الاستشراق في تأويل ادوارد سعيد ونقد مهدي عامل

نشر في‫:‬الأثنين, نيسان 15, 2013 - 18:04
يلعن روحك يا تان تان
الكاتب/ة: لميا مغنية.

في كتابه "هل القلب للشرق والعقل للغرب: ماركس في استشراق ادوارد سعيد" (1985)، يقدم مهدي عامل نقدا مهما لكتاب "الاستشراق"، مرتكزا على أربع صفحات فقط من الكتاب التي تناول فيها سعيد علاقة كارل ماركس بالشرق وبالفكر الاستشراقي. يناقش مهدي عامل تأويل سعيد لماركس في هذه الصفحات الأربعة وينطلق منها كي يحلل ويفكك منطق الفكر الاستشراقي السعيديّ والافتراضيات الني يرتكز عليها، مبينا عدة إشكاليات يقع فيها هذا الفكر. يلخّص هذا المقال نقد مهدي عامل للاستشراق، كما يلقي الضوء على الاستخدام الثقافي العام لهذا المفهوم في الراب العربي، عبر أغنية "الاستشراك" للراس والفرعي.

فخ الهيمنة المطلقة: وحداوية الفكر وأزمة التغيير في الفكر الاستشراقي
يسود الصفحات الأربعة التي تتناول علاقة ماركس بالاستشراق، كما في الكتاب ككلّ، مفهوما موحدا للشرق ليس هو الشرق بذاته، بل "شرق" انتجه الفكر الاستشراقي كي يكون "ملائما للثقافة السائدة الطاغية" (ص. 7). هذه "الثقافة" المهيمنة يحدّدها سعيد ويعرّفها بثقافة الغرب، متجاهلا الطابع التاريخي المادي لها كثقافة برجوازية سائدة.

لا يحلل سعيد أصل الطابع الطاغي والمهيمن لهذه الثقافة، فهي بالنسبة له سائدة ومهيمنة لأنها غربية. أما بالنسبة الى مهدي عامل (والماركسية ككل؟)، فهنالك فارق مهم بين "ظاهر الشيء" و"الشيء نفسه"، بين الهيمنة الظاهرة شكليا لكنها تٌصارَع، والهيمنة الحقيقية المطلقة. عندما تجاهل سعيد الطابع الطبقي للثقافة الغربية وتناولها كأنها الغرب ككل، تجاهل معها نقيضها الدياليكتيكي الثوري، تلك المساحة النقيضة للثقافة السائدة التي تحدّ من هيمنتها الظاهرة، وبالتالي عزز طابعها الشمولي أكثر، وهو ما تطمح إليه هذه الثقافة كثقافة برجوازية تطمح الى السيادة المطلقة.

في الفكرالسعيديّ الاستشراقي يستوي ظاهر الشيء والشيء نفسه. يأخذ سعيد بوحداوية الفكر كشيء مسلّم لا وجوب إلى تحليله أو تفكيكه. فيلغي بالتالي أية إمكانية وجود للتناقض وللصراع في تاريخ الفكر والأفكار، وتبدو الثقافة المسيطرة والسائدة "ظاهريا" كثقافة سائدة وطاغية في أصل تكوينها تلغي أية امكانية لوجود نقيض لها أو عمليات مقاومة لها ضمن هذا المنطق. فالفكر الاستشراقي ينظر في التاريخ من وجهة الفكر المسيطر "حتى ولو حاول أن يكون ضده"، حتى ولو كان ينظر إليه بعين ناقدة (ص. 8).

هكذا يقع سعيد في فخ الهيمنة المطلقة، حيث ينظر إلى التاريخ عبر "منطق التماثل" (ص. 13) الذي لا يقبل بالتناقض إلا كاستثناء يعزز أكثر سيادة الفكر المهيمن ويخضع له. بالنسبة له، ينحصر الحقل الفكري في مجتمع ما بالفكر السائد الذي يصبح فكرا قوميا و"بنية لفكر الأمة" (ص. 10)، ليس فكر الطبقة المسيطرة. أما الماركسية فتنظر إلى التاريخ من موقع الفكر النقيض، فتُظهر بالتالي حركات الصراع والتناقض في الفكر السائد.

هذه التناقضات الداخلية الطبقية، التي تفترضها الماركسية في كل مجتمع أو نظام، تتحول في الفكر السعيديّ إلى علاقة تناقض خارجية بين فكر الأمة وفكر الفرد. وبما أن الفرد لا يمكن له أن يقاوم أيديولوجية الامة، يخضع لها وللقانون العام.
في هذا المنطق يصبح الفكر الماركسي ذاته خاضعا لا محالة إلى الفكر السائد للغرب، أي إلى الفكر البورجوازي، بالرغم من كونه مختلفا عنه، بل نقيضه الطبقي المباشر (ص. 16). فمنطق التماثل الذي يرتكز عليه الفكر السعيديّ الاستشراقي، عكس الدياليكتية الماركسية، فهو "يوفّق" بين الشيء ونقيضه، وبين القاعدة والاستثناء وبالتالي يلغي أية امكانية فكرية أو منطقية للصراع. فيقع الفكر الاستشراقي في فخ الهيمنة المطلقة، ويعجز عن تفسير أي نوع من التغيير والصراع، كما يعجز عن تفسير جديد للمعرفة أو امكانية انتاج معرفة جديدة، فإن "الصراع المعرفي هو القوة المحركة لتاريخ المعرفة ذاتها (ص. 79).

علاقة الغرب بالشرق محكومة دائما بالاستشراق: القلب للشرق والعقل للغرب
يهتم مهدي عامل بنقد القانون العام للفكر الاستشراقي والتبعات المنطقية التي ينتجها هذا الفكر. في الفكر السعيديّ، تتلخص علاقة الغرب بالشرق بأنّ كل فكر غربي هو فكر استشراقي، أي أنه فكر ينتج معرفة عن شرق الاستشراق ملائمة للثقافة الغربية السائدة، لاعن الشرق نفسه. العلاقة بين الغرب والشرق محكومة دائما بالاستشراق ولا يفلت من هذا الفكر أي باحث أو مفكر أو عالم.

أما ماركس فيقع سعيد في حيرة حول رأيه: هل علاقة ماركس بالشرق علاقة استشراقية أم أن ماركس استثناء للقاعدة؟ بمنهجية صلبة يفكّك مهدي عامل عملية التحليل السعيديّة لماركس ويتابع كيف/متى يحدد سعيد الفكر الماركسي كاستثناء وكيف/متى يحدده كقاعدة (فكر استشراقي). كما أنه يحلل حيرة سعيد الظاهرة في النص ويسأل ما الأساس الموضوعي لحيرة سعيد؟ هل هذه الحيرة وليدة المنطق الفكري للاستشراق نفسه؟

يبدو كذلك لعامل. يقرأ سعيد ماركس من جهة أخلاقية فردية وإنسانية، حيث يسجّل له تعاطفه الإنساني مع الشعوب الشرقية كخروج استثنائي عن الاستشراق، وتحليله المادي والطبقي كعقلنة استشراقية معرفية لهذه الشعوب "كأنّ ماركس بصراع بين قلبه وعقله و(كأنّ) القلب للشرق والعقل للغرب" (ص. 19). الاستثناء الوحيد الممكن عن الفكر الاستشراقي هو بالتالي استثناء فردي إنساني أخلاقي، حيث يغلب على ماركس في فكره قلبه لفترة كي يرجع عقله ويرشده تحت لواء الثقافة الاستشراقية السائدة. فالعلم والمعرفة لا يمكن إلا أن يكونا استشراقيين.

هكذا يعتمد سعيد منطق ال "إما.... وإما...."، إما العقل أو القلب، إما التعاطف الإنساني أو التحليل العلمي، إما الفرد أو الأمة (ص. 20) ويلغي وجود أي تناقض مادي ديالكتيكي للثقافة السائدة إلا في شكل استثناء فردي يضعف ويخضع في الآخر إليها. يستبدل سعيد الطابع الطبقي بالفردية فيصبح التناقض الاجتماعي صراعا بين الفرد والمجتمع وهو صراع تربحه بطبيعة الحال الأمة والدولة ويكون صعبا جدا على الفرد تغيير أي شيء (ص. 23).

في اعتماده على ثنائيات الفكر الاستشراقي في نقده لهذا الفكر (القلب/العقل، الفرد/المجتمع، الشرق/الغرب)، بدلا من نقدها هي وتحليلها، يظل سعيد سجينا للفكر الذي يحاول ان ينقده في كتابه (ص. 48).

ماركس في تأويله السعيديّ: محاكمة أخلاقية مثالية ومنطق التأويل السعيديّ
يرى عامل أن التأويل السعيديّ لماركس كما بدا في كتابه "الاستشراق" أتى تأويلا مثاليا ذاتيا حلل فيه سعيد ذات ماركس وأخلاقه وفرّق بين تعاطفه الإنساني وفكره و"هذا ما لا يصح"، لأنه وجب على سعيد أن يؤول النص الماركسي تأويلا ماديا تاريخيا لا مثاليا. أي أن يفهم النص الماركسي ضمن توجه ماركس المادي الديالكتيكي وألا يسقط عليه منطقا مثاليا ذاتيا (ص. 30-31). بالتالي فإن التأويل السعيدي لماركس قد نجح في إلغاء الأساس المادي الذي يقوم عليه الفكر الماركسي الثوري وحجّمه تحجيماً مبنياً على الإنسانية الذاتية (ص. 36).

عبر هذا المنطق الذاتي الإنساني، تتحول علاقة التناقض (الصراع الطبقي) إلى علاقة صراع أخلاقية بين فكر الاستشراق السائد القومي والمشاعر الانسانية الذاتية الفردية، حيث يغلب القلب أحيانا على العقل فتخرج العلاقة استثنائيا عن الاستشراق (ص. 38).

هنا يلاحظ مهدي عامل "خطأ التأويل" السعيديّ، حيث إنّ استبدال التناقض المادي بتناقض شكلي وإحلال التناقض الذاتي مكان التناقض الطبقي هو مجرد تأويل خاطئ لماركس. لكنه لا يتوقف عند هذا الحدّ بل يسأل "لماذا هذا الخطأ في التأويل؟" أي فكر أو منطق يحكم التأويل السعيديّ؟" (ص. 41). هنا نرى أهمية دراسات وفكر مهدي عامل التي ترتكز على منهجية متماسكة وصلبة تمتّع القارئة وتعلّمها أساس النقد وخطواته. لا يقع عامل في نفس الفخ الذي وقع فيه سعيد وهو فخ التحليل الذاتي والفردي. لذلك لا يكتفي أن يشير إلى الأخطاء الموجودة في التأويل كي لا يكون نقده مجرد نقد فردي لمنطق إدوارد سعيد. بل ذهب عامل إلى التفكير بالمنطق والفكر العام الذي يحكم تأويلا لماركس كتأويل سعيد.
ما هو هذا الفكر الذي يحكم النقد السعيديّ نفسه؟ هو الفكر القومي الذي ينظر الى الشرق بعين الغرب العقليّ ذاته. هو فكر يعتمد على وحدانية العقل الذاتي وعلى ثنائية الغرب/الشرق، الفرد/الأمة. في نقده للاستشراق، يقع سعيد في فخ هذه الثنائية ولا يفلت منها فقد "جاء نقده محكوماً بها" (ص. 48). كل ما فعله سعيد هو قلب الثنائية وأصبح الشرق ينظر إلى الغرب. إن المنطق الذاتي المثالي الذي يُسقِطه سعيد على ماركس هو نفس منطق الاستشراق الذي يحاول نقده.

الاستشراق في الثقافة العامة العربية: أغنية "الاستشراك" للراس والفرعي نموذجا
بعيدا (او لربما ليس بعيدا جدا) عن الاستشراق في نقد مهدي عامل وإدوارد سعيد، اكتسب مفهوم الاستشراق معانٍ سياسية مادية (واقعية محسوسة) مختلفة في مخيلة الثقافة العامة العربية التي تستعمله وترتكز عليه كيف تعبّر عن العديد من القضايا الآنية في العلاقة بين الغرب والعرب. في أغنية "الاستشراك" للراس والفرعي، نلمس نوعا من الاستشراق ليس كانتاج معرفي فكري فحسب بل كنتائج مادية طبقية للعلاقة الاستعمارية الجديدة غير المتكافئة بين الغرب والشرق. هو استشراق القرن الواحد والعشرين الذي يرتكز في الأصل على الانتاج المعرفي الاستشراقي القديم (لورنس العرب) وعلى الشرق كشرق الاستشراق (الضيافة والمساعدة في التطور وتعلم حقوق الإنسان والتحضر)، كي ينتج ويغير خريطة فلسطين والعالم العربي. لكن الصراع معه واضح عبر كسر ثنائية الشرق المضياف/الغرب الضيف وعبر، كما ناقش مهدي عامل، إظهار الفرق بين ظاهر الشيء (الغرب سائد بيننا وهذا أمر مفروغ منه) والشيء نفسه (الغرب هو الغرب) . لربما عملية إظهار هذا الفرق بطرق مادية ملموسة في حياتنا اليومية، وهي ليست بعملية سهلة، هي من أهم انواع المقاومة للاستشراق.

كيف يمكننا إذا أن نتكلم عن علاقة الغرب بالشرق؟ ليست هذه العلاقة علاقة طبقية فحسب بل هي أكثر من ذلك. لكن لا شك أيضا في أن هناك فرقا مثيرا للاهتمام بين الاستشراق السعيديّ والاستشراق كما يستخدم في الثقافة العامة العربية. هنا ينبغي الانتباه للممارسات الجماعية للمفاهيم النظرية وأخذها بعين الاعتبار كإضافات نقدية تحليلية شعبية للنظريات الأكاديمية السائدة.

مهدي عامل. هل القلب للشرق و العقل للغرب؟ ماركس في استشراق إدوارد سعيد (1985) دار الفارابي

أغنية "استشراك" للراس والفرعي
https://www.youtube.com/watch?v=IOfZnZVf1lE&app=desktop