المدارس النظرية في التحليل الطبقي

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 5, 2012 - 18:53
غلاف كتاب إريك أولن رايت "أساليب قياس الطبقات"
الكاتب/ة: أحمد الشولي.

تعد دراسة التركيب الطبقي في المجتمع ذات أثر بالغ في توجيه سياسات التنمية والتخطيط المركزية، أو رسم خريطة لحركة القوى الاجتماعية والتنبؤ بلحظات الصدام الحتمية في المجتمع الرأسمالي. إلا أن تعريف مفهوم الطبقة الاجتماعية يبقى إشكاليا من حيث الأساس النظري المستند إليه أو الاستخدام الوظيفي للمصطلح وبناء التوجهات انطلاقا من ذلك، فتتابعت التحديثات والانتقادات لمفهوم المادية التاريخية الماركسي والذي يعد أساس التحليل الطبقي من دينامية أساسية هي تطور المجتمعات الرأسمالية وتبدل أنظمة العلاقات الدولية وتفرع العلوم الإنسانية قياسا بشمولية المفهوم الأساس، وما لذلك من أثر على فهم التكوين الطبقي والعلاقات القائمة داخل مجتمع معين أو في علاقة المجتمعات ببعضها البعض. نسترجع هنا المدارس الأساسية في التحليل الطبقي والتحديثات الواردة عليها بشكل رئيسي من الكتاب المنسق من قبل إريك أولن رايت "أساليب قياس الطبقات" (Wright, 2005) والذي يعد من رائدي الفكر الماركسي المعاصرين، كما أنه شمل مراجعات لعدة أعمال ومدارس نظرية من قبل عدد من الباحثين بتوجهات أخرى. فالمقالة أدناه هي تلخيص لأهم ما ورد في هذا الكتاب المهم، مع بعض الإضافات من منظري علم اجتماع آخرون قمت بإدخالها حسب علاقتها بوحدات الكتاب موضوع الدراسة.

يضع إريك رايت Erik Wright في الوحدة الأولى تصورا للنيوماركسية في التحليل الطبقي، ابتداءا من تراجع التركيز على مفهوم المادية التاريخية إلى التمركز حول أهمية التكوين الطبقي والانطلاق منه نحو أسس جذرية للعدالة الاجتماعية من خلال تحليل الاستغلال الرأسمالي. فهو بهذا الإطار المتجدد المنطلق من الطبقية أساسا، يسعى إلى التركيز على علاقات القوة والسيطرة والتأثير. وبهذا يصبح التطور الأهم هو العودة للأساس الأخلاقي للعدالة الذي انطلق منه ماركس، وتثبيت المنهج النيوماركسي ضمن الأسس الجذرية للعدالة عوضا عن التركيز على أحقية الطبقة العاملة بالسيطرة والتطور التاريخي الحتمي للرأسمالية باتجاه الاشتراكية. الفرضيات الأساس لهذا المنطلق متماثلة مع الماركسية الكلاسيكية: العدالة الاجتماعية الجذرية كأساس للتطور الإنساني، الفرصة التاريخية السانحة للتغيير ضمن ارتفاع الإنتاج الرأسمالي مقارنة بقلة الإمكانات في مجتمعات دون رأسمالية كاملة، ورفض الرأسمالية كمانع رئيسي للعدالة، ولكن الإضافة الرئيسية ضمن الأجندة النيوماركسية هي دراسة اللحظة الراهنة دون مرحلة الانفجار الثوري على قاعدة أن الفترة الفاصلة بين ثورة وأخرى كبيرة عادة، ومطلوب من المنهج الماركسي تقديم إطار نظري لدراسة هذه المراحل.

الاعتقاد السائد هو أن دراسة الطبقية تعتمد على البنية الطبقية والعلاقات الطبقية في حالة الثبات، ويتم التركيز على مفاهيم الصراع الطبقي، المصالح الطبقية، التكوّن الطبقي، والوعي الطبقي عند حدوث تحولات رئيسية في السياسة المتبعة من قبل الدولة أو عند حدوث انفجارات ثورية. وضمن سياق دراسة الطبقة الوسطى، فإن النظرة الماركسية الكلاسيكية تقود إلى الافتراض أن اللحظة الزمنية هي لحظة ثبات، ويتم التوجه بناءا على ذلك إلى دراسة البنية الطبقية والعلاقات الطبقية ضمن عدة محاور تطرحها النيوماركسية:
1. بينما تبقي على توزيع المجتمع في طبقتي الرأسماليين والعاملين؛ تتوسع في شرح عملية الإنتاج والهرمية الإدارية، وتفاوت العاملون نفسهم في حجم الصلاحيات المتاحة لتسيير عملية الإنتاج.

2. تطرح في هذا السياق فكرة المواقع الطبقية، فقد يتقمص أحد أفراد الطبقة العاملة دورا رأسماليا في سياق مختلف، كأن يكون مالكا في موقع إنتاج آخر. من طبيعة وعملية التقسيم الطبقي هو تفاوت حجم السيطرة التي تمتلكها الطبقات في سياقات مختلفة، فقد تكون الطبقة الرأسمالية مكبلة في مجتمع ما أكثر من آخر، علما بمحافظتها على طبيعتها الطبقية كرأسمالية.

3. استمرار التوسع في دراسة المواقع الطبقية، فبينما تبقي على الطبقتين كأساس لتقسيم المجتمع، تطرح في المقابل عدة مواقع طبقية تعمل على تزاوج خصائص من الطبقتين بأشكال مختلفة، تصل عند رايت مثلا إلى 12 موقعا في بعض التحليلات، كالتمييز بين العاملين بأجر سواء كانوا متخصصين أو غير متخصصين، مهرة أو غير مهرة، عاملين بمهن ذات سياق تطور عامودي أو ذات ثبات نسبي في الموقع... الخ.

4. المنظور الكلي ضمن سياق العولمة وتمايز علاقة رأس المال والدولة من قطاع إلى آخر حسب حرية حركة رأس المال والمقدرة على التنظيم الجماعي للقوى العاملة، والمنظور الجزئي بحسب دور المواقع الطبقية في توليد منافع متمايزة داخل نفس الطبقة، ودور ذلك في أخذ قرارات وفعل وصياغة التحالفات وأنواع الممارسات الفردية.

5. أهم ما يميز المنهج الماركسي والذي تبقي عليه النيوماركسية وتتفرد فيه عن المدارس الأخرى، هو التركيز على علاقات القوة والاستغلال، فلا يكفي الحديث عن الفوارق بين المواقع الطبقية والفرص المتاحة للتحسين كل حسب موقعه، بل كيف أن هذه المواقع متناقضة في حد ذاتها والمنافع المتحصلة قائمة على التربح من جهد الغير، فالفارق ليس فقط في مستوى الدخل، بل أن نسبة من هذا الفارق يتم تغذيتها من خلال علاقات السيطرة. فالطبقة الرأسمالية هي تلك التي تملك مصادر الإنتاج بما فيها البرجوازية الصغيرة التي تعمل لحساب نفسها، والبروليتاريا أو الطبقة العاملة هي التي تعمل بأجر ولا تمارس أي نوع سلطة، وما بين الاثنتين هي مواقع طبقية متناقضة.
تقسيم المواقع الطبقية حسب رايت في المجتمع الرأسمالي

مُلاك وسائل الإنتاج العاملين بأجر:
يُشغل ولا يعمل 1. البرجواز 4. المدراء المتخصصين 7. مدراء بمؤهلات متوسطة 10. مدراء بمؤهلات محدودة
يُشغل ويعمل 2. صغار مالكي العمل 5. المشرفين المتخصصين 8. مشرفين بمؤهلات متوسطة 11. مشرفين بمؤهلات محدودة
لا يُشغل ويعمل 3. البرجواز الصغير 6. الخبراء من غير المدراء 9. عاملين بمؤهلات متوسطة 12. البروليتاريا

فأحد أهم الفوارق بين الماركسية الكلاسيكية والنيوماركسية هي إبقاء الأولى على الطبقة العليا من العمال ضمن الطبقة العاملة، ورفض فصلهم عن عموم العمال المتحصلين فقط على الحد الأدنى من الدخل (لينين، 1965). على صعيد آخر، يبقي رايت على وجهة النظر الكلاسيكية القائمة على ضم العاطلين عن العمل إلى البروليتاريا لدورهم في تعزيز إنتاج الفائض من خلال ضمان حدود أجر منخفضة واستبدالهم مع العاملين الحاليين (Marx, 1974)، بينما تميل فروع نيوماركسية أخرى إلى فصلهم عن البروليتاريا باعتبار أن لا سلطة تمارس عليهم لعدم عملهم. كما تقوم توجهات نيوماركسية أخرى في تفصيل أنواع العمالة بين تلك المساهمة في إنتاج الفائض وتلك التي ليست في داخله مباشرة كالفرق بين معلمي المدارس الخاصة ومعلمي مدارس القطاع العام باعتبار منتجي الفائض جزء من البروليتاريا بينما من يعمل خارج إنتاج الفائض يعد من ضمن البرجوازية الصغيرة (Poulantzas, 1978)، بينما رايت لا يذكر هذه الفوارق ضمن هذه المقاربة.

يقدم ريتشارد برين Richard Breen في نفس الكتاب أطروحة لدراسة الطبقات الاجتماعية يضعها ضمن النهج النيوويبيري NeoWeberian نسبة إلى ماكس ويبر Max Weber. يستند المنهج في الأساس إلى الفرص المتاحة للشخص للاستفادة من المنافع التي يقدمها أي مجتمع، فبالإضافة إلى جانب ملكية وسائل الإنتاج من عدمها، يمتلك الأشخاص خبرات ومؤهلات تضعهم في مواقع متباينة داخل السوق، فيستخدم ويبر مصطلح الطبقات الاقتصادية والتي يزيد عددها عن الطبقات الاجتماعية، يلاحظ كثرة التحول من موقع اقتصادي إلى آخر مقارنة بالثبات النسبي في التحول من طبقة اجتماعية إلى أخرى. يقسم ويبر الطبقات الاجتماعية إلى أربعة: الطبقة الريادية المالكة المسيطرة، الطبقة البرجوازية الصغيرة، طبقة العاملين بمهارات موصوفة (الطبقة الوسطى)، طبقة العاملين الذين لا يملكون غير قوة عملهم.

تأخذ الطبقات الاقتصادية أشكالا تنظيمية ومقدرة على العمل الجماعي أكثر منها في الطبقات الاجتماعية، فقد يعتمد الوعي الطبقي بالمعنى الكلاسيكي على ظروف اجتماعية عدة، وتأثير التقسيم الطبقي في علاقات القوة حاضر دائما وإن لم يتشكل الوعي الطبقي تماما، لكن العمل ضمن مجموعات المصالح الاقتصادية في تحصيل المنافع وعرض الإمكانات في آليات السوق أكثر حضورا وملامسة للأمور اليومية منه في آليات العمل الطبقي الاجتماعي.
يتعرض ويبر إلى التفاوت بين العاملين بأجر من حيث علاقتهم بمالكي العمل، فتنقسم هذه الفئة الواسعة حسب مكان الإنتاج وطبيعة النشاط الاقتصادي. في المجال الخدمي على سبيل المثال، يوجد حيز للعامل بإدارة عمله وتوجيهه وتراكم خبرته مما يجعل من الاستغناء عنه واستبداله ومراقبته المباشرة أكثر صعوبة من العامل بمجال غير خدمي، فيتسنى للأول فرص تطور وظيفي وحوافز استمرارية ترفع من مستوى معيشته وتأمينه الاجتماعي.

طوّر جولدثورب Goldthorpe مقياس طبقي حسب هذا المبدأ من ويبر يتفاوت بين أربع طبقات وسبعة وإحدى عشرة (استخدم المقياس الأوسع في انجلترا وويلز فقط)، وأكد من خلاله على اختلاط عوامل القوة والفرص المتاحة لتحسين المستوى المعيشي بشكل أكثر ملامسة للتعاملات اليومية وفي غياب الوعي الطبقي الناظم للعلاقة بين الطبقات الاجتماعية الرئيسية، فهو لم يقم فقط بتقسيم العاملين بأجر، بل ناقش أن لم يعد الرأسماليون الكبار يشكلون طبقة بالمعنى الحقيقي إذ لا تتجاوز نسبتهم في أحسن الأحوال 5%، حيث الشركات الكبرى يملكها عدد كبير من الناس ومنهم العاملون بها بما فيهم الإدارة العليا (إلا أن هذه الشريحة تحديدا تشكل إشكالا رئيسيا لغياب فعلي للرقابة على عملهم مقارنة بباقي الشرائح)، فأغلب المُلاك هم من فئة البرجوازية الصغيرة (أصحاب محلات وورش وفنادق ومطاعم).
التقسيم الذي يقدمه جولدثورب تفصيلي، ويتفق مع محددات وضعها إيفانز وميلز Evans and Mills تساعد على تجميع العاملين بأجر ضمن هذه الفئات: الدوام بأوقات محددة، طريقة دفع الراتب (ثابت، بالساعة، بالإنتاج)، ادراج الوظيفة ضمن سلم تطور مهني، مدى تحكم العامل/الموظف بسرعة انجاز العمل. بحسب نموذجهم، تنقسم الطبقة الوسطى إلى مديرين ومشرفين بالمراتب الدنيا وعمال روتينيين بوظائف غير جسدية.

جولدثورب
11 طبقة اقتصادية 7 طبقات اقتصادية 4 طبقات اقتصادية
طبقة الخدمات العليا طبقة الخدمات العليا طبقة الخدمات
طبقة الخدمات الدنيا طبقة الخدمات الدنيا
وظائف روتينية غير جسدية، عليا وظائف روتينية غير جسدية طبقة وسطى
وظائف روتينية غير جسدية، دنيا طبقة عاملة
مُلاك صغار مع عاملين صغار المُلاك صغار المُلاك
مُلاك صغار بدون عاملين
مزارعين وعاملين لأنفسهم في قطاعات أولية
مراقبي عمال وتقنيين بمرتبة دنيا مراقبي عمال وتقنيين طبقة وسطى
عمال مهرة بوظائف جسدية عمال مهرة بوظائف جسدية طبقة عاملة
عمال غير مهرة بوظائف جسدية في غير قطاع الزراعة عمال غير مهرة بوظائف جسدية
عمال غير مهرة بوظائف جسدية في قطاع الزراعة

ينتهي برين عند اعترافه بأن التقسيم الطبقي حسب النيوويبرية قد لا يفسر تماما اتاحة الفرص حسب المواقع الطبقية، فعوامل العائلة، الخلفية الإثنية، النوع الجندري قد تلعب دورا في صياغة الفرص المتاحة، ولا بد أن يكون لها علاقة بالطبقات والمواقع الاجتماعية، إلا أن النيوويبرية قد لا تكون الأمثل في رصد هذه العوامل. بالإضافة إلى هذا القصور في هذا المنهج، يقدم مالكوم الكسندر Malcolm L Alexander (Alexander M L*) نقدا للمنهج النيوويبري الذي انتشر في بريطانيا تحديدا منذ السبعينيات من القرن الماضي في بداية العصر النيوليبرالي. يرى الكسندر تحديدا أن مشكلة النيوويبرية ركزت على إمكانية الصعود ضمن الحركية الاجتماعية ولم تضع في مركز اهتمامها أن هذا الصعود يتحقق من خلال عزل مجموعات أخرى أقل تأثيرا وأقل إمكانية، وأن هذا التناقض الأساسي ولد مشكلة من كونه تعاظم في انطلاقة النيوليبرالية التي سعت إلى تفتيت مكانات حصرية بتصنيفها ممارسات احتكارية أو سلطوية تعيق التقدم، وبقمة الانتقاء الذي لم يمارس نفس الشيء اتجاه الملكيات الموروثة، بل هاجمت التراخيص والقوانين والحواجز التي تنظم مهنة أو مجالا ما، فكانت النيوويبرية تقدم طرحا وأساليبا لإمكانية الصعود الاجتماعي في ظروف كهذه، ، فركزت النيوويبرية كما النيوليبرالية على صعود جزئي للبعض، وعلى حساب أو من خلال فصل أنفسهم عن بعض آخر، ودون النظر إلى الطبقات العليا التي حافظت على شرعية ممتلكاتها وامتيازاتها عكس مجموعات أخرى تم إنهاء احتكاراتها بفتح المجال لأشكال احتكارات أخرى.

يقوم ديفيد جرسكي وجابريلا جاليسكو David Grusky and Gabriela Galescu في نفس الكتاب بدراسة أسس التحليل الطبقي وفق منهج إميل دوركايم Emile Durkheim. يتبع المنهج أساسا مبدأ التقسيم الجزئي لوظائف العمل عوضا عن المنهج الماركسي الكلي الطابع، والذي باعتقادهم غير قادر على مواكبة تطور المجتمعات الصناعية الحديثة التي يقسم فيها العمل وتتعدد جوانبه ومؤهلاته وامتيازاته وما ينعكس منه على المصالح الفردية وطرق المعيشة والاتجاهات السياسية. فمركزية هذا الطرح تقوم على تذويب أهمية الطبقات الكبرى وعدم استمراريتها الحتمية في المجتمعات الرأسمالية، وبالتالي بروز أهمية التحليل الجزئي لطبقات أكثر عددا وأصغر حجما، ضمن النسق التنموي القائم على الحركية الاجتماعية وإمكانية الصعود من مرتبة أدنى في السلم الاجتماعي إلى مرتبة أعلى.

يضع منهج دوركايم الجمعيات المهنية كبديل للتحالف الطبقي الأوسع، فيميل الممرضون على سبيل المثال إلى التحالف المهني لتشابه ظروف عملهم في وعي موّحد وفهم متشابه لموقعهم، ويترافق هذا التخصيص حسب المهن مع الأخلاقيات الإنسانية التي تعلي من شأن الحقوق الفردية لجميع الناس لتعويض الفردية التي ينتجها هذا التحالف الوظيفي، وهي مسألة كانت معالجة أخلاقيا ضمن التقسيم الطبقي الواسع، فترافق مع هذا التقسيم الضيق الاستعاضة عن التحالف الإنساني الأخلاقي القائم على مفهوم شمولية الطبقية الثنائية، مبدأ الفردية والاعتقاد بأحقية أي إنسان بفرصة عادلة وبحقوق متساوية. فالمبدأ الماركسي القائم على الاغتراب والعزلة بين الطبقات ومواقع الاستغلال المتناقضة، يستعاض عنها حسب منهج دوركايم بمعرفة الأشخاص بدورهم الوظيفي المحدد في تغذية المنظومة القائمة وفهمهم أن أدوارهم لها دور وتأثير على حياة الفئات الأخرى، وهذا بالتالي ما عناه دوركايم من تحول التعاضد والتآلف من ميكانيكي حسب الوصف الماركسي القائم على الفصل الوظيفي التعسفي إلى التعاضد العضوي القائم على التمايزات الفئوية والوعي بها وفهم منتسبيها لأدوارهم في المنظومة العامة.

وبحسب منهج دوركايم، انتشار التركز الوظيفي واضح من خلال المنظمات المهنية وبروز دور مراكز التدريب الوظيفي المهني بما يخلق مجالا وأفقا لمواقع عمل معينة ويرسم إطار تطورها ومستقبل شاغلها ووجود قوانين وتشريعات تؤكد الفصل القائم بين المواقع المختلفة وتنافسها مع النقابات العامة الواسعة وبروزها على حساب نفوذها داخل الدولة. إلا أن من الملاحظ ضعف هذا التمايز والتقسيم ورسم الحدود والمنافع وغيابه لدى المواقع الوظيفية الدنيا وافتقارها لمؤسسات تعبر عنها حصرا بسبب قلة الاهتمام والموارد في التدريب والتنظيم وعدم ثبات خط مستقبلي لهذه الوظائف يمنح أصحابها الفائدة من العمل الجماعي بمسماها. ومن الجدير بالذكر أن التقسيم الوظيفي ليس شرطا ضروريا في المجتمعات الصناعية المتقدمة، فألمانيا على سبيل المثال تتسم بكثرة التقسيم الوظيفي، بينما اليابان يتركز التقسيم فيها حسب الشركة من خلال ثقافة استدامة الوظيفة لدى نفس الشركة والتنقل بين مختلف مواقعها ووظائفها مما يخلق رابطا على مستوى الشركة وليس على مستوى الوظيفة والتأهيل المهني كما هو الحال في ألمانيا. وتتناقض الولايات المتحدة مع السويد على الوجه المقابل بحيث يتكثف التقسيم الواسع وينحسر التقسيم الوظيفي في السويد، خلافا للولايات المتحدة حيث ينحسر التقسيم الشامل ويرتفع التقسيم الوظيفي. دوركايم حسب جرسكي قابل للتفسير واقعيا، فبينما التركيب الطبقي الواسع يفتقر إلى مؤسسية واضحة تمكن دارسي علم الاجتماع والتوزيع الطبقي من الاستناد عليها في دراساتهم، يقدم التقسيم الوظيفي والمهني عدة محاور للفصل تتصل مع واقع القوى العاملة من نقابات، وجمعيات، ومؤهلات علمية ومهنية، ومتطلبات ترخيص ومزاولة مهن، وتفاهمات قطاعية واجتماعية على أفضل سبل تسيير الأعمال.

الوعي الطبقي كما يناقش دوركايم ومن خلال دراسات احصائية تشير إلى رفض واسع للمبحوثين أن يعرفوا أنفسهم من خلال طبقات واسعة، بينما يوجد ميل واسع إلى التعريف الوظيفي وتشكل وعي الأشخاص من خلال ممارساتهم اليومية المباشرة ووفق أماكن عملهم. ورغم هذا الخلاف مع الماركسية، يتفق دوركايم مع ماركس أن مكان العمل وظروف العمل أصبحت ولا تزال المكان الأول في تشكل الوعي الطبقي على عكس دراسات أخرى تعطي جوانب أخرى كالعرق أو المجموعات الدينية دورا أوليا في تحديد المكانة الطبقية والوعي الطبقي. بروز هذه الأهميات الوظيفية يلقى صدى أيضا في نظرية الثبات والخصوصية الاجتماعية، حيث تؤسس هذه الرخص والمؤهلات إلى تسكين الأشخاص في فئات أكثر منها في الطبقات الاجتماعية الواسعة، تكون أكثر قدرة وفعالية على العمل الجماعي. ولكن، حيث يغفل هذا المنهج الفئات المتروكة خارج هذا التقسيم من الأقل خبرة ومهارة وتأهيل وإمكانيات، إلا أنه أكثر مقدرة على الفهم التفصيلي من التحليل الطبقي الواسع الذي يشمل الجميع ولكن لا يقدم تفاصيل ضرورية كما يفعل منهج دوركايم، حيث أهم ما يقدمه جرسكي عن دوركايم أن مبدأ الاستغلال والسيطرة والتربح الريعي المركزي لدى المنهج الماركسي يبقى قائما هنا في هذا المنهج، لكن يتم تفصيله على درجة المواقع الوظيفية والطبقات الاقتصادية عوضا عن حصره في الطبقات الاجتماعية الكبرى. وعلى الجانب الآخر، يقوم منهج دوركايم إلى حد ما بمناقضة منهج ويبر بأنه يحد من فكرة الحركية المجتمعية بتبنيه نظرية الثبات الاجتماعي حيث يسعى العاملون بمهنة أو وظيفة معينة إلى خلق إطار جمعي لهم ينظم مهنتهم ويعمل على تحصيل ميزات تفضيلية لهم، فبينما يرى ويبر فرص الصعود الاجتماعي داخل الطبقة الواحدة بشكل أكبر من الصعود بين الطبقات، يرى دوركايم مبدأ الاستغلال والريع والتربح في المنهج الماركسي مسحوبا على مستوى الفئات الوظيفية بشكل يحد من الصعود حسب ويبر بنظرته الأكثر إيجابية.

يقدم اليوت وينينجر Elliot B. Weininger في الوحدة الرابعة من الكتاب شرحا لنظريات بيير بوردو Pierre Bourdieu في التقسيم الطبقي للمجتمع. بداية، يشير الكاتب إلى أن بوردو يأخذ موقفا معارضا للتقسيم الوظيفي النظري للطبقات، فيرى أن الخط الفاصل بين الطبقات (الوسطى والعاملة على سبيل المثال) يفترض نزاعا سياسيا معينا تختلف نتائجه وآلياته بناءا على هذا الخط الفاصل وموقعه، فبوردو يتوافق مع تصنيف ويبر للمجموعات الاجتماعية، بمعنى أن دراسة الطبقات الاجتماعية لا ينبغي حصره في العلاقات الاقتصادية، بل إن هناك اعتبارات رمزية للمجموعات الاجتماعية تضيف في البعد التحليلي للطبقات الاجتماعية بمعناها الكلاسيكي.

نظرية بوردو تقوم على اختبار فرضية مدى العلاقة بين الاعتبارات الرمزية والمواقع الاقتصادية في تشكيل الطبقات الاجتماعية، فيعطي بوردو ثلاثة مبادئ لدراسة التكوين الطبقي: الأول؛ الموقع الطبقي للشخص، ثانيا؛ تعبير الشخص عن نفسه بعاداته الاستهلاكية واعتباراته الرمزية لتشكيل أسلوب معيشته، وثالثا؛ تحديد مجموعات اجتماعية متجانسة عبر الطبقات الاجتماعية. يتجاوز منهج بوردو أزمة المنهج الماركسي في اهتمامه بالتقسيم الوظيفي عوضا عن تقسيم عام إلى طبقة عاملة وطبقة رأسمالية، فبداية؛ يرى بوردو أن رأس المال متشعب ولا يمكن إجماله كله تحت مسمى واحد، إلا أن أبرز فئاته هو الرأسمال الاقتصادي/المالي والرأسمال الثقافي/التعليمي وإن كان دوره يختلف حسب الظروف المجتمعية، إلا أنه يتشكل عبر الوقت ويفرز مع المدة مؤهلات دقيقة تتيح لحاملها فرص وإمكانات معينة.

يمكن تقسيم نموذج بوردو وفق ثلاثة محاور خطية متداخلة: يقسم المحور الأول الأشخاص حسب حجم رأس المال المملوك من قبلهم (اقتصادي وثقافي) فيتساوى عليه كل من كبار الصناعيين وأساتذة الجامعات. ويقسمهم الثاني حسب خليط رأس المال الذي يملكون بين اقتصادي وثقافي، فيقع كل من الصناعيين والأساتذة الجامعيين على طرفي النقيض. بينما يقوم المحور الثالث بتحليل هذه المواقع وفق السبل التي يسلكها حاملوها، فيجد مثلا أن من ينشأ في عائلة متخصصة في وظائفها (رأس مال ثقافي) أكثر ميلا لأن يكون هو بحد ذاته ضمن هذه الطبقة، فيفحص هذا المحور دور العائلة والعلاقة بين المحورين الأول والثاني في إفراز الموقع الطبقي للشخص. فيمكن فهم نموذج بوردو بأنه مستمر وليس لحظي، وأقدر على تفسير إمكانيات تحويل رأس المال من شكل إلى آخر والنزاعات التي تحدث أثناء التنقل بين المواقع وعبر الزمن بالنسبة للشخص. ففي هذا الفضاء الاجتماعي، منهج بوردو يعزز مقدرة الأشخاص على الفعل أكثر من الفهم الميكانيكي القائم على حسم أدوارهم وتفاعلاتهم ضمن مواقعهم الطبقية، فنوع رأس المال المتاح يوفر ظروفا للعمل قد تكون أكثر ليونة منها لدى مزيج آخر من رأس المال، ويتعزز بناءا عليها نمط من الأفعال تشكل عامل تمييز يجمع بين فئات مختلفة في ظاهرها، مثل مفاهيم الذوق والتفضيل والاختيار. فاستطاع بوردو أن يربط بين المكانة الاجتماعية والطبقة الاجتماعية عبر سلسلة الأفعال التي تميز طبقة اجتماعية دون أخرى.

الفرضية التي يضعها بوردو هنا هي وجود ثقافة مقبولة في المجتمع تعد مصدر شرعية أفعال الأشخاص، يتنازع عليها كل من الطبقة المسيطرة والبرجوازية الصغيرة في تحديد القيم، تنأى عنها الطبقة العاملة وتشكل نمط استهلاك يومي مغاير ومناقض لذلك الشائع والمصاغ من قبل الطبقات الأعلى، كذوق الأكل والملبس والموسيقى والفنون. فالتصرفات الاستهلاكية للأشخاص وإقبالهم على منابع ثقافة وعادات معينة هو تمييز لأنفسهم في هذه الطبقة دون غيرها. وأكبر ما يقدم بوردو في هذا المجال هو افتراض الحيز اللامتناهي ورفض الحواجز الهيكلية الإقصائية، فيبرز بوردو دور الشخص في الاختيار وتحديد الذوق، ويرى أن هذه الإمكانية هي التي تخلق الصراعات والنزاعات التي يمكن فهم المواقع الطبقية بناءا عليها من طبقات مسيطرة وأخرى مسيطر عليها، فمدى الانتماء إلى الثقافة "الشرعية" أو الرئيسية في المجتمع يوضح الانتماء إلى الطبقات المختلفة وتخلق بدورها قناة راجعة أو قناة تغذية لتعزيز سلطة الطبقات المسيطرة، لتلعب بذلك دورا وظيفيا بالإضافة إلى كونها تعبير عن الذات، وهذه المظاهر التعبيرية تكون أكثر وضوحا كلما ترسخت الحدود الفاصلة بين الطبقات والمواقع بقوانين من الدولة، فالمظهر التعبيري لمجموعة ما من خلال نمطها الاستهلاكي أقوى من تلك التجمعات في أماكن الإنتاج للتعبير عن نفسها ولفت النظر إلى احتياجاتها وتطلعاتها.

يضيف بوردو عوامل الدين والجنس والعرق كمجموعات اجتماعية لها تأثير على المكانة الاجتماعية وطرق التعبير عن النفس وبالتالي المواقع والطبقات الاجتماعية ولكنه يضعها في مستوى ثاني بالمقارنة مع المحاور الثلاثة كمستوى أول، وتنحسر أهميتها كلما صعدنا على أي من تلك المحاور. ثم يطور هذه العوامل إلى الظروف المعيشية وتحديدا الدين والعرق لينطويان ضمنها وبالذات لضمور أثرهما عند الصعود على أي من المحاور، ولكنه يبقي على الجنس كعامل مؤثر فيلاحظ عوامل مشتركة بين النساء حتى باختلاف مواقعهم الطبقية ووظائفهم، وهو ما يفسر وجود المجموعات النسائية كشكل تعبيري في السياسة أو طرق المعيشة اليومية. أهم ما يميز منهج بوردو هو مقدرته على استخدام المنهج البنيوي مقارنة بحصرية المنهج الهيكلي المعتمد من قبل المدارس الأخرى، فيستطيع مثلا تفسير سبب عدم قيام مجموعة من المزارعين الصغار في مجتمع ما بالحركية علما بأنهم متماثلين هيكليا، ولكن افتقارهم إلى التنظيم البنيوي والذي يتم في مجال الاستهلاك أكثر منه في الإنتاج يفسر غياب الوعي المشترك لديهم وتقييمهم المشترك لعلاقاتهم بالطبقات الأخرى.

بعد التعرض لمناهج ويبير ودوركايم وبوردو كما يطرحها الكتاب، توجد مقاربة تجمع بينهم وبصورة أكثر شمولية. أنثوني جدنز Anthony Giddens (Giddens, 1984) يطرح منظور آخر لدراسة الطبقية من خلال اعتراضه على المنهج الهيكلي (Structuralism)، والذي يثبت النظرة القائلة بنزع الفاعلية من الشخص إلا في إطار الهيكل القائم من مفاهيم وعلاقات اجتماعية، مقابل طرح ما يمكن اصطلاحه بالتهيكل أو ديمومة الإنتاج الهيكلي (Theory of Structuration)، والذي ينص فيه على الفاعلية لدى الأشخاص في التأثير في الهيكل وبنيته سواء بإعادة إنتاجه أو تغييره، علما بأن ذلك يتطلب الوعي فيه ثم المقدرة على التأثير فيه، ويرفض وجهات النظر القائمة على المقدرة فقط دون الوعي لأن المقدرة أساسا نتاج لبنية الهيكل الاجتماعي، أما الوعي بهذه المقدرة هي الإثبات بفاعلية الشخص سواء بإعادة الإنتاج أو التغيير.

في الوحدة الخامسة من الكتاب، يضيف آج سورينسون Aage B. Sorenson مداخلة بمنهج نيوريكاردي – ديفيد ريكاردو David Ricardo مؤلف كتاب الاقتصاد السياسي والضرائب والذي يشرح فيه التعارض بين الربح والريع والمتأثر بكتابات آدم سميث Adam Smith، بينما يستند سورينسون أساسا ويتطور من المفاهيم الماركسية والتحديثات النيوماركسية. بداية، يرى سورينسون أن عزل مبدأ ملكية الأصول المنتجة ابتداءا من ويبر وما بعده لا يتعامل مع قضية المصالح المتناقضة للطبقات الاجتماعية، فهو يخرج من مفاهيم الظروف المعيشية وطرق تحقيق الحركية المجتمعية الصاعدة وأعاد التأسيس لمبدأ الطبقات بناءا على ملكية الأصول المنتجة من عدمها. وفي هذا السياق، يتعرض لمفهوم رالف دارندورف Ralf Dahrendorf الوظيفي الذي يشرح العلاقة بين الطبقات بناءا على السلطة في موقع الإنتاج، لكنه لا يقدم جوابا حسب سورينسون لماذا هذه العلاقات السلطوية متناقضة أساسا. ويرى أن رايت قدم مبدأ الاستغلال بشكل جيد بموائمته بين مُلكية الأصول والسلطة الوظيفية، وأن النيوماركسيين عموما قد نجحوا في الابتعاد عن ويبر الذي لم يركز على مبدأ الاستغلال، ولكن المشكلة في نظره أنهم صبوا تركيزهم على قضية السلطة لتفادي القضايا الشائكة في موضوع فائض القيمة وتخليق ربح جديد لصاحب العمل كلما زاد إنتاج العامل. وبناءا عليه، تبقى النظرية الاقتصادية القائمة على الإنتاج الحدي (والتي تعزز فكرة أن العامل الأكثر إنتاجا هو أكثر دخلا) بحاجة إلى معالجة من قبل الماركسية على قاعدة الاستغلال، ولكن من خلال التركيز على ملكية الأصول المنتجة عوضا عن ربطها بفائض قيمة العمل الذي تخلى عنه النيوماركسيين إلى حد ما، وعلى النقيض من جون رومير John Roemer الذي رأى ضرورة الانسحاب من قضايا الاستغلال عند تفعيل نموذج Game Theory والذي يطرح أن العاملين ريما يكونوا أفضل حالا في لحظة من اللحظات إذا قرروا الانسحاب تماما من السوق.

الأصول العاملة تنتج دخل لأصحابها يسمى ريعا، يأخذ من قيمة العمل باعتباره جزء من الكلفة ولكن دون عمل محدد، هذا الريع يولد مصالح متناقضة بين مالكي الأصول الذين يرغبون في جبايته وحمايته وربما زيادته - حسب تنافسية وظروف السوق، وبين المشتغلين على هذه الأصول والذين يذهب جزء من إنتاجهم عليها لسداد هذا الريع، والذين قد يرغبون في تخفيضه وربما إلغائه تماما. يعمل الريع حسب سورينسون إلى خلق البنية الهيكلية لعدم العدالة وفصل المجتمع على قطبين، يعرفان نفسهما من خلاله ويتيح المجال للوعي الجمعي للتشكل وأخذ المبادرة في العمل ضمن هذه الخطوط والتقسيمات، فيجد سورينسون أن المناهج المختلفة في دراسة الطبقات الاجتماعية تأخذ بعدها ضمن هذا التقسيم، فالتحصل على ريع يتيح مثلا فرصا مختلفة في الحياة، ونوع الريع المتحصل إن كان ثابتا أو متحركا، بمعنى أن الوصول لوظائف عليا ومتخصصة تدر دخلا عاليا بمثابة ريع وظيفي يتطلب بشكل سابق له تكلفة تعليمية وتدريبية عالية، قد تدفع من خلال دخل ريعي سابق، بمعنى تحول الريع من شكل إلى آخر، وهنا يقسم ويحدد الريع بثلاثة أشكال: أولا؛ الريع الاحتكاري والذي يضع كلفة على إنتاج ما مسببا خسارة في الرفاه الاجتماعي برفع سعر البيع أولا وانحسار البيع ثانيا بسبب رفع السعر. من أمثلة ذلك المصانع والاستثمارات الواقعة على أصول تنفرد بملكيتها، رخص المهن وتقنين يبل وصول القادمين الجدد إلى وظائف معينة من خلال النقابات والجمعيات المهنية على سبيل المثال. ثانيا؛ الريع المركب، وهو الذي يتحقق عندما يتحصل العاملون في شركة ما على تدريب متخصص في أعمال هذه الشركة، فيخلقون ريعا مكتسبا من الشركة في الوقت الذي استثمرته في تدريبهم، فتسعى الرأسمالية عموما إلى تخفيض الحاجة إلى الخبرات لفتح السوق أمامها للتعيين أولا، وتخلق نظام حوافز داخلي لموظيفها للتمايز بينهم إداريا وترتيبهم هرميا (بالتوافق مع النيوماركسية والنيوويبرية بخصوص التناقض في الموقع الطبقي والتحصل على الفرص)، وتحول الريع المكتسب للعاملين إلى ريع لصالحها بتحويل الحوافز إلى مستحقات نهاية خدمة، يخسرها العامل الذي يترك العمل. وثالثا، الريع الثقافي والجسدي الطبيعي لما لهذه المؤهلات من قيمة في سوق العمل – حسب الوظيفة طبعا، وتشكل مصالح مالكيها وفقا لها.

بحسب سورينسون، إن كان تغييب قضية الفائض من دراسة الطبقات الاجتماعية لصالح نماذج الاستغلال والسلطة في تحليل المجتمع الرأسمالي المتقدم من قبل الماركسية ضرورة حتمية، فإن مبدأ الريع المركب ومفهومه في عرض الوظائف داخل الشركة والحقوق المكتسبة لمجموعة من العاملين مقابل محاولات الشركات لقلب هذه المنفعة إلى صالحها تعد منهجا رصينا في دراسة الطبقات الاجتماعية، فحيث تسعى النقابات مثلا إلى الحفاظ على مكتسبات فئاتها من العاملين داخل بيئة عمل معين بتقنين الدخول إلى السوق وبخلق ريع معين يعمل على تعزيز غياب العدالة بشكل هيكلي، تسعى الشركات إلى إزالة هذا الريع وغياب العدالة الناجم عنه فقط لتعيد إنتاج غياب العدالة بشكل أقل هيكلية وعلى مدى أوسع، ويلاحظ هذا النموذج في التحولات النيوليبرالية لأسواق العمل.

بعد التعرض لمداخلات جرسكي وسورينسون في كتاب رايت والصادر في 2005، ناقش الكاتبان قبل ذلك مع كيم ويدين Kim A. Weeden (Grusky et. al., 2000) نموذج أليخاندرو بورتيز Alejandro Portes القائم على إعادة إنعاش التحليل الطبقي الكلي وفق وحدات المجتمع الكلاسيكية في المجتمع الرأسمالي المعاصر. يرى الكُتاب أن النموذج يعمل على إضعاف أفق التحليل الكلي لتعرضه لمهام التحليل الجزئي، حيث يقدم بورتيز حسب وجهة نظرهم مفهوم المصالح المتضادة على التفصيلات الوظيفية التي يمتاز بها المجتمع المعاصر، ويسحب عليها تعريف الطبقة الاجتماعية الكلاسيكي على هذه الفئات ويبرر أن الطبقة الاجتماعية قد تذوي وقد تُفعّل حسب ظرفها الموضوعي. ونقدهم هنا قائم على أن التحليل الكلي أو الماركسي على وجه الخصوص قادر على تقديم تفسيرات للحركات والمصالح والتحالفات بعيدة المدى، أما التقسيمات الفرعية والصاعدية الاجتماعية فمن الأفضل دراستها ضمن المنهج الجزئي المخصص للإجابة على أسئلة التحالفات والثبات المجتمعي ورأس المال الاجتماعي.

يقوم جان باكولسكي Jan Pakulski في الوحدة السادسة والأخيرة بطرح أسس للتحليل يسميها ما بعد الطبقية. فالطبقية بوصفها أساسا لفهم علاقات الملكية والعمل والعلاقات الاجتماعية كأسس لانعدام العدالة، وبالتالي محرك للوعي والعمل الجمعيين، تواجه مشكلتين رئيسيتين وهما المقدرة على إثبات عملية هذا الطرح الشامل واقعيا، والمقدرة على تفسير البناء الاجتماعي وتناقاضته والمصالح المتضاربة فيه بطريقة متطابقة مع الطبقات الاجتماعية. أساس التحليل هنا قائم على قبول قوة تفسير الطبقات الاجتماعية بشكل تاريخي، حيث تكمن قوة التفسير في المرحلة الصناعية من المجتمعات الرأسمالية المتقدمة، وتخفت أهميتها بالمقارنة مع مناهج ما بعد الحداثة وما بعد الصناعية في دراسة المجتمعات المعاصرة. فحسب أليكس دي توكفيلAlexis De Tocqueville يضيف باكولسكي، بروز قيم الفردية والمدنية والديموقراطية عمل على تعزيز العدالة بغياب أو تحييد مفهوم الطبقية، ولكن غياب العدالة لا يزال واقعا معاشا في المجتمعات الحديثة، يأخذ شكلا أكبر في التمايزات العرقية والدينية والجندرية مع العلم بأن التراتبية الاجتماعية لم تعد ثابتة ولا يوجد مسلمات أيدولوجية أو دينية يقبلها عموم الناس كأساس لعدم العدالة. وبنفس هذا القدر من التغير، يرى باكولسكي أن جرسكي أساء التقدير عندما اعتمد مبدأ أن المواقع الطبقية حسب دوركايم يمكن التعامل معها على أساس أنها طبقات اجتماعية واضحة المعالم والحدود ودائمة الشكل والبنية، وأخطأ أكثر من وجهة نظره عندما عاد لاستخدام قضية الاستغلال بين هذه المواقع لتعارضها الصارخ مع دوركايم في موقفه القائم على قيام هذه الطبقات (المواقع الطبقية) بتظهير وإبراز هذه الاختلافات في ما بينها. ويرى باكولسكي أن الويبريين عملوا دائما على فصل نفسهم عن الماركسيين برفضهم قبول البناء الطبقي كأساس واحد وشامل لغياب العدالة، فمايزوا بين الطبقات الاجتماعية والاقتصادية والمكانة الاجتماعية وركزوا على الصاعدية المجتمعية عبر الطبقات وداخلها ودور الدولة في صياغة هذه الفروقات.

يرى باكولسكي أن التقسيم حسب "كل شخص وما يمتلك" أو "كل شخص وما يعمل" حسب المنهجيين الماركسي والويبري غير كافيين للتفسير، بينما إضافات الويبرية "كل شخص حسب القناعات الاجتماعية السائدة" لها قدرة تفسيرية أعلى لفهم المجتمعات المعاصرة، فيأتي مثلا دور التعليم والثقافة ضمنا لها، ودور المواطنة والديموقراطية ضمنا لها أيضا – دور المواطنة من عدمها في إعطاء حقوق متباينة ودور الديموقراطية في منح الفرد حريات أكبر ضمن النظام السياسي المأطر للبناء الاجتماعي، وأخيرا دور العرق والجنس ضمن هذه القناعات الاجتماعية السائدة في تبرير غياب العدالة، حيث التغيير في العلاقات الطبقية في روسيا والصين لم يعملا جذريا على تغيير أوضاع المرأة، باعتبارهما مجتمعات ما قبل الرأسمالية في لحظة تغيير العلاقات الطبقية، واستطاع المجتمع إعادة تدوير مفاهيمه الثقافية إلى ما بعد هذا التغيير. فتقسيم دوركايم واعتماده على الدور الوظيفي (تطوير المفهوم الويبيري) تجاوز التقسيمات الواسعة المتبعة في الماركسية من عمال صناعيين ومزارعين، ويضيف أن حتى منهج دوركايم لم يعد مطابقا تماما لخطوط الفصل الطبقي، وأن للأبعاد الاجتماعية دور في تحديد الفصل وازدياد التقسيمات الطبقية.

من الأبعاد الاجتماعية على سبيل المثال، المجموعات الطوعية أو الفاعلين وقائدي الرأي الذين غالبا ما ينتمون إلى الطبقات النخبوية، ويستعملون استراتيجيات تجتاز التقسيمات الوظيفية والطبقات الاجتماعية في خلق حدود وفواصل داخل المجتمع إما أن ينتمي إليها الشخص أو لا ينتمي باستعمال رموز وقيم سياسية أو دينية أو عرقية. تميل هذه التنظيمات إلى اختراق البناء الطبقي القديم عاموديا، حتى وإن كانت أكثر حضورا في المستوى النخبوي وأكثر سيولة أو أقل تمييزا على المستويات الدنيا. ينتج عن هذه التنظيمات الاجتماعية ما يسمى "بغياب الطبقية مع الإبقاء على غياب العدالة" تأخذ مداها من خلال أكثر من محور للتقسيم داخل المجتمع، تتراجع وتتقدم هذه المحاور بشكل متداخل بين الطبقات الاجتماعية التقليدية، المجموعات العرقية، النشاط السياسي، والمجموعات الفاعلة اجتماعيا، تأخذ هذه الظواهر مداها في غياب الوعي والتنظيم الطبقي حسب المفهوم الماركسي. فإن قسمت الرأسمالية إلى مراحل، نجد الحقبة الليبرالية والتي ساد فيها التقسيم الطبقي التقليدي، والحقبة التوافقية السياسية (Corporatism) والتي تم بها تنظيم العلاقات الطبقية من خلال النظام السياسي، والحقبة الأخيرة وهي المعولمة التي تحللت فيها أسس التوافقية وتوسع القطاع الخدمي في الإنتاج وظهرت وظائف جديدة في علاقات الإنتاج أدت إلى انهيار الطبقات السائدة في المجتمع الصناعي وبروز العوامل والهويات الاجتماعية كأسس للتقسيم، يعبر عنها فرديا من خلال تخليق منظومة قيمية جديدة تشمل الليبرالية الاجتماعية، والتي تظهر في جملة من المواقف والآراء والتي يتم تصنيفها وتصنيف معتقديها على معايير صواب الموقف سياسيا.

في الخلاصة، يضع رايت تصورا للأسئلة التي تجاوب عليها كل من هذه المناهج وبدرجات متفاوتة، وحسب الآتي:
الموقع النسبي تصنيف المجتمع بمجموعات بارزة فرص في الحياة الصراعات والتضارب في المصالح التمايز التاريخي التحرر.
الاستعمالات الشائعة (حسب الدخل، الثروة، ... ) *** * ** *
جرسكي – نيودوركايم ** *** ** * *
باكولسكي ** *** ** ** **
بوردو ** ** *** *
برين و جولثورب – نيو ويبيري ** * *** *
سورينسون ** * ** ***
ويبر * * ** * ***
رايت - نيوماركسي * * ** ** ** ***

المراجع

1. Approaches to Class Analysis, edited by Erik O. Wright, Cambridge University Press, 2005
2. فلاديمير لينين: البرنامج المقدم للحزب الشيوعي الروسي، أوراق، العدد 29، موسكو، 1965
3. Capital: A Critique of Political Economy, Karl Marx, Moscow, 1974
4. Classes in Contemporary Capitalism, Nicos Poulantzas, Schocken Books, London, 1978
5. Social Inclusion, Social Exclusion and Social Closure: What Can We Learn from Studying The Social Capital of Social Elites? Alexander M L, Griffith University, Australia
6. Constitution of Society, Anthony Giddens, The University of California Press, Berkley and Los Angeles, 1984
7. The Case for Realism in Class Analysis, David Grusky, Kim Weeden, Aage Sorenson, September 2000. Symposium on Class Analysis (with Alejandro Portes, Edna Bonacich, and Orlando Patterson), Political Power and Theory