سيرة ذاتية أولية لامرأة في خضم الثورة الفلسطينية

نشر في‫:‬الأثنين, اذار 25, 2013 - 10:17
مشاركة المرأة في الانتفاضة الفلسطينية الأولى|موقع عرب ٤٨ الالكتروني
الكاتب/ة: بيسان رمضان.

قضيت سنوات الطفولة والمراهقة في مدينة نابلس التي تقع في وسط فلسطين المحتلة وفي شمالي الضفة المحتلة. كنت أبلغ ١٢ عاما عندما اندلعت احداث الانتفاضة الثانية، أتذكر بوضوح عدد المرات التي أخلينا فيها من المدرسة بسبب القصف أو عدد المرات التي استيقطت فيها على اصوات المدافع. لن أنسى المرة الأولى استيقظت فيها في يوم مدرسي على صوت مدفعية دبابة (المجنزرة) حين كانت تعبر شارعنا وكيف تركت أثرا على إسفلت الشارع. لم يسمح لي برؤية شهيد عائلتنا الذي استشهد مقاتلا بعد أقل من شهرين على حفل زفافه وذلك إثر مشاركته في إحدى المعارك الأولى وكان قد زارنا قبل يومين من استشهاده. كنت يومها، ولأول مرة في حياتي، على تماس مع الموت المباشر، العزاء، وجنازة الشهيد، والعروس وماذا سيحل بها؟، وكيف سننتقم؟، استشهد في ريعان شبابه.

على مر التاريخ، شهدت نابلس أعنف المواجهات مع الاحتلال، الأمر الذي أكسبها تسمية جبل النار واحتفظت به. فحين شنت الحملة الفرنسية على عكا عام ١٨٩٩ لحصارها وفشلت. في طريقها ارتكبت مجزرة رهيبة في يافا. فما كان من أهل يافا، إلى جانب الثوار، إلا أن نصبوا كمينا، بحيث استدرجوا مقاتلي نابليون حتى جبال نابلس، فاستراح الفرنجة على جبل عيبال، وكان الجبل تكسوه الغابات الخضراء، وقد تم تلغيمه بالكاز. وعندما صعد الجنود إلى الجبل فأشعل الجبل بالنار وحاصرهم الثوار. من هنا اكتسبت مدينتي هذا الاسم، جبل النار.

خلال سنوات الانتفاضة الثانية عاش أهل المدينة في أقسى ظروف الحصار. حوصرت المدينة بأكثر من ٨ حواجز عسكرية من كل الجهات، فجعلت من عملية التنقل مستحيلة، على الأقل في السنوات الأربعة الاولى. على الصعيد الشخصي، أدى هذا الأمر إلى حرماننا من قضاء عطلة الأعياد مع عائلة والدي في قريتنا التي تبعد ١٠ دقائق بالسيارة عن المدينة، فضلا عن استحالة زيارة عائلة أمي في مدينة جنين التي تبعد ٤٥ دقيقة في السيارة.

في إحدى المرات قرر أبي المغامرة بنا. الأمر الذي كلّفنا مبلغا محترما من المال وذلك لتهريبنا بين مديتني نابلس وجنين في رحلة استغرقت ٥ ساعات حيث تنقلت السيارة بنا بين الجبال.

كل هذا ليس إلا مقدمة للظروف التي يمكن تخيل طبيعة الوعي الذي يتشكل لدى أبناء وبنات جيلي. الوعي الجغرافي للوطن والوعي للعدو والمقاومة. مع كل ذلك، فإن تجربتي، التي لا أعدها قاسية أبدا، لم تشمل رؤية جثث المقاتلين في معارك البلدة القديمة خلال اجتياح نيسان ممدة في أزقة البلدة القديمة، كما لم أشاهد تفجير حائط منزلنا حتى يتسنى للجنود الدخول للقيام بعملية تفتيش، ولم أمر بتجربة فقدان ٩ أفراد من عائلة واحدة كما هو الحال في المجزرة التي تعرضت لها عائلة الشعبي الذين دفنوا تحت أنقاض منزلهم/ن، لأن الدبابة أرادت اقتحام البلدة القديمة من فوقهم/ن. ولقد كنت محظوظة كفاية بأن لا يتم إنذار عائلتي لإخلاء المنزل خلال ساعة من الزمان لنجمع حاجاتنا قبل هدم المبنى بأكمله.

بين عامي ٢٠٠٧-٢٠٠٨، اي بعد مرور عامين أو أكثر على انطلاق التظاهرات الأسبوعية المناوئة للجدار والاستيطان، كانت أول محاولة لي للانضمام لإحدى المسيرات في قرية بلعين غرب رام الله. لا أذكر الكثير من تفاصيل ذلك اليوم، سوى مشاهد معينة علقت في ذهني، كإطلاق الكثير من قنابل الغاز المسيل للدموع الذي لم اتعرض له من قبل بمثل هذه الكثافة. بالإضافة إلى رؤية الكثير من الأجانب بشقيهم، الدولي و"الاسرائيلي"، والقليل من الفلسطينيين وبالتحديد النساء الفلسطينيات. لن أقول أنني واظبت على "المشاركة" في هذه المسيرات بشكل معتاد او مستمر، و لم يكن لي أي دور يذكر سوى المشاركة في الهتاف مع أهالي القرية لأضيف صوتاً عربياً آخر على الأصوات المجيدة للغة العربية في تلك المسيرات. لم أرض بالتدرب على حمل كاميرا وتصوير المواجهات. حاولت، ولكن، عليّ الاعتراف، بأنني لا أرى في نفسي مقومات الصحفية ولا حتى الصحفية-المواطنة، لعدة أسباب، أهمها: حالة الإشباع في تغطية هذه الأحداث، كما إنني على علم تام بعدم جدوى وجودي في تلك المظاهرات، سواء في نعلين أو بلعين، في ذلك الوقت فأنا لا أريد تعزيز إحساسي بأنني جزء من جمع المتفرجين على تلك الأحداث.

وما دفعني إلى حضور المسيرات، و لن أستعمل مصطلح المشاركة لأنه على حد قول صديقي (على الاقل لسا في اشي عم بصير)، هو تفتّحي على هذا النوع من الأنشطة التي بدأت مع نهاية الانتفاضة الثانية وفي خضم تصفيتها، وخاصة خلال نهاية مرحلة خلق البانتوستونات المعزولة في الضفة الغربية على شكل فقاعات استهلاكية. أما في مراكز المدن التي شهدت بداية عمليات الترميم ولملمة جراح سنوات الحصار والقصف والاجتياحات. هذه اللملمة وإعادة البناء، كانت تركز على إخفاء آثار المواجهات، وفي بعض الأحيان طمس معالم المدينة. وعندما مشيت في البلدة القديمة لمدينة نابلس التي شهدت قتالا عنيفا بين المقاومة وجيش الاحتلال، وهي مكان تعرض لتدمير كبير وقتل فيها العديد من المدنيين، بالكاد تجد/ين أي أثر يدل على ما حدث، فبتنا نعتمد على شهود عيان يعرفون ما الذي حدث في ذلك الوقت.

أصبح التردد إلى المسيرات أمرا أكثر اعتيادية لعدة أسباب: أهمها الحفاظ على نوع من المواجهة المباشرة مع المحتل وتضامنا -رغم خجلي الشديد من استخدامي لهذه الكلمة- كفلسطينية مع أهالي المناطق المنخرطة في المواجهات، السبب الأهم بالنسبة لي هو التواصل الجغرافي، الوجداني والإنساني مع مناطق فلسطينية أحتاج الى عذرٍ لزيارتها فكانت المسيرات فرصة للقيام بذلك والحصول على بعض من التعويض لحالة الفقدان والجهل بالجزء الجغرافي المسموح لي بالتنقل به في الوطن حتى لو كان معلنا كمنطقة عسكرية مغلقة في تلك الأيام.

علي الاعتراف بأن الهتاف، والهروب من قنابل الغاز المتطاير، وتشجيع الشباب في حالة إصابتهم لجندي بحجارتهم ساعدتني على كسر حاجز الخوف من الجندي المدجج بالسلاح. المواجهة "الناعمة" ساعدتني على تقليل المسافة بيني وبين منطقة المواجهة، ربما لأن المواجهات الشعبية في تلك المناطق، ورغم خطورتها حيث جرح العديد واستشهد عدد آخر، لم تكن ساحة قتال مسلح، نحن الموضوع، نحن من يتم مهاجمتنا ونحن من نرد بأكثر الوسائل بدائية.

عبر السنوات القليلة الماضية و مع انتشار ظاهرة ما يسمى بالمقاومة الشعبية ومع التأكيد على استمراري في المشاركة في تلك النشاطات/ المسيرات /المحاضرات... بامكاني عكس بعض النقاط التي يتوجب توضيحها على الاقل من جانبي وتمثلني بشكل شخصي كامرأة.

هناك تعطش كبير من قبل ما يسمى بالمجتمع الدولي إلى رؤية نماذج "اللاعنف" التي أغدقت بالتمويل الخارجي، إضافة إلى تمويل السلطة المُهادِنة أيضا، فضلاً عن التغطية الصحفية المكثفة. أصبحت المقاومة الشعبية لدى البعض وسيلة لغسل آثام الفلسطينيين من تهمة "الإرهاب" التي ألصقت بهم خلال سنوات الانتفاضة الثانية بشكل خاص. فنجد أنفسنا نشدد في كل مناسبة، دولية ومحلية، على ضرورة استخدام الوسائل السلمية في هذه المقاومة الأمر الذي أدّى إلى سوء فهم، مقصود أو غير مقصود، في التفريق بين المقاومة المسلحة وغير المسلحة التي تشمل كل شيء من رمي الحجارة إلى مقاطعة كيان العدو إلى رمي المولوتوف. علما بأن التكتيكين المسلح وغير المسلح يندرجان تحت تعريف المقاومة الشعبية وهما من الوسائل الشرعية في مجابهة الاحتلال وهذا الأمر هو وسيلة للوصول إلى الهدف الأسمى وهو التحرير كامل التراب الوطني وعودة اللاجئين وتقرير المصير. ولكن المقاومة غير المسلحة جرى اختزالها في الكثير من المناطق إلى مهرجانات وخطابات، وفي بعض الأحيان مُنع الاحتكاك مع جيش الاحتلال لأنه "إحنا ما بدنا مشاكل". فأدى ذلك إلى جذب المزيد من المهتمين/ات خصوصا من مرتادي/ات السياحة السياسية في الضفة الغربية.

لذا نحن نعاني من الإفراط في إيجابية هذه الوسائل الاحتجاجية التي حُمِّلت أكثر مما يجب وأصبحت تعدّ إحدى استراتيجيات المقاومة في حين هي لا تتعدى كونها تكتيكا مؤقتا يناسب وسائل الإعلام. المقاومة تعني أن يكون هناك فعلا مقاوما. أغلب فعالياتنا لا تتعدى الاحتجاج وإرسال الرسائل الإعلامية لتأكيد أحقيتنا في المقاومة والوجود والتحرير. الأمر قد يصل إلى حدٍّ مزعج في بعض الحالات التي يتم فيها التأكيد على عدم التعرض أو الاحتكاك مع قوات الاحتلال. في نفس الوقت يتم تصوير هذه النشاطات الاحتجاجية على أنها أعمال مقاومة بطولية. ونبقى نحن الخاسر الأكبر في هذه المعادلة إلا من "تحسين" صورتنا كمناضلين/ات لا عنفيين/ات، كأنه ليس من حقنا أن نتمنى الأذى لمن يحتلنا، كأنه ليس من حقنا أن نتمنى أن يصاب الجنود بالأذى، وكأننا بتنا جزءاً من مسرحية طويلة.

مشاركة المرأة في هذه النشاطات الاحتجاجية بدأت تأخذ حيزا واسعا في البروز، خاصة بعد انطلاق شرارة الثورات العربية، بحسب اعتقادي. وقد بدأت من قرية النبي صالح التي مهّدت الطريق أمام تشجيع العديد من الفتيات إلى المشاركة في هذه النشاطات الاحتجاجية بكافة الوسائل سواء بالتنظيم، والهتاف، والتحضير والعمل المباشر. جاءت هذه المشاركة أيضا ضمن قالب نوستالجي لصورة المرأة المقاوِمة المستمد من تاريخ الثورة الفلسطينية والانتفاضة الأولى، خاصة، المرأة الملثمة، المساعدة لراشقي الحجارة، والهاتفة وغيرها من الأدوار، ولم تتخطَ هذا القالب بعد... ولكن لا أستطيع القول بأن المواجهة السياسية مع الاحتلال لها أي معنى من دون أي مواجهة مع القيود الأخرى في المجتمع وحتى في ساحة المواجهة نفسها. فنرى الكثير من الشباب الذين يفرضون سلطتهم الفحولية خلال المظاهرات مقللين من أهمية وجودنا، كنساء فنحن العناصر الضعيفة الرقيقة، بحسب وجهة نظرهم، فنحن نشارك فقط لأخذ الصور وتجميل الحدث. للأسف، فقد تم جرنا في بعض الأحيان نحو حصر مشاركتنا باعتبارها لا تتعدى مجرد التقاط الصور لنا بطريقة أصبحت، في بعض الأحيان، تتسم بالمبالغة والابتذال وهذا ليس المقصود. نحن كنساء نعي تماما محاولة استغلال مشاركتنا في الحراك السياسي لمحاولة ادعاء غسل القيود الأبوية المفروضة علينا وعلى مشاركتنا وهذا غير صحيح. كل من النساء المشاركات تخوض غمار معركتها في البيت والشارع ومكافحة التحرش وضد اختزالها إلى وعاء وجسد وعورة. كله جزء لا يتجزأ من محاربة الاستعمار بكافة أشكاله، فالنضال النسوي جزء لا يتجزأ من النضال السياسي.

حاليا نضاليتنا محدودة و"سكسية" في كثير من الأحيان ولا تتجاوز المهرجانات الإعلامية الخطابية. ولكن هناك العديد من الرفيقات اللواتي يجابهن هذا الاختزال وهذا التنميط لدور المرأة. هناك أيضا محاولات تنميط غربية ووسائل إعلامه المتعطشة أيضا لإظهارنا كنساء نرفض العنف، وحتى في بعض الأحيان نحاول منع الشباب من إلقاء الحجارة، وهذه صورة خاطئة جداً كأننا نتوسل القبول منهم/ن ونحاول تبرير انسانيتنا طول الوقت بالمشاعر الجياشة ومحاولة قبول الآخر (المحتل).

انا لست في موقع لتبرير إنسانيتي، من حقي تبني كل أشكال المقاومة الشعبية سواء المسلحة أو غير المسلحة، سواء بالصراخ أو بالتصوير أو ضرب الجنود على حاجز بقنبلة مولوتوف، كله مبرر.

تقول أساتا شكور إحدى المناضلات ضمن منظمة الفهود السود في فترة السبعينات: "لم يحصل أحد في العالم، أو في التاريخ، على حريته عبر مناشدة الوازع الأخلاقي للقامع".

نابلس ـ فلسطين المحتلة