عن الهوس بلباس المرأة الذي يضر بالقضية الفلسطينية

نشر في‫:‬الثلثاء, آب 6, 2013 - 13:26
لينة السعافين، نُشِرت الصورة بإذن منها|بعدسة عمر رحمان
الكاتب/ة: لينة السعافين.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

العام الماضي، كتبت مقالا بعنوان "كيف أن هاجس اللاعنف يضر بالقضية الفلسطينية". هذه المرة، يبدو أن الموضوع أصبح "كيف أن الهاجس مع طريقة لبس المرأة الفلسطينية يضر بالقضية الفلسطينية" وهذا الموضوع، في نهاية الأمر، نحتاج إلى مناقشته علنا ومخاطبة الفلسطينيين أنفسهم.

استيقظت البارحة على مقال مروع في جريدة الحياة السعودية الصادرة من مقرها اللندني، حيث تبادله أصدقائي على الفايسبوك على سبيل السخرية، ويحتوي المقال عينه على صورة لي- الصورة نفسها التي أستعملها في مدونتي على موقع "الكترونيك انتفاضة". أما العنوان فيقول: "الحجاب يتسلل إلى رؤوس "الرفيقات" الفلسطينيات ولا يفسد للتحرر قضية!".

في البداية ضحكت باحتقار. ولكن ثمة عواقب خطيرة بعيدة المدى، عندما تنشر صورة فرد مستقل في مقال مماثل، حيث جرى المساس بمعتقدات شخص غير حزبي ومستقل سياسيا، الأمر الذي أعتبره لغما.

يناقش المقال ظاهرة أو تزايد ارتداء الحجاب بين النساء الفلسطينيات المنتميات للأحزاب اليسارية، ونقل المقال عن العديد من القياديين اليساريين الذين قدموا تفسيراتهم، حيث أشار البعض إلى أن ذلك يعود إلى الخضوع للضغوطات الاجتماعية وتأثير ذلك على الحرية الشخصية ونمط الثياب. وصرحت خالدة جرار، العضو في المكتب السياسي للجبهة الشعبية لتحرير فلسطين، والعضو في المجلس التشريعي الفلسطيني، لجريدة الحياة أن الحجاب يمنع تحرر المرأة "لأن الفكر اليساري قائم على النظر إلى المرأة كإنسان وليس كجسد"، في الوقت عينه أشارت جرار إلى عدم وجود قرار حزبي يحظر الحجاب لأن هذا الأمر لا يجوز ويتنافى مع الحرية الشخصية، وأن ذلك ينبع من تبني الأفكار والممارسات التقدمية، بحسب جرار.

وبالإضافة إلى اللهجة الاستشراقية للنص، المقال، باستخدامه صورتي، يشكل تهديدا خطيرا لي كصحفية مستقلة ويمكن أن يسبب مشاكل في الحصول على وظيفة جديدة في المستقبل، حيث ألصق بي صفة دعم أو الانتماء للتنظيمات اليسارية الفلسطينية، وهذا الأمر ليس كذلك. واستعمال صورتي للإضاءة إلى "الرفيقات" دون إذن صريح مني أو علم مسبق هو أمر مضر بي، ويدل على نقص خطير في المهنية لهيئة تحرير صحيفة الحياة.

(تجدر الإشارة إلى أنه في ظل قوانين الاحتلال الإسرائيلي، يعتبر الانتماء إلى الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين غير "شرعي" ويمكن أن يعرض المنتسب إلى الجبهة لـ"عقوبة" السجن تتراوح مدتها من سنة إلى سنتين، وتعتبر الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين منظمة "إرهابية" بحسب قوانين الاحتلال الإسرائيلي).

حتى هذه اللحظة، وكما هو وضع اليسار الإسرائيلي البائس حيث لا وجود له أو لا قوة له يستهان بها، يعاني كذلك اليسار الفلسطيني من الأمر نفسه. اليسار الفلسطيني، المجزأ إلى عدة أحزاب وعوضا عن تشكيل جبهة موحدة، لا يزال يعيش على أمجاد خطف الطائرات في الستينيات والسبعينيات مجد ممزوج بصور أيقونية لليلى خالد وشي غيفارا، ويقدم في الوقت خطابا عاجزا وذابلا، لا يستطيع الوقوف بوجه السلطة الفلسطينية ويكتفي باستخدام لهجة صارمة تجاهها يعبر فيها عن خيبة أمله منها، يشجب هذا الموضوع، ويشجب ذاك الموضوع، ويدين كل شيء.

لا يتعلق الأمر فقط بهجمة رجعية على اليسار. ولكنه محصلة لمن هم في هذه اللحظة الراهنة الذين تحولوا منذ توقيع اتفاق أوسلو منذ عشرين سنة. حيث اكتفوا بإدانة لفظية للسلطة الفلسطينية في بعض الأوقات، وفي أوقات أخرى خضعوا لها. أداروا ظهورهم في استيعاب الفكر الماركسي للرأسمالية والمسألة البروليتارية ضمن إطار المجتمع الفلسطيني، وهمشوا حقوق المرأة عندما اختاروا عدم التصدي للمجتمع البطريركي المحافظ لصالح تعزيز قواعدهم الشعبية.

البعض يعتقد أن ارتداء الحجاب في الأحزاب الشيوعية والماركسية أمر غير معقول أو محير للعقل، ويتجاهلون السياق الثقافي والديني، والشخصي. أكثر من ذلك، إذا كان الموضوع في نهاية المطاف يتعلق بالحرية الشخصية، فلماذا تشعر أنك بحاجة إلى استكشاف هذه المسألة بتعالٍ؟

حالة الهوس بما ترتديه الناشطة مهينة في المقام الأول، ومقززة، ومثيرة للسخرية، وتديم تشييء صورة المرأة. على ما يبدو أصبحت مسألة إصدار الأحكام المسبقة أمرا أساسيا في مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. العديد من الفلسطينيين، والإسرائيليين والمصورين الأجانب يركزون على تصوير ملابس النساء الفلسطينيات في المظاهرات، أو يصابون بالهوس لتصوير عيون النساء الملتهبة إذا كانت وجوه بقية المشاركين ملثمة بالكوفية.

وكما علقت هذه المدونة:
"من السهل جدا الوقوع في فخ تشييء النساء المشاركات في المقاومة، وربما يحصل ذلك بطريقة غير واعية. هذا الأمر لا يدل فقط على عدم احترام، إنما يؤكد السبب الذي يدفع المرأة للوقوف للدفاع عن نفسها. حيث يلتقطون صورة متملقة لفلسطينية وسط تظاهرة محولين القضية الفلسطينية إلى عرض، ويقدمون صورة من يعتقدونه الأجمل خلال المعركة. ولكن ذلك لا يسلط الضوء على القضية نفسها".

يمضي العديد من الفلسطينيين وقتا طويلا على وسائل الإعلام الاجتماعية، يشرّحون ويفصلون ملابس الفتيات، وسراويلهن، وقمصانهن، وشعرهن، وحجابهن. ويقول الإسلاميون "اتقي الله!، هذا الزي ليس مقبولا، ويجب أن تعلّقي من شعرك في أعماق جهنم". ويقول العلمانيون بسخرية: "أتمنى أن تأخذيني إلى بيتي، ماذا تفعل امرأة ترتدي ثيابا ضيقة هنا؟"، ويُقدِمون على حمل الفتيات عند وقوعهن على الأرض. ويتشدق الطرفان بالتالي: "هل سنحرر على يد حفنة من النساء؟ عليكن البقاء في المنزل إذا كنتن تعلمن صالحكن!" أما المرأة التي تعبر عن رأيها وتحاول أن تسمعهم صوتها تصبح مخلوقة منحرفة اجتماعيا بنظرهم.

أنا لا أختلق هذه الاقتباسات. لقد سمعتها وما يشابهها مرارا وتكرارا خلال العديد من المظاهرات. كما نتعرض للتحرش الجنسي اللفظي من المتظاهرين ورجال الأمن الفلسطينيين. وفي مظاهرات رام الله، نُحاصَر لنصبح كتلة واحدة، وبالتالي نتعرض لتحرش جنسي جسدي. تكمن المشكلة في المواقف المتحيزة ضد المرأة من قبل المناضلين من أجل الحرية على وسائل الإعلام الاجتماعية.

يعتبر اليسار الفلسطيني الحجاب، باستثناء أولئك الذين يعتقدون حقا أن الحجاب لا يؤثر على درجة مشاركة المرأة في المظاهرات، عائقا اجتماعيا، من البقايا الضارة أو السلبية للتقليد. مسألة الحجاب هي أكثر تعقيدا من ذلك. هناك من أجبرت على ارتدائه، وهناك من فعلت ذلك عن قناعة وليست بالضرورة قناعة دينية. تبسيط مسألة الحجاب لا يختلف عن نهج المستشرقين المعجبين مرضيا بالتساؤل عن الأسباب الدافعة لارتداء الحجاب.

يتصرف المتدينون انطلاقا من الدافع الديني، ويعتقدون أن ذلك من واجبهم، ومن حقهم المعنوي إلقاء محاضرة للمرأة حول نوعية الملابس. والعلمانيون يتصرفون انطلاقا من تنورهم وضرورة مكافحة التقاليد، حيث يعتقدون أن من واجبهم تصنيف من يعتقدونه تقدميا ومنفتح التفكير ومن هو منغلق وقمعي.

هنا يتلاقى الطرفان في التحيز الجنسي ضد المرأة.

حرروا عقولكم. عندها سيكون لدينا فرصة في التحرير.