اغتيال الحسن، وآذاريو لبنان

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين اول 22, 2012 - 17:05
عتمة وشوية طريق|حازم رعد|الفن والحرية
الكاتب/ة: باسم شيت.

لا يمكننا النظر الى مسألة اغتيال اللواء وسام الحسن يوم الجمعة ١٩ تشرين الاول ٢٠١٢، كونه فقط استتباعاً لمشروع استهداف قوى الرابع عشر من آذار، فما ينساه أو يتناساه كثيرون من قياديي ١٤ آذار ان ما يفصل هذا الاغتيال عن الاغتيالات السابقة، هو شيء لا يمكن بسهولة رميه خارج نطاق العوامل الاساسية التي أدت إلى اغتيال الحسن.

فالثورات العربية التي قامت ولا تزال مستمرة (وان بوتائر مختلفة) في جميع المدن العربية من المحيط إلى الخليج وضعت الأنظمة العربية بمجملها في معركة الدفاع عن وجودها بوجه شعوبها، ومن ضمنها النظام السوري، والذي يسعى بشكل بشع ومجرم إلى القضاء بكافة السبل على الثورة الشعبية التي لا زالت مستمرة بوجهه منذ عامين.

ومنذ بداية الثورة والنظام السوري يحاول توسيع إطار المواجهة، وتخفيف الضغط السياسي عليه من خلال تفجير الوضع اللبناني الداخلي، وهذا يحصل في ظلّ سكوت تام لقوى الثامن من آذار تحت حجة النأي عن النفس.

لذا فإن الدوافع المباشرة لاغتيال الحسن لا تأتي كونها كما يصوّرها البعض تنفيذاً "لأجندة استهداف ١٤ آذار"، وأنها استهداف للدولة اللبنانية، بل إنها محاولة من النظام السوري للانتقام وضرب موقع أمني قام في الآونة الاخيرة بتعطيل العديد من محاولات الأسد لتفجير الوضع اللبناني، وكان آخرها قضية ميشال سماحة، أي أنه تمهيد لمحاولات جديدة سوف يقوم بها الاسد في تفجير الوضع اللبناني.

وهذا أدى الى ازدياد هشاشة قوى الثامن من آذار لكونها متحالفة مع نظام الاسد، وإن وضعها سيتجه الى كثير من التأزم، ولكن تجاهل قوى ١٤ اذار للسياق السياسي للاغتيال أدى من جهتهم ايضاً إلى دفعهم إلى المزيد الاخطاء التي زادت من تأزمهم وشرذمة سلطتهم على جمهورهم. وبات هذا الامر واضحاً في فشل تحركهم يوم الأحد (٢١ تشرين الاول) تحت شعار اسقاط الحكومة، إذا إن المعضلة التي وضع ١٤ آذار أنفسهم أمامها هي أنهم من جهة يعرفون كما يعرف الجميع أن لا حكومة ١٤ آذار ولا حكومة ٨ آذار، أو حكومة وحدة وطنية تستطيع أن توقف هذه الاغتيالات، بينما نظام الأسد في سوريا لا يزال قائماً؛ ومن جهة اخرى ليس باستطاعتهم اسقاط الحكومة ديمقراطياً أو من داخل المؤسسات التمثيلية لعدم تشكيلهم اغلبية برلمانية.

وفي ظل هذا التناقض تصبح "لغة الشارع" اللغة المباشرة الأقرب للكثير من القيادات الشبابية والقواعد الحزبية، ليس لأنها "هوجاء" كما يصفها الكثيرون بل لكونها رأت في احتلال السرايا الرد العملي الوحيد الذي يمكن فعله في ظل الشلل السياسي القائم لدى قوى الرابع عشر من آذار، وعدم مقدرتهم على تنفيذ وعودهم لجماهيرهم.

فمحاولة اقتحام السرايا كانت فعلياً تمثّل وصول التناقضات داخل ١٤ اآار الى مستوى القمّة وخاصة ما بين القاعدة والقيادة، وهذا يبدو جلّياً على مستوى تيار المستقبل خاصة في ما قاله أحد قيادييه (معين المرعبي) من طرابلس، وايضاً في ما قالته القيادات الشبابية في ساحة الشهداء ورياض الصلح.

ومن هنا نستطيع أن نرى ان المعضلة الفعلية اليوم هي عجز النظام السياسي في جناحيه من الخروج من أزمة النظام القائم والتي تتمظهر على مستوى اعمق واكبر خاصة مع تفجّر الثورة السورية المستمرة منذ عامين، ومن الغباء هنا عدم رؤية الترابط ما بين أزمة النظام السوري وأزمة النظام اللبناني، أو الاعتقاد أن أي من حكومات ١٤ او ٨ آذار ستستطيع ان تقدّم حلاً فعلياً للواقع القائم على أي مستوى كان.

أجل ٨ اذار تغطي على جرائم الاسد ويجب اسقاطها، وقوى ١٤ اذار غطّت على الجرائم الاسرائيلية في لبنان ويجب إسقاطها، وكما غطت جميع قوى المنضوية تحت ١٤ و٨ اذار منفردة أو ضمن سياق تحالفات مختلفة جرائم الاسد في لبنان في السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات واليوم، وكما غطت هذه القوى جرائم قياديها في الحرب الاهلية من خلال قانون العفو العام. ولذا يجب إسقاطهم جميعاً وليس مساعدة طرف على إسقاط الآخر.

فالسؤال الذي يجب على هذه القوى الإجابة عليه، والتي بسبب طبيعتها الطائفية والسياسية لا تستطيع الاجابة عليه هو: ما هو الرادع الذي تستطيع أن تقدمه اي من هذه القوى لعدم استمرار مسلسل الاجرام البعثي في لبنان؟ ومن جهة أخرى كيف تستطيع (هذه القوى) أن تضمن عدم تكرّر الاعتداءات والحروب الاسرائيلية على لبنان؟

وهنا لا يمكننا الهرب من مسألة أساسية هو كون أن أي مواجهة للنظام البعثي أو مواجهة ضد العدو الاسرائيلي لا يمكن أن تستمر أو تنجح إن كانت منتظمة ضمن إطار طائفي، أو أن تكون منضوية تحت هيمنة قوى إقليمية (ممانعة كانت او معتدلة، مع الاعتراض على هذه التوصيفات البائسة) وبغض النظر إن كانت هذه المواجهة مسلّحة أو غير مسلّحة.

وهذا بالتحديد هو المأزق الذي تطرحه الثورات العربية على الأنظمة القائمة والقوى السلطوية التي تدور في فلكها، فالشارع العربي اليوم يضع خطوط المواجهة على مستوى إسقاط وتغيير النظام، وليس في مسألة تغيير حكومي. وهذا ما يضع استخدام كل من قوى ١٤ و٨ آذار لمسألة الثورات العربية بزاوية الانتهازية البائسة لتبرير حقهما بالسلطة، فمن جهة نسمع ١٤ آذار تزايد على الشارع العربي كونهم كانوا منارة الربيع العربي، و٨ اذار تزايد من جهة اخرى بأن الشارع العربي اليوم ينتفض فقط ضد الهيمنة الامبريالية.

ولكن الشارع العربي لا يجري بما تشتهي كلّ من سفن الآذاريين اللبنانيين، فرأينا صعود الثورات في سوريا والبحرين وبصيص الثورة في السعودية وإيران، وغيرهما، وهذه الاحداث ان تثبت شيئاً هي أن الشارع العربي إن كان يسمع لأحد فهو يستمع لنبضه، لآماله، وبالطبع لن يستمع لاحدث الخرافات والتبريرات السياسية التي تستنبطها القوى الآذارية في لبنان.

فاليوم ان كنّا حقاً نريد ان نمتثل لشي، فلماذا لا نتواضع بعض الشيء ونمتثل للنهج الثوري الذي يرسمه نساء ورجال الشارع العربي في معركتهم/ن بوجه السلاطين والطغاة، فإن كنا نريد ان ننصف الدم الذي يذرف يومياً في المدن العربية كافة وفي لبنان ايضاً، فأقلّ الايمان هو الانسحاب وعدم تأمين الغطاء أي غطاء كان لقوى طائفية وسياسية لن تتردد ساعة واحدة من ان تقذف مئات الآلاف الى موت من أجل الدفاع عن حقها "الإلهي" او "الوراثي" بالسلطة.

وأخيراً إن كنا نريد أن ينصفنا التاريخ عندما يمر على ذكر اسم لبنان وأن يذكر ولو بجملة واحدة أن هناك في لبنان بعض من الناس وقفوا بوجه السلطة بألوانها كافة، بان هناك بعض من الناس الذين لم يكسروا عصا المحاسبة على قياس المصلحة السياسية الفئوية والطائفية والآنية، فكلّ شخص فقد قريباً/ةً او صديقا/ة منذ الحرب الاهلية حتى اليوم له/ا الحق في ان يعرف أو يحاسب من ارتكب الجريمة، فحقهم، بأقل تقدير، يوازي حق اصحاب السلطة، ان كان لا يفوقه.