبريالية إلى مجرد شعار لفظي وديماغوجي فرغ من مضمونه، والغاية منه أصبحت تبرير التحالف مع هذه الأنظمة.

لم يسائل هذا اليسار نفسه يوما، كيف يمكن لبرجوازية ريعية/ أوليغارشيا مالية، تابعة وتعمل للخارج، وتحتكر الثروة والسلطة أن تكون داعمة حقيقية لحركات التحرر؟ زد على ذلك، افتقارها للقاعدة الشعبية المعنية وحدها بالمسألة الوطنية، بفعل سياسات اللبرلة الاقتصادية والانفتاح دون أن تترافق هذه الليبرالية أي لبرلة سياسية وانما استمرت بسياسة الإفقار وكم الافواه.

حلت اللحظة التاريخية وانتفض الشعب ضد القمع والافقار. واندلاع الثورة لم يرعب النظام فقط وإنما أرعب كل برجوازيات النفط والامبريالية، التي أدركت أن الثورة سوف تزيد وتفاقم من أزماتها وتناقضاتها، بحال تم اسقاط وكلائها في الداخل، وإذا نجحت الثورة في تحقيق أهدافها، هذا يعني قطع التبعية والتحرر الكامل من الوصاية الخارجية. وكان صعبا على يسار انتهازي دوغمائي أن يلتقط التحولات والمعطيات التي أفرزها واقع الثورة بفعل تكلسه وعطالته التاريخية التي أوقفت نموه الفكري والعقلي عند مرحلة تاريخية محددة وبقي أسير تناقض احادي، وهو التناقض الرئيسي، معاداة الامبريالية، دون أن يقرنها بمعاداة النظام، والأخير وجد في الايديولوجيا الممانعة شعارا يوظفه خير توظيف لقمع نقيضه وخصمه الحقيقي أي الشعوب. ويجب الا يفوتنا أيضا أن تكلس اليسار الممانع حال دون رؤيته للتحولات التي شهدها الواقع الروسي بعد الانهيار، وجعلت منه دولة إمبريالية تحكمها مافيات ويتحكم بقرارها شركات السلاح.

هذا كان حال اليسار الممانع ولكن ماذا عن شأن الليبراليين وتحديدا المنحدرين من مواقع يسارية؟

لا مانع من القيام بمراجعة للخطاب الليبرالي قبل الثورة.
ما انفك الليبراليون وقبل الثورة ينظرون للديمقراطية التي تقتصر على البعد السياسي واختصروها بصندوق الاقتراع ولطالما اعتبروا الطبقة الوسطى الحامل الاجتماعي للتغيير ونشدان الحرية. إلى أن اندلعت الثورة من الأطراف والهوامش وخيبت آمالهم. ولا يخفى على أحد طابعها الطبقي الاجتماعي وعفويتها كونها اندلعت خارج إطار أي نظرية وتنظير مسبق وبعيدة عن الأدلجة. كما أسقط الليبراليون مفهوم الامبريالية من القاموس الفكري النظري، وإذا نقدوا الأميريكيين فإن ذلك يتم على اعتبار أنهم يمثلون سلطة عليا ويسقطون مفردة الهيمنة الملازمة لهذه السلطة، لأنها تحيلهم إلى الأدبيات اليسارية التي قطعوا معها دون أن يتبنوا خطابا جديدا ورؤية فكرية متماسكة ومتسقة. واستمروا في حالة الانكار حتى ما بعد اندلاع الثورة، مع أن كل المعطيات والوقائع وصراع القوى الغربية تشير إلى تجذر هذا المفهوم وتعيينه واقعيا وخاصة مع صعود المنافس الروسي بوجه الأميركي. هذا الصراع بين الامبرياليات يعود بنا إلى كراس لينين الامبريالية أعلى مرحل الرأسمالية، في هذا الكراس جذّر لينين مفهوم الامبريالية وبكثير من الشروحات الهامة والتفصيلية. ولا غضاضة من القول أن الواقع الحالي أكد ما ذهب إليه لينين الذي نفى فكرة كاوتسكي عن الامبريالية الأحادية والعليا. والمعلوم أن الامبريالية ليست حالة عابرة وطارئة على الرأسمالية، إنما تشكل مرحلة دائمة من مراحلها فكيف إذا كنا نعيش الطور العولمي والأكثر توحشا وهيمنة؟؟!

وتتجلى هذه الهيمنة بمؤسستين تعتبران أداتي حرب، صندوق النقد الدولي ومنظمة التجارة، اللتان تربطان اقتصاديات البلدان وتعيد ارتهانهما مقابل تحرير الاسواق والخصخصة، وما الأزمة المالية التي عصفت بأوروبا عام 2008 إلا تأكيدا لما ذهب إليه لينين وروزا لوكسمبورغ حول فيض الرساميل التي لا توظف في الانتاج وإنما يتم تصديرها الى الخارج، ويمنح هذا الفيض، بالتالي، الامبريالية سمتها الطفيلية، التي أصبحت في الآونة الاخيرة قادرة على إخضاع الدول التي تتمتع باستقلال سياسي، وذلك عن طريق إقراض الحكومات. هذا ما يمكن اعتباره شكلا من أشكال الاستعمار الجديد، ضحيته الأولى هي الشرائح الدنيا والفقيرة، التي تضررت من الخصخصة ورفع الدعم، شروط صندوق النقد الدولي.

بعد هذه الجولة والتوصيف لا ضير من القول ان التيارين، تجمعهما حالة انكار وتعامي عن رؤية الجديد ولكن حالة الانكار لم تمنع الطرفين من الانزلاق وتبني الخطاب الايديولوجي للامبريالية /الرؤية الثقافوية والاستشراقية/ حيث أن اليسار التقليدي لم يرَ في الثورة إلا ثورة سلفيين وارهابيين والليبراليين الذين نفوا وجود أية علاقة تربط الجهاديين بالغرب، مع أن انتشارهم وتقويتهم هو مطلب غربي إذ لطالما روج الغرب وعبر إعلامه وبشكل ممنهج ومقصود لمشاهد الذبح المقززة للجهاديين. الأمر الذي دعم وخدم أيديولوجيا النظام على أنه يواجه تكفيريين وتشكل مقولة الحرب على الارهاب التي ابتدعها الغرب مخرجا للنظام، ما أفقد الدعم والتعاطف الدولي مع الثورة، ويمكن أن يفسر انفضاض اليسار العالمي عن دعم الثورة.

في النهاية، نوجز ونقول أن التيارين، على مستوى التوصيف الشكلي، يجهدان، لكي يقدما العناصر على أنها مستقلة ومتجاورة، لا يوجد أي رابط علائقي يجمع فيما بينها، هنالك حالة نفي عند اليسار التقليدي للتبعية التي تربط النظام بالغرب ونفيا للعلاقة بين الغرب، والنظام، والجهاديين عند الليبراليين.