التحرر الطبقي والتحرر النسوي: معركة واحدة

نشر في‫:‬الاربعاء, اذار 13, 2013 - 13:50
إلى يوم المرأة العالمي|ديلاوير عمر|فنون الثورة السورية
الكاتب/ة: برناديت ضو، وليد ضو.

في ما يلي حوار مع ناشطة نسوية في لبنان، حول دور المرأة والثورة في المنطقة بمناسبة يوم المرأة العالمي.

وليد ضو: ماذا تفهمين من مفهوم تحرر المرأة؟
برناديت ضو:
تحرر المرأة لا يعني أنها ليست حرة وتريد التحرر لوحدها ولا أراه منعزلا عن تحرر المجتمع. هو نضال المرأة اليومي للاستمرار في حياتها وعملها ومدرستها وجامعتها، في الشارع وفي البيت وفي كل مكان للقيام بما تريد. أستطيع ان أتكلم عن نضالي اليوم كامرأة تحاول أن تستثمر في دراستها خبرة نضالها السياسي الممتد على أكثر من عشر سنوات. عاطلة عن العمل وتنتمي الى طبقة متدنية اقتصادياً وتحاول تمويل دراستها بشكل مستقل. عازبة في عمر الثلاثة والثلاثين وأحضّر نفسي للاستقلال عن عائلتي. كل هذاهو عينة مصغرة عن مكونات حياة النساء اليومية وإن لم ينخرطن في اي حركة نسوية تدعو إلى مفهوم ما للتحرر. وفي ذلك مستويات عديدة منه الشخصي والعلاقاتي وسبل تبادل الحب والحنان والدعم المعنوي الذي أحتاجه من أصدقائي وعائلتي، ومنه الاقتصادي والتمتع بالموارد المادية لأحقق ما أحب القيام به في عملي وأؤمن حياة كريمة، ومنه السياسي والمشاركة في الحيّز العام في الشارع والأحزاب والنقابات والجمعيات.

وبالتالي، إن تحرر المرأة لا يتم بموجب فعل واحد أو على مستوى واحد، كما لا يتم من خلال المستوى القانوني حصرياً، فهناك قوانين صالحة ولكنها لا تطبق كما إن القوانين بطبيعتها كأداة بيد السلطة للسيطرة على المجتمع، وهي لا تطبق على الجميع بشكل متساو. نعم إن مسألة تنزيه القوانين أمر ضروري لمحو التمييز على أساس الجنس، إلا ان ذلك لن يتم من دون حركة اجتماعية تضغط على الدولة بشكل شعبي. والحراك النقابي اليوم في لبنان، والذي بدأ بالتصاعد وبأخذ منحى استقلالي، منذ الصيف الأخير على الاقل، عن العفن السياسي المسيطر على معظم الهياكل النقابية التقليدية، يمكن أن يعطي مثالاً واقعياً عما أعنيه.

إحدى المشاكل الحاصلة لناحية عدم إقرار أي قانون تطالب به الحركة النسوية، اليوم، يتعلق بأن المشترع لا يرى أي حركة ضغط شعبية تضطره إلى الرضوخ وتعديل أو إقرار تشريعات جديدة.

ومفهوم تحرر المرأة مركّب، ومشروع قانون حماية النساء من العنف الأسري الذي أعدته منظمة "كفى عنف واستغلال" خير مثال، فحتى في حال إقراره لن تستطيع المرأة التي لا تملك مالاً الادعاء على أبيها أو أخيها أو زوجها ولن تستطيع التحرر وحماية نفسها من العنف الممارس ضدها من دون بديل اقتصادي يخوّلها إكمال حياتها بشكل مستقل، وفي معظم الأحيان مع أولادها.

وبالتالي فإن مطلب إقرار القانون لا معنى له بغياب مطالب تتعلق على الأقل بالمساواة بالراتب والضمانات الاجتماعية والصحية والاعتراف بالقيمة الاقتصادية للعمل الرعائي المطلوب في "الغالب" من النساء.

المساواة بين الرجل والمرأة هل تتحقق عبر نضال مشترك بين الجنسين أم من خلال صراع بينهما؟
الصراع بين الجنسين هو من مصلحة النظام، فالصراع ليس مع الرجل إنما ضد النظام.

هذا النظام يعطي بعض الامتيازات والتسلط للرجل على المرأة، لكنه أيضا يقمع الرجل ويحدده ضمن قوالب معينة فإذا خرج عنها سيدفع ثمنا نتيجة لهذا الخروج. خروج الرجال والنساء عن القوالب الاجتماعية ليس مجانيا أبدا. لأن كل من قام أو يقوم بذلك دفع ثمنا في حياته/حياتها الخاصة والمهنية والسياسية وعلى كل المستويات.

بالعودة إلى موضوع المساواة، أنا لا أرى أي إمكانية لتحقيق المساواة مع الرجل ضمن النظام الرأسمالي، لا أريد أن أتساوى مع رجل يقبض الحد الأدنى للأجور ولا يتمتع بأي ضمانة اجتماعية.

المساواة هو مفهوم فارغ من مضمونه، العدالة هي كيف أحقق المساواة بين الناس والناس ليست متماثلة، ولا تملك ذات الفرص والامتيازات. كيف أحقق المساواة بين الغني والفقير؟

كيف يمكن الكلام عن المساواة والفقير إذا سرق يسجن أما الغني فسرقته هي دليل على نجاحه وبالتالي زيادة ثروته ويكون "الله قد أنعم عليه". أما الحقيقة فتقول ان الفقير اضطر الى السرقة لتدهور قدرته المعيشية لأن الغني لم يصرّح عن ضرائبه. من هنا، يجب تجريم اقسى لهذه الجريمة الاقتصادية خاصة في فترة الأزمات وانحباس الاموال في جيوب الأقلّية.

وكيف يمكن الحديث عن المساواة حيث أن مديرة مصرف تحظى بامتيازات أهم بكثير من رجل موظّف في محل ألبسة. ما هو مضمون المساواة في وضع كهذا وفي ظلّ القوانين الموجودة أي في ظل النظام الرأسمالي؟

أي منظمات بديلة لأي مجتمع بديل؟
معظم المنظمات البديلة لا تهدد النظام إنما تعيد إنتاجه، لأن البنية التمييزية الموجودة في المجتمع موجودة أيضا داخل معظم المنظمات، فالقرار هو للأقوى ولمن هو متفرغ أكثر، وللذي نال شهادة أعلى (او ذات قيمة اقتصادية وتوظيفية اكبر اذا كانت من جامعة خاصة "مرموقة") بفضل امتيازاته الطبقية. داخل المجموعات هناك مجموعة قيادية لها قوة القرار السياسي والتنفيذي وهذه المجموعة لا تتغير، فلا أطر واضحة للمحاسبة ولا تداول للسلطة. حتى بغياب الشكل التنظيمي الهرمي نجد ذات المشاكل موجودة في القيادة.

كيف تعيد هذه المنظمات إنتاج النظام؟ لأن معظمها اصبح يفتقد لأي حاملة فكرية أو اجتماعية أو سياسية ولأي مشروع تغييري. فالأجندات والاستراتيجيات بمعظمها تُقرَر بحسب فرص التمويل.

وفي ظل شبه غياب لخطاب يتحدى النظام برمته، تتجه المنظمات بأغلبيتها إلى التخصصية بجزئيات تقنية. وأصبح/ت المناضل/ة الاجتماعي/ة يتمتع براتب شهري وتخلى عن العمل السياسي الطوعي.

من خلال مراقبة بعض التظاهرات، في الفترة الاخيرة على الأقل، يمكن تخيّل التقرير الوصفي والمالي والخطوط العريضة لهما والذي تقدّمه المنظمات للمموّلين.

وإذا راقبنا أيضاً الاعتراض الموجود داخل هذه الحركات او خارجها نرى أنه غالباً ما يأخذ طابع الخلاف الشخصي والفئوي تتخلله معارك من تشويه السمعة وتلفيق الأخبار والقدح والذم والمزايدة السياسية الخ. في الغالب ما ينكفئ الاشخاص عن العمل السياسي أو يشكل البعض مجموعات ومنظمات جديدة لا تشي بالأفضل. إلا ان هناك مقاربات جيدة في النقد والبحث بعمق عن اسباب المشاكل وعن خلاصات العمل السياسي لبناء خطاب جديد انما ما تزال تجارب جنينية. مثل صفحة "انتفاضة المرأة في العالم العربي" التي بدأت بالتحرك على الأرض بعد أن سلّطت الضوء على اشكالية الثورة والمرأة من خلال رجال ونساء من المنطقة.

تحرر المرأة أم الطبقة العاملة ضمن رؤية الأحزاب اليسارية التقليدية والمنظمات النسوية وأولويات كل منهما؟
من يضع تحرر المرأة كأمر يتعارض مع التحرر الطبقي والعكس يكون دجّالا ومنافقا. الجندر هو أصلاً مفهوم طبقي، المرأة من وجهة نظر ماركسية هي طبقة "أدنى" من الرجل إذا عزلنا كل العوامل الأخرى، والثورة على النظام الرأسمالي والطبقي لا يمكن أن تكتمل من دون الثورة على الأنماط الجندرية المهيمنة. وكما أن النضال النسوي لا يمكن أن يصل إلى شرائح المجتمع الواسعة إذا لم يكن معنيا مباشرة بقضايا المجتمع، فأي حركة اجتماعية وسياسية لا تملك أجندة نسوية تكون ناقصة وغير ثورية.

المشكلة تاريخيا، أنه يتم فصل الموضوعين، التحرر الطبقي والتحرر النسوي، أما في الواقع، إن النظام يقمع الناس بأشكال متعددة منها جندري ومنها طبقي ومنها إثني وعرقي، ومنها ثقافي، ومنها سياسي. يفتقر معظم الخطاب السياسي، والفكر الذي يلهم الحراك الاجتماعي اليوم والنسوي بشكل خاص، ونضالهم/ن اليومي، إلى المواجهة الجذرية مع النظام رغم الثورات المشتعلة من حولنا.

دور الإسلام السياسي في الوقت الحالي، وهل ترين هناك ضرورة لمواجهته وكيف؟
لا يمكن الكلام عن الإسلام السياسي باعتباره حالة واحدة معزولة عن الزمان والمكان. النقص الحقيقي الموجود عند الحركات العلمانية والمدنية والنسوية هو الجهل بالدين وبالأمور الدينية بالإضافة إلى الرفض للمعرفة في هذا الحقل. اليوم، وكامرأة يسارية، كيف أناقش أحد السلفيين إذا لم أعرف شيئا عما يؤمن به، إلا إذا أردت الانكفاء إلى تبشير المؤمنين بالقضايا التي أعمل عليها. هناك اعتقاد خاطئ ومشكلة حقيقية في الحركة العلمانية بأنها ستقدر على مواجهة الإسلام السياسي، الذي يستولي على الحكم في المنطقة حاليا، من دون تطوير معرفتها بالدين وبالمؤسسات الدينية بالإضافة إلى الحركات الدينية السياسية وتاريخها ومكان وكيفية نشوئها والفوارق بينها في كل بلد وكل مجتمع.

لا يمكن الانتصار على هذا النظام الجديد دون امتلاك المعرفة عن ماهيته والمعرفة هي التي تخولنا بالتالي لتطوير مشروع سياسي مواجه له، وقادر على استقطاب الناس إليه من داخل الحركة الإسلامية أو غيرها من الحركات السياسية. هذا الواقع والسلوك والجهل، هو من الإرث المعيق والثقيل للحرب الباردة حيث انتمى التقدميون من قوميين وشيوعيين وعلمانيين للخندق السوفياتي والحركات الإسلامية مع مموّليها الأساسيين (ملوك النفط الخليجي) للخندق الأميركي والأمر الذي غاب عن التقدميين، ولا يزال، أن الاتحاد السوفياتي هو قوة إمبريالية كما هي الولايات المتحدة، وبالتالي لا يمكن أن يؤدي الصراع بين إمبرياليتين إلى أي تحرر. ومن نتائج الفكر التقدمي في بلادنا رفض الدين واعتبار المتدينين "جهلاء وأغبياء ونعاج"، وتحوّل ما يعرف بالفكر التقدمي إلى "كنيسة" جديدة لها مواقف عصبوية من المؤسسات الدينية الأخرى دون بذل أي جهد لتفكيك الخطاب العلماني أو الخطاب الديني وأيضا مع رفض لأي نية للنقد الذاتي. لا ننسى أن بعض الفكر العلماني والتقدمي في بلادنا قد أنتج ديكتاتوريات كجمهورية البعث.

الأمر الأساسي في هذه المرحلة، هو عدم السكوت عن الخطاب الديني خاصة عندما يستلم السلطة حيث تكون المعركة معه أوضح ولكن مواجهتنا له ما زالت ضعيفة، والنقد الموجود حاليا هو بمعظمه رهابي.