هل تقسّمنا الامتيازات؟

نشر في‫:‬الخميس, ايلول 19, 2013 - 16:06
من إضراب العاملين(ات) في جامعة المنصورة عام ٢٠١٢| الاشتراكيون الثوريون - مصر
الكاتب/ة: إيسمي كونارا.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬ socialist worker      

ثمة نظرية مؤثرة تقسم الناس إلى عدد لا يحصى من "الامتيازات" تتيح للحكام النجاة من ورطتهم- كما تقف في طريق الوحدة ضد القمع، تقول إيسمي كونارا.

يقسّم العالم بفعل أشكال عديدة من الظلم والقمع- مثل العنصرية والتمييز الجنسي ورهاب المثلية. لمحاربة ذلك من الضروري العمل على من يستفيد من الانقسامات ومن لديه مصلحة في مواجهتهم.

نَمَت نظرية مؤثرة تُعرَف باسم "نظرية الامتيازات". وفي جوهرها تقوم على فكرة أن الظلم يقوم من خلال سلسلة من الامتيازات غير المكتسبة.

هذا الزعم يأتي من وجود الرجل في مجتمع متحيز ضد المرأة، ومن وجود الأبيض في عالم عنصري وهكذا دواليك.

بيغي ماكنتوش هي واحدة من الرائدات في هذه النظرية. فهي تصف "الامتيازات" كـ"حقيبة غير مرئية من الأحكام الخاصة، والتأمينات، والأدوات، والخرائط، والأدلة، وجوازات السفر، والفيز، والثياب، والبوصلات، ومعدات الطوارئ، والشيكات على بياض".

بالنسبة إلى العديد من الناس، الذين يعربون عن تأييدهم لهذه الأفكار فإنهم يرونها مجرد طريقة للتأكيد على وجود الظلم الذي يجب مواجهته. هذه الانطلاقة هي نقطة جيدة والعديد من الذين يوافقون على نظرية الامتيازات سيكونون حلفاء في النضال.

لكن هذه النظرية ليست على المستوى سواء لفهم القمع أو للإشارة إلى طرق حله. المشكلة الأساسية مع نظرية الامتيازات أنها تفتقد إلى الإشارة حول كيف القمع يفيد الطبقة الحاكمة.

ليس صحيحا أن العنصرية تعود بالفائدة لكل بيض البشرة، أو أن كل الرجال والأشخاص الغيريين ينتفعون مباشرة من التمييز الجنسي ورهاب المثلية. لنأخذ العنصرية على سبيل المثال، يعتبر العديد من منظري هذه النظرية أن جميع البيض يتواطأون مع العنصرية لمجرد أن العنصرية موجودة.

الكاتبة فرانسيس كيندال، على سبيل المثال، تعتبر أن "كل شخص من بيننا لديه امتياز عرقي هو عنصري بامتياز".

العديد من الناشطين، خاصة في الولايات المتحدة، توقفوا عن مناقشة العنصرية. إنهم يتحدثون اليوم عن "التفوق الأبيض" بدلا من ذلك، مما يعني أن كل البيض هم جزء من المشكلة.

وإذا ألقينا نظرة سطحية، نظرية الامتيازات يمكن أن تظهر أنها تقدم معنى للأمور. فإذا كنت أسود البشرة أو آسيوياً ستواجه العنصرية بشكل أساسي من أفراد بيض البشرة، وليس على يد "النظام الرأسمالي". وبعض من المعتدين هم من الطبقة العاملة.

وأن العنصرية تعني أن أسود البشرة والآسيوي سيتعرض للتمييز في التعليم والعمل، والجهاز القضائي الجنائي.

ولكن قول أن سود البشرة عندما يتعرضون للتمييز لا يعني أن بيض البشرة يستفيدون من ذلك. الطبقة العاملة البيضاء البشرة لا تستفيد من العنصرية- بل على العكس. العنصرية تقسّم اليد العاملة عبر الأجور المنخفضة وظروف عمل متشابهة وتجعل من موضوع النضال من أجل ظروف حياة أفضل أمرا صعبا للجميع.

عالما الاجتماع مايكل رايخ وآل سيزمانسكي اختبرا بشكل منفصل ومن خلال مقارنة مستوى العنصرية في أماكن العمل والولايات في جميع أنحاء الولايات المتحدة.

الأجور
استنتج العالمان أن أكبر فجوة في الأجور بين سود وبيض البشرة- أو حيث مستوى العنصرية كان مرتفعا- كان الجميع ينال أجراً منخفضاً.

ذلك، وعلى الرغم من أن العمال السود البشرة يخسرون أكثر بسبب ذلك، العمال البيض البشرة كانوا يخسرون أيضا. وكان صاحب العمل هو المستفيد الوحيد من هذا الأمر.

كما أن رايخ أظهر كيف أن الخدمات كالتعليم مثلا كانت أسوأ في المناطق التي تتزايد فيها العنصرية- الأمر الذي يجعل من الانقسامات العنصرية أمراً لا يمكن الدفاع عنها.

ولدت العنصرية كحاجة لتبرير بربرية تجارة الرقيق. واستمر ذلك بالنسبة للحكام لأنهم وجدوا كبش الفداء وقسّموا عبرها الطبقة العاملة.

والسياسيون ووسائل الإعلام والطبقة الحاكمة يجب عليهم العمل بجهد كبير لتأجيج العنصرية لأن العديد من بيض البشرة يعارضونها.

وهناك تقاليد عريقة للطبقة العاملة البيضاء البشرة التي أظهرت تضامنها مع أولئك الذين عانوا من الرق والقمع الاستعماري.

على سبيل المثال، خلال الحرب الأهلية الأميركية نظّم الآلاف من العمال في مانشستر وشيفيلد حملة لوقف الدعم البريطاني لنظام الرق في جنوب البلاد. هذا الأمر عرض سبل عيشهم للخطر حيث أوقف مالكو "العبيد" صادرات القطن الخام إلى أوروبا.

لكن العمال تشاركوا مع المستغلين والمقموعين في الخارج هماً مشتركاً. واحتفل الثوري كارل ماركس بـ"المقاومة البطولية للطبقة العاملة في انكلترا" والتي ساعدت على إنهاء نظام الرق في الولايات المتحدة.

العمال البيض البشرة لا يستفيدون من العنصرية إنما على العكس، إذ لديهم كل المصلحة للانضمام للنضال ضدها.

كذلك، لا يستفيد الرجال من الطبقة العاملة عندما تُجبر النساء على تحمل مسؤولية رعاية أثقل بسبب تخفيض التقديمات الاجتماعية في دولة الرفاه. كما أنهم لا يستفيدون من تشويه الحياة الجنسية في عالم متحيز جنسيا ويسوده رهاب المثلية.

نظرية الامتيازات تميل إلى التركيز على تحديات وتغيرات الأفراد. ولكن كما رأينا أن العنصرية والقمع لا يعملان من خلال سلسلة من العلاقات الفردية.

وهي على صلة وثيقة مع الرأسمالية بحيث تنشرها مؤسسات الدولة ووسائل الإعلام وتشجعها.

لا يوجد أي مشكلة مع الأشخاص الذين يمارسون النقد الذاتي. ومن المهم مواجهة الأشخاص الذين يمارسون التمييز الجنسي والعنصرية ورهاب المثلية.

يعتبر البعض بأنه علينا تسوية الأفكار المسبقة الشعبية قبل التمكن من الانخراط في النضال. ولكن مقاربة المشكلة هذه تتم بطريقة خاطئة. فغالبا ما يفتّح النضال أعين الناس حول كيفية مواجهة وتحدي الأفكار المسبقة.

على سبيل المثال، نظّمت العاملات الآسيويات سلسلة من الإضرابات خلال السبعينيات، أشهرها كان في مصنع غرونويك لصناعة الأفلام في لندن.

هذه النضالات ساهمت في كسر الأسطورة التي تقول أن "المرأة الآسيوية غير فاعلة" بالنسبة لجيل من النقابيين في بريطانيا. ساهمت هذه النضالات في توحيد العمال والعاملات. أما نظرية الامتيازات فتفرقهم.

إذا كنت ترى الظلم الظاهر من خلال المزايا غير المكتسبة، فمن الممكن تحديد العديد من مصادر "الامتيازات".

السجن
مشروع قانون العدالة الانتقالية في إلينوي يعدد أشكالا عديدة من الامتيازات. وهي تشمل الامتيازات التعليمية، امتياز حجم الجسد و"امتياز العيش خارجاً"- حيث كان الامتياز بأن لا نكون في السجن.

هناك أيضا امتياز أن تكون قادرا على "المرور" لتصبح عضوا في مجموعة تتمتع بامتيازات أكثر. هناك العديد من المشاكل مع ذلك. المشكلة الأولى، لأنها تخلط بين الأعراض والأسباب.

لذلك، حجم الجسد ليس قمعا بحذ ذاته. إنما بسبب الأفكار المدمرة حول حجم الجسم عن طريق الأفكار المتحيزة جنسيا حول أنواع الأجسام الطبيعية أو المثالية.

المشكلة الثانية، تحديد العديد من مظاهر عدم المساواة لا يساعدنا على فهم ما إذا كان ذلك موجودا أو كيف يمكن محاربته.

العديد من منظري نظرية الامتيازات يتعاملون مع مسألة تعدد أشكال القمع من خلال الحديث عن "التقاطع". وهذا يُقِر بأن أشكال القمع المتعددة تتفاعل مع بعضها البعض، ولا يمكن بكل بساطة فهمها بشكل منفصل.

توجه هذه الفكرة بوجه خاص لانتقاد الناشطات من أصول أفريقية من الكثير من التيارات النسوية السائدة التي تدعي أنها تتكلم باسم كل النساء وتتجاهل العنصرية.

العديد من الناشطين أيضا يستخدم هذا الإطار للاعتراف بأن هناك فروقات طبقية بين المقموعين والمجموعات المفترض تمتعها بـ"امتيازات".

وهذا الأمر يشكل خطوة إلى الأمام لأنه يعترف بالعلاقات التي تربط بين أشكال مختلفة من القمع. ومع ذلك، يمكن أن يؤدي ذلك أيضا إلى تجزئة النضال.

ويؤكد على الفصل بين التجارب المتعددة للشعب المقموع بدلا من السعي لتوحيد أكبر عدد ممكن لخوض معركة مشتركة.

هذه المقاربة يمكن أيضا، كنظرية الامتيازات، لها اعتبار الطبقية واحدة من مجموعة حالات لعدم المساواة. مع ذلك، الطبقية هي المحرك الأساسي الذي يقود النظام وهي المفتاح لتغييره.

وإذا كان القمع يتم عبر سلسلة من الامتيازات غير المكتسبة، إذاً المنطق يقول أن الخلاصة المنطقية هي بالتأكيد تخلي أصحاب "الامتيازات" عن مزاياهم.

وقد اقترح العديد من المعلقين، على سبيل المثال، أنه علينا التوقف عن القول أن المرأة تنال أجرا منخفضا مقارنة مع الرجل، وأن نقول عوضا عن ذلك أن الرجل ينال أجرا مرتفعاً. هل يعني ذلك أنه علينا شن حملة لتخفيض أجور الرجال؟

القضاء على القمع لن يكون أوتوماتيكيا- يجب خوض معركة سياسية لتحقيق ذلك. ولكن هذا الأمر يتطلب أكثر من تحسن تدريجي للأفراد التقدميين.

إنه يتطلب نضالات واسعة كتلك التي حجمت مرارا النازيين في بريطانياـ أو تلك التي فازت ودافعت عن الحق بالإجهاض. والسؤال الحقيقي هل يمكن تحقيق الوحدة بين سود وبيض البشرة والـم.م.م.م. والغيرين والرجال والنساء؟

هذه الوحدة ممكنة على أساس طبقي لأن الطبقة العاملة لديها مصلحة مشتركة في تدمير القمع والنظام الذي يولّده.