ألهمت الانتفاضات في تونس ومصر وغيرها قطاعات واسعة من الشعب السوري للنزول إلى الشوارع رافعة مطالب مماثلة تنادي بالحرية والكرامة، بعبارات أخرى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة. وقد تجلى ذلك من خلال هيمنة خطاب شامل وديمقراطي لأقسام كبيرة من الحركة الشعبية في السنوات الأولى من الانتفاضة. وإلى جانب هذا العنصر، ولّدت المؤسسات البديلة التي أنشأها المتظاهرين مثل التنسيقات والمجالس المحلية، من خلال توفير خدمات للسكان المحليين محاولات لإقامة ما هو شبيه بالسلطة المزدوجة حيث اختفت هيمنة الدولة.

ألهمت الانتفاضات في تونس ومصر وغيرها قطاعات واسعة من الشعب السوري للنزول إلى الشوارع رافعة مطالب مماثلة تنادي بالحرية والكرامة، بعبارات أخرى الديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة. وقد تجلى ذلك من خلال هيمنة خطاب شامل وديمقراطي لأقسام كبيرة من الحركة الشعبية في السنوات الأولى من الانتفاضة. وإلى جانب هذا العنصر، ولّدت المؤسسات البديلة التي أنشأها المتظاهرين مثل التنسيقات والمجالس المحلية، من خلال توفير خدمات للسكان المحليين محاولات لإقامة ما هو شبيه بالسلطة المزدوجة حيث اختفت هيمنة الدولة. هذا لا يعني أنه لا توجد مشاكل داخل الحركة الشعبية، مثل الخطابات والممارسات الطائفية التي ظهرت في البداية في دوائر صغيرة، علاوة على مسألة مشاركة المرأة وحقوقها. ومن الواضح أنه تم استبعاد النساء من مراكز صنع القرار في مختلف التنسيقيات المحلية (رغم أن أربعة من بين ثمانية أعضاء في المكتب التنفيذي لجان التنسيق المحلية هم النساء) والمجالس المحلية على الأرض. كما تجندر دور المرأة في الأنشطة داخل الحركة الشعبية، على الرغم من مشاركتها العميقة في الانتفاضة في مختلف المجالات.

ومع ذلك، فإن الحركة الشعبية، على الرغم من هذه المشاكل وقبل عسكرة الانتفاضة الجماهيرية، قدمت بديلاً سياسياً يمكن أن يستقطب قطاعات كبيرة وواسعة من السكان. تم تحدي هذا الوضع بشكل متزايد نتيجة لتطور الانتفاضة. تم تقويض الرسالة الديمقراطية الشاملة للحركة الشعبية بشكل تدريجي خلال الانتفاضة، رغم أنها بقيت في بعض القطاعات الأخرى.

نظام الأسد: القمع والتعبئة والتكيف

بعد اندلاع الانتفاضة في منتصف آذار 2011، جعلت الطبيعة الاستبدادية واللجوء للدولة الأولوية في اللجوء إلى العنف ضد الحركة الشعبية وعرقلت أي إمكانية للاستماع إلى قطاعات المعارضة ومطالب الحركة الشعبية. لم يكن لدى النظام قاعدة إجتماعية واسعة أو هيمنة على السكان، فكان أن لجأ إلى قمع الحركة الشعبية بطريقة شديدة العنف، بينما تم حشد قاعدته الشعبية وتصوير المتظاهرين كإرهابيين متطرفين وعصابات مسلحة تسعى إلى زعزعة استقرار البلاد.

كان النشطاء السلميون وغير الطائفيين والديمقراطيون والتقدميون الأهداف الرئيسية لقمع النظام. في الوقت نفسه، حرر النظام أعداداً كبيرة من السلفيين والجهاديين، الذين يتمتعون بخبرة عسكرية سابقة في العراق ودول أخرى، وسمح لهم بالتوسع من أجل تحقيق نبوءته الخاصة التي ترى أن الانتفاضة قد حركها المتطرفون الدينيون. 

كما اعتمد النظام استراتيجيات وأدوات قمعية مختلفة حسب المنطقة وتكوينها الطائفي والعرقي. كان هدف النظام مع ذلك مشابهاً: قمع الاحتجاجات، تقسيم الناس وفقاً للهويات البدائية وزرع الخوف وعدم الثقة بينهم من أجل كسر الخطاب الجامع للحركة الشعبية. استهدفت الميليشيات الموالية للنظام و / أو “الشبيحة “، ومعظمهم من خلفيات علوية في بعض المناطق، القرى السنية الفقيرة والأحياء الشعبية في المناطق المختلطة، لا سيما محافظتي حمص وحماه والساحل، التي يسكنها مواطنون علويون وسنة عاشوا فيها جنباً إلى جنب. تم تنفيذ هذه الخطة بهدف تأجيج التوترات الطائفية. كما استهدفت عمليات القمع النظام النساء كنهج محدد للقمع بعواقب إنسانية واجتماعية فظيعة.

لقد كانت جذوة النظام متأصلة في حشد قاعدته الشعبية من خلال علاقاته الطائفية والقبلية والإقليمية والزبائنية بهدف إلحاق الهزيمة بالانتفاضة، إلى جانب الدعم الخارجي الهائل لروسيا وإيران وحزب الله. كان الجانب الطائفي للنظام من خلال تعبئته للأقلية العلوية في جهازه المسلح (الجيش والميليشيات والأجهزة الأمنية) له أهمية خاصة. لا بد من تحدي ما يسمى بتجانس السكان العلويين أو شكل من أشكال مفهوم “الطبقة – الطائفة” عن طريق مساواة العلويين باعتبارهم مؤيدين للنظام أو هم المتميزين في المجتمع. على الرغم من وجود اختلافات سياسية واجتماعية واقتصادية وإقليمية كبيرة بينهم.

ومع ذلك، لا تقتصر القاعدة الشعبية للنظام على الأقليات الدينية، بل تشمل المؤيدين السنة في جميع أنحاء البلاد من خلال مختلف الشبكات المحسوبية المتجذرة في علاقات الزبائنية والقبلية والإقليمية. كان السنّة حاضرين على جميع المستويات في بنى الدولة ومؤسساتها. كما تمكن النظام من اللعب على الفجوة الاجتماعية والريفية / الحضرية العميقة الموجودة في بعض المناطق، لا سيما في حلب ودمشق.

كانت قطاعات كبيرة من موظفي الحكومة، وشرائح من الطبقة الوسطى والبرجوازية في المدينتين الرئيسيتين دمشق وحلب، على سبيل المثال، سلبية أو لم تشترك في الحركة الشعبية، رغم أن البعض قد يكون لديهم تعاطف معها في بداية الانتفاضة. كان هناك أيضا تصورعام وخوف بين شرائح واسعة من الشعب السوري، بما في ذلك السكان السنة وليس فقط من الأقليات الدينية، من فرض دولة إسلامية أو مجتمع على غرار حكم الأصوليين الإسلاميين والجماعات الجهادية في المناطق التي سيطرت عليها المعارضة.

كانت الجهات الفاعلة الرئيسية الداعمة للنظام هي رجال الأعمال المرتبطين بالنظام، والأجهزة الأمنية، وممثلي المؤسسات الدينية المرتبطين بالدولة. لعب بشكل خاص رجال الأعمال المرتبطين بالنظام والأجهزة الأمنية دورا أساسيا في حشد المظاهرات لصالح النظام وبعد ذلك بتمويل مختلف الميليشيات بعد عسكرة الانتفاضة. جاء هذا الدعم للنظام مع توسيع الفرص الاقتصادية في البلاد، سواء من خلال اقتصاد الحرب أو الاقتصاد الرسمي. أخذ رجال الأعمال والشبكات الجديدة أهمية متزايدة في المشهد الاقتصادي والسياسي مقابل ولائهم وخدماتهم للنظام، بينما غادرت قطاعات البرجوازية الأخرى البلاد وفقدت شبكاتها وأهميتها داخل البلاد.

المساعدة المالية التي قدمها حليفا النظام، إيران وروسيا، سمحت للنظام بالحفاظ على مؤسسات الدولة وأحكامها. وظلت الدولة الموظف الأساسي وموفر الموارد والخدمات طوال فترة الحرب. كما عزز الوضع الإنساني والاجتماعي والاقتصادي الكارثي في سوريا دور الدولة.

سيرورة إضعاف الانتفاضة وفشل المعارضة

القمع العنيف للنظام ضد الحركة الشعبية أضعف وعزل النشطاء والمتظاهرين في مناطقهم، مما جعل الاتصالات والتعاون أصعب بكتير وتشكيل قيادة مركزية أو شكلا من أشكال مركزية الحركة الشعبية داخل البلاد مستحيلا.  لكن علاوة على ذلك، تحولت تدريجيا حرب النظام ضد أي شكل من أشكال المعارضة الانتفاضة إلى نزاع مسلح عنيف ومدمر. أثارت النجاحات الأولى في بعض مناطق من كتائب الجيش السوري الحر ضد قوات النظام وبعض التعاون الناجح مع الحركة الشعبية بعض الأمل بين قطاعات المعارضة والسكان المحليين. حيث تم اعتماد مزيج من المقاومة المسلحة والأعمال “السلمية” أو المدنية (الإضرابات والحركات الاحتجاجية الأخرى) كاستراتيجية لمحاربة النظام.

انعدام التوازن العسكري لصالح النظام، نتيجة المساعدة الضخمة التي قدمها حلفاؤه، جعل النصر العسكري صعبًا للغاية أو شبه مستحيل. حيث تفتقر شبكات الجيش السوري الحر أي دعم منظم ومستقر، في حين لم تكن كتائب الجيش السوري الحر قادرة على أن تصبح منظمة مركزيا بشكل فعال. أدى هذا الوضع إلى عملية تهميشه وإضعافه خلال حربه ضد نظام عنيف وحلفائه (روسيا وإيران وحزب الله والميليشيات الأخرى). فهيمنت الحركات الأصولية والجهادية الإسلامية بشكل تدريجي على الساحة العسكرية المعارضة. كما أضعفت الدول الأجنبية التي ادعت دعم الانتفاضة (تركيا والسعودية وقطر) شبكات الجيش السوري الحر وقسمته من خلال توفير الدعم لها على أساس غير مستقر وحسب شروط صارمة، في حين تحول دعمها بشكل متزايد إلى الحركات الأصولية الإسلامية. هذه الدول اهتمت أكثر بدعم وكلاء لها على الأرض وتطوير مصالحهم وتأثيرهم السياسي، وليس من أجل الحركة الشعبية. 

لم يكن الجيش السوري الحر قادرا على تنظيم وتمثيل قوة اجتماعية مستقلة قادرة على الجمع بين أشخاص ومجموعات مختلفة وتقديم رسالة سياسية شاملة. لم يتم التغلب على تنوع كتائب الجيش السوري الحر فيما يتعلق بالجغرافيا والسياسات، على الرغم من تماثل الديناميكيات المحلية في بداية الانتفاضة. لم يتم تطوير أي قيادة أو مركزية للسلطة أو صنع القرار، مما سمح للدول الأجنبية والجماعات الأصولية الإسلامية والجهادية بتسييرها لمصالحها السياسية أو ببساطة وضع حد لوجودها.

وبالمثل، فشلت المعارضة في المنفى فشلا ذريعا، ممثلة في المجلس الوطني السوري أولا و ثم الإئتلاف، لتشكيل بديل موثوق به. وفي الحالتين، سيطر الإخوان المسلمون، والأصوليون الدينيون الآخرون، والجماعات والشخصيات الطائفية على هذه المؤسسات،  في وقت حاولوا إثارة إعجاب وسائل الإعلام من خلال تعيين شخصيات ليبرالية في مواقع مرئية كوسيلة لاسترضاء المخاوف بين الداعمين الغربيين. دافعوا في الوقت عينه وبرروا (متل حزب الشعب أو إعلان دمشق) خلال سنوات عن وجود الحركات الأصولية الإسلامية والجهادية ضمن المشهد السياسي والعسكري المعارض داخل البلاد، متخلّين عن المطالب الديمقراطية كالعلمانية وحقوق المرأة. بقي هؤلاء صامتين أغلب الأوقات عن الانتهاكات الحقوقية التي ترتكبها الجماعات السلفية أو الخطابات الطائفية التي تنشرها، قبل إدراج بعض هذه الجماعات في هيئات سياسية معارضة مثل جيش الإسلام. فالقائد السياسي السابق (المستقيل حالياً) لجيش الإسلام، محمد علوش، كان كبير المفاوضين في مؤتمر جنيف 3، وبقي شخصية مهمة في هيئة التفاوض العليا.

كان للطرفين مصلحة في هذا التعاون من منظور الوصول إلى السلطة أو على الأقل القيام بدور في مختلف عمليات التفاوض. أولاً، رأت الشخصيات والجماعات الليبرالية العلمانية ضمن الائتلاف الوطني في التعاون مع الجماعات الأصولية الإسلامية والجهادية ضرورة عسكرية في الحرب ضد النظام، حتى لو كانت معادية للديمقراطية وتحكم مناطق سيطرتها بطريقة استبدادية، بما في ذلك مهاجمة وخطف نشطاء ديمقراطيين وتقدميين. ويشهد على ذلك بشكل خاص ضعف تمثيل المرأة وتقلص حقوقها.

كما انتقدت العديد من الناشطات النسويات الخضوع التلقائي لعلمانيي المجلس الوطني السوري وبعده الائتلاف السوري للقوى الأصولية الإسلامية، حيث ضحوا بحقوق النساء بطرق مختلفة. كما اشتكت أصوات نسوية من ضعف التمثيل النسائي في هذه الهيئات المعارضة أو عدم وجوده، فغالباً ما اقتصر هذا التمثيل على وجود رمزي ودون أي صلاحيات حقيقية. وبالمثل، لم تقف هذه الهيئات المعارضة في وجه المشاعر والممارسات الطائفية والشوفينية العربية لأعضائها.

ومن جانبها، تعاونت الحركات الأصولية الإسلامية، بما فيها جماعة الإخوان المسلمين والحركات السلفية مثل جيش الإسلام، مع أقسام من معارضة المنفى من باب إظهار “الاعتدال” وطمأنة الدول الإقليمية والغربية. ومع ذلك، كان المستفيد بشكل أكبر من هذا التعاون هو الحركات الأصولية الإسلامية، فالعلاقة كانت غير متساوية نتيجة تواجد الحركات الأصولية الإسلامية، السياسي والعسكري، المنظم داخل البلاد، وحصولها على التمويل و/أو الدعم الهائل من بعض الدول (السعودية وقطر وتركيا) و/أو من شبكات خاصة من ممالك الخليج، في حين تعرضت الجماعات العلمانية والديمقراطية، التي كانت ضعيفة أصلاً على مستوى منظميها، لقمع شديد منذ بداية الانتفاضة من قبل قوات النظام، ولم تتمكن من تنظيم صفوفها في أي وقت لاحق.

اعتقدت الشخصيات والمجموعات داخل المجلس الوطني والائتلاف أن الغاية تبرر الوسيلة، لكن الغاية تتحدد بالوسائل المستخدمة. فهذه الظروف أدت إلى عدم قيام أي قطب ديمقراطي أو تقدمي منظم على المستوى الوطني داخل أو خارج البلاد طوال هذه السنوات، في حين تُركت الجماعات الأصولية الإسلامية والجهادية تحتل الفضاء السياسي والعسكري لسنوات. أدى ذلك إلى جعل الالتزامات الكلامية بتحقيق الديمقراطية المدنية والشاملة التي أعلنتها أقسام من معارضة المنفى غير ذات صدقية وغير كافية لإقناع قطاعات كبيرة من السكان بالتخلي عن نظام الأسد والانضمام إلى الانتفاضة. وبالمثل، لم تكن هذه الأقسام قادرة على تطوير أي مؤسسات بديلة متينة وشاملة، عن النظام.

تنامي قوة الأصوليين الإسلاميين والقوى الجهادية أضعف قدرات الحركة الشعبية على طرح مطالبها بالديمقراطية بشكل تستقطب فيه قطاعات واسعة من الشعب السوري، بما في ذلك القطاعات التي لم تكن مشاركة مباشرة في الاحتجاجات، إنما كانت متعاطفة مع الأهداف الأولى للانتفاضة. كان صعود الحركات الأصولية الإسلامية والجهادية نتيجة لأسباب مختلفة، منها: تسهيل النظام الاستبدادي توسعها، وقمع حركة الاحتجاج مما أدى إلى شكل من أشكال التطرف بين بعض قطاعاتها، فضلا عن أن البنية التنظيمية والانضباط في هذه المجموعات كان أفضل من كتائب الجيش الحر وأخيرا حصولها على دعم من دول المنطقة.

شكلت مختلف القوى الأصولية الإسلامية والجهادية الجناح الثاني من الثورة المضادة بعد نظام الأسد. لم تكن لديهم نفس القدرات المدمرة للنظام السوري، لكن كانت نظرتهم المجتمع ومستقبل سوريا معارضة تماماً للأهداف الأولى للانتفاضة ورسالتها الشاملة للديمقراطية والعدالة الاجتماعية والمساواة التي تعتبرها هذه القوى مجرد بدعة. كانت سياسة هذه القوى مثيرة للاشمئزاز بالنسبة إلى الأقسام الأكثر وعيا في الحركة الشعبية، حيث هددت عدة جماعات مثل الأقليات الدينية والنساء والسنة الذين كانوا خائفين من وصولهم إلى السلطة لأنهم لم يشاركوا وجهات نظرهم حول المجتمع والدين. كما أثبتت أيديولوجيتهم وبرنامجهم السياسي وممارساتهم أنها عنيفة ليس فقط ضد قوات النظام، بل ضد الجماعات الديمقراطية والتقدمية، والمدنية والأقليات العرقية والدينية.

لقد ضعفت الرسالة الشاملة والديمقراطية للحركة الشعبية، فضلاً عن حيويتها، بشكل كبير أولاً بسبب قمع النظام وثانيا بسبب الحرب ضد المكونات الديمقراطية للحركة الشعبية من قبل المجموعات المتطرفة، في حين أدى صعود الحركات الأصولية الإسلامية والجهادية إلى إضعاف المزيد من هذه القطاعات.

المسألة الكوردية في سوريا

كما أثار صعود المسألة الكوردية أسئلة مهمة للحركة الشعبية وتحدى شموليّة بعض قطاعاتها. على الرغم من وجود وحدة مبدئية في المطالب والأعمال بين التنسيقيات العربية والكوردية في الحركات الشعبية، لم يستطع ممثلو المعارضة العربية السورية، سواء داخل البلاد أو خارجها، الاستجابة لمطالب الأحزاب الكوردية في سوريا. وبدلا من ذلك، أظهرت المعارضة موقفا رافضا وشوفينيا شبيها بموقف النظام، في حين تحالفت مع الحكومة التركية ودعمت سياساتها القمعية والهجمات العسكرية ضد السكان الكورد في تركيا وسوريا، بما في ذلك احتلال عفرين من النظام التركي ومجموعات مسلحة ورجعية المرتبطة بتركيا. تم رفض القضية الوطنية الكوردية من قبل الجهات الفاعلة الرئيسية في المعارضة العربية السورية، من بينها الإئتلاف ومجموعات عسكرية مثل جيش الإسلام.

من جانبه، استخدم حزب الاتحاد الديمقراطي، مع موقفه النفعي من دمشق في هذه الفترة، فرصة الانتفاضة ليصبح الممثل السياسي الكوردي المهيمن في سوريا. وقد ركز على بناء مؤسساته الخاصة ومجتمع منظم بقوة عسكرية فعالة، مع الكثير من الإنجازات في جوانب معينة، بما في ذلك علمنة القوانين وحقوق النساء وإشراكهن فضلا عن إشراك الأقليات الدينية والعرقية في المؤسسات والمجتمع. ولكنه مارس سياسات استبدادية وقمعية، خاصة ضد المنظمات الكوردية المنافسة، كما دعم التدخل العسكري الروسي في سوريا في تشرين الأول/أكتوبر 2015. واستفادت القوات المسلحة لحزب الاتحاد الديمقراطي من التدخل الروسي لتسيطر على مناطق جديدة في ريف حلب في 2016.

من المؤكد أن حزب الاتحاد الديمقراطي هو أكثر تنظيما في سوريا مع مؤسساته وعلاقاته الخارجية. كما أصبح حزب الاتحاد الديمقراطي طرفًا مهمًا من خلال روابطه مع القوى الدولية مثل الولايات المتحدة وروسيا. لكن هذه الدول لم تدعم المطالب الكوردية الوطنية في سوريا، أو في مكان آخر، بل استخدمت حزب الاتحاد الديمقراطي لخدمة مصالحها الخاصة، خاصة في حربها ضد داعش. حافظ حزب الاتحاد الديمقراطي، على الرغم من قيامه بدور الوكيل لمصالح واشنطن وموسكو في فترات مختلفة خاصة في الحرب ضد داعش، على استقلاله الذاتي ومصلحته من خلال هذا التعاون.

وتمكنت القضية الوطنية الكوردية من الظهور مرة أخرى على الساحة السياسية السورية من خلال اندلاع الحركة الشعبية في آذار 2011. ومع ذلك، كان هذا المكاسب مهددًا من قبل العديد من الجهات الفاعلة التي لم ترغب في رؤية صعود وإقامة منطقة حكم ذاتي كوردي في سوريا المستقبل. بينما عززت دمشق سلطتها عبر قضائها على قوات المعارضة بدءا من منتصف عام 2016، ازداد الضغط على حزب الإتحاد الديمقراطي بشكل مستمر. وكرر النظام في مناسبات عدة رفضه لأي منطقة كوردية مستقلة، وتزايد نزاعه مع قوات حزب الاتحاد الديمقراطي في هذه الفترة في الشمال، في حين أرادت تركيا وضع حد لوجود حزب الاتحاد الديمقراطي على حدودها. كما اعتبرت واشنطن وموسكو علاقتهما مع أنقرة واستقرار سوريا أكثر أهمية من الحقوق الكوردية، التي لم تدعمها أبداً بشكل فعلي. في مواجهة هذا الوضع، كان حزب الاتحاد الديمقراطي يحاول بشكل متزايد إيجاد شكل من التوافق مع دمشق للحفاظ على بنيته ومؤسساته في المناطق التي يسيطر عليها في الشمال الشرقي وشكل من أشكال الحكم الذاتي في هذه المناطق. على الأرجح هذه العملية من شأنها أن تؤدي إلى الفشل.

كان مصير الشعب الكوردي في سوريا مرتبطا بشكل جوهري بديناميكيات الانتفاضة السورية، وبالتالي كان مستقبله في خطر، كما هزمت الحركة الشعبية في البلاد.

مناخ الحروب المتواصلة مع العسكرة المتزايدة للانتفاضة، من جهة، وتصاعد التوترات الطائفية والعرقية في البلاد من جهة أخرى، أدى إلى تناقص مساحة تنظيم الحركة الشعبية وتراجع تقديم رسالة شاملة وديمقراطية. تم تحدي الأهداف الأولى للانتفاضة بشكل متزايد من جميع الجهات، بالإضافة إلى قدرتها على تقديم بديل جذاب لأغلبية السوريين.

ديناميكيات سياسية إقليمية ودولية

كان المناخ الإقليمي والدولي على الأرجح العنصر المؤثر في مصير الانتفاضة، وعلاوة على ذلك أهم عامل في ثبات النظام. المساعدة التي قدمها حلفاء دمشق، روسيا، إيران وحزب الله، بالإضافة إلى الميليشيات الشيعية الأجنبية التي ترعاها طهران، سمحت ببقاء النظام على المستوى السياسي والاقتصادي والعسكري. نظر حلفاء النظام إلى الحركة الشعبية في سوريا واحتمال سقوط نظام الأسد تهديداً لمصالحهم، لا سيما الجيوسياسية. وقد تدخلوا إلى جانب قوات النظام في وقت مبكر وقاموا بدور حاسم في القتال العسكري ضد القوات المسلحة المعارضة المختلفة. وفي الوقت نفسه، نقلوا إلى النظام خبرة كبيرة حول كيفية التعامل في عملية القمع مع المعارضين الداخليين، سواء كانوا من المقاومة المدنية أو المسلحة.

وزادت روسيا وإيران، بدرجة كبيرة من نفوذهما السياسي والاقتصادي والعسكري في البلاد، و في المجتمع وفي مؤسسات الدولة، مع تعمق تدخلاتهما. وبالتالي أصبح استمرار النظام واستقراره أكثر أهمية من بداية الانتفاضة، ليس فقط للحفاظ على مصالحهما الجيوسياسية، بل مصالحهما الاقتصادية المتنامية أيضاً. كانت طهران وموسكو تتطلعان بشكل خاص إلى الفرص الاقتصادية المستقبلية في عملية إعادة الإعمار في سوريا للاستفادة منها.

لم تكن أغلبية الدول الغربية، التي تقودها الولايات المتحدة، راغبة في الانخراط بعمق في تنظيم المعارضة لنظام الأسد وخاصة في إسقاطه. ورفضت الولايات المتحدة في البداية أي خطط لمساعدة قوات المعارضة المسلحة في صراعها  ضد النظام، ومنعت أيضا تزويد قوات الجيش السوري الحر بالصواريخ المضادة للطائرات. وقد فتح ذلك المجال أمام السعودية وقطر وتركيا للعمل وتقديم أسلحة محدودة ومحددة لمختلف جماعات المعارضة المسلحة. أدت عدم رغبة الولايات المتحدة في تصور خطة لإسقاط النظام أو التدخل بشكل حاسم ضدها إلى إضعاف وإلى مزيد من الانقسامات بين كتائب الجيش السوري الحر وصعود الحركات الأصولية الإسلامية والجهادية، مع تشجيع حلفاء النظام على تعميق مساعدته العسكرية لدمشق، دون المخاطرة بمواجهة مباشرة مع واشنطن. ثم أصبحت الولايات المتحدة والدول الغربية تركز بعد ذلك بشكل متزايد على داعش و”الحرب على الإرهاب”، بعد إنشاء خلافة داعش عام 2014. وقد خدم هذا الوضع جدول أعمال النظام السوري.

لم تعتبر الولايات المتحدة سوريا أنها ذات مصلحة إستراتيجية، خاصة لأنها تفتقر إلى احتياطيات نفطية مهمة مؤكدة. أهمية سوريا تكمن في المقام الأول في موقعها الجغرافي في المنطقة المتاخمة لتركيا والعراق ولبنان والاحتلال الإسرائيلي وثانياً لعلاقتها بإيران ودورها في الصراع العربي مع الاحتلال الإسرائيلي.

كان المسؤولون الأمريكيون مترددين في التدخل العسكري الكثيف في المنطقة كما حصل في الماضي في إطار استراتيجية “تغيير النظام”، التي كانت قد تخلت عنها عشية الانتفاضة. وكان هذا الموقف نتيجة مباشرة للدروس المستقاة من التجربة في العراق وفشلها هناك. كانت أهداف الولايات المتحدة في الانتفاضات هي الحد من التغييرات في المنطقة من خلال عقد اتفاقات وتفاهمات  بين الأنظمة القديمة (أو جزء منها) والمعارضة المرتبطة بالغرب وتركيا والممالك الخليجية. في الانتفاضة السورية، فشلت هذه المحاولات من أطراف متعددة، سواء كانت دول غربية أو ممالك خليجية وتركيا، في بداية الانتفاضة. هذا عندما تبنت الممالك الخليجية بقيادة السعودية وقطر من جهة وتركيا من جهة أخرى موقفاً أكثر راديكالية تجاه نظام الأسد بعد أن رفضت دمشق تقديم أي تنازل.

فقد قامت السعودية وقطر وشبكات خاصة من دول الخليج بتمويل ودعم مجموعات عسكرية وسياسية مختلفة، لا سيما الحركات الأصولية الإسلامية وبعض الحركات الجهادية، كوسيلة لتعزيز القوات على الأرض لخدمة مصالحها. كان الهدف الرئيسي للرياض في الصراع السوري هو إضعاف إيران إقليميا، التي يعتبرها العدو الرئيسي. كان إسقاط نظام الأسد، الحليف الرئيسي لطهران في المنطقة، في مصلحة الرياض لتقوية المحور السني الذي تقوده السعودية ضد إيران. من جانبها، اعتبرت قطر الانتفاضة فرصة لزيادة نفوذها في المنطقة، لا سيما من خلال جماعة الإخوان المسلمين وغيرها من المجموعات الأصولية الإسلامية. فقد خافت أنظمة الحكم في الخليج العربي من إقامة شكل من أشكال الديمقراطية الليبرالية في سوريا، الأمر الذي من شأنه أن يهدد قوتها ومصالحها إذا ما توسعت الأفكار والمساحات الديمقراطية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. ومن هذا المنظور، فضلت هذه الدول الحرب الطائفية وشجعت على سردية طائفية من خلال وسائل الإعلام والتمويل، الأمر الذي ساعد الحركات الأصولية الإسلامية والجهادية الإسلامية على نطاق واسع.

وبالمثل، دعمت تركيا الحركات الأصولية الإسلامية وغيرها من الجماعات المسلحة المعارضة، أولاً ضد نظام دمشق، ولكن بعد ذلك تم التخلي عن هذا الهدف بشكل تدريجي. أصبحت أولويات أنقرة الرئيسية بشكل متزايد هزيمة حزب الاتحاد الديمقراطي الكوردستاني وطرد قواته من الحدود. واستخدمت مجموعات الجيش السوري الحر والجماعات الإسلامية الأصولية الأخرى تحت النفوذ التركي كوكلاء في حربها ضد حزب الاتحاد الديمقراطي.

كما عززت سياسات دول الخليج وتركيا قوات الأصولية الإسلامية والجهادية، في حين قسمت فصائل الجيش السوري الحر من خلال الرعاة المتنوعين. وقد أدى هذا الوضع إلى تضخيم وتعزيز التأثيرات الطائفية لسياسات إيران وحزب الله والتدخلات واسعة. وقد ساهم هذا في “أسلمة” المعارضة المسلحة، وتعميق التوترات الطائفية والتوترات الكوردية العربية في البلاد.

لم ترغب القوى الدولية الإمبريالية والإقليمية المختلفة، رغم خلافاتها، في أن تمتد الأزمة السورية إلى المنطقة مع تعميق عسكرة الصراع وصعود القوات الجهادية المختلفة. أرادت هذه الدول تحديدًا الحد من القدرات المتنامية للقوى الجهادية في العراق وسوريا. كانت جميعها تتقاسم بشكل مشترك مصلحة مشتركة في وضع حد للانتفاضة في سوريا، ولتحقيق حل لا تتغير فيه بنية النظام بشكل جذري، بل على العكس تماما. كان جميعهم مهتمين ببيئة سياسية مستقرة، تسمح لهم ببناء وتطوير رأسمالهم السياسي والاقتصادي، بغض النظر عن مطالب الحركة الشعبية.

بحلول منتصف العام 2017، مع تعزيز سلطة نظام الأسد في البلاد، كانت الأولوية المتزايدة للولايات المتحدة، إلى جانب الدول الغربية الأخرى، وممالك الخليج وإسرائيل، مع القضاء على داعش، هي إيجاد حلول لتقليل النفوذ الإيراني في سوريا.

لكن كان هناك إجماع بين جميع القوى الدولية والإقليمية حول عدد معين من النقاط: تصفية الحركة الشعبية التي بدأت في  أذار 2011، من أجل استقرار النظام في دمشق مع بقاء بشار الأسد على رأسه، معارضة الحكم الذاتي الكوردي ومحاولة هزم الجماعات الجهادية مثل داعش وجبهة النصرة. كان هناك اتجاه عالمي عام يهدف إلى “تصفية” الانتفاضة السورية باسم “الحرب على الإرهاب”. كانت نقطة الخلاف الوحيدة كما ذكرنا هي نفوذ إيران في سوريا. بحلول منتصف العام 2017، مع تعزيز سلطة نظام الأسد في البلاد، كانت الأولوية المتزايدة للولايات المتحدة، إلى جانب الدول الغربية الأخرى، وممالك الخليج وإسرائيل، مع القضاء على داعش، هي إيجاد حلول لتقليل النفوذ الإيراني في سوريا.

ثبات النظام لا يعني نهاية التناقضات

خرج نظام الأسد الاستبدادي من الحرب كنسخة أكثر وحشية، وطائفية، وميراثية وعسكرة. وتحولت الانتفاضة الشعبية إلى حرب أجبرت دمشق على إعادة تشكيل قاعدتها الشعبية، لتضييق اعتمادها على الشبكات الاستبدادية العالمية، وتعديل أساليب الحكم الاقتصادي، وإعادة تنظيم جهازها العسكري والأمني. استمر القمع ولم يقبل أي اعتراض. وقد تجلى ذلك من خلال تصريحات جميل حسن، الرئيس الشرس لمخابرات القوات الجوية، في صيف عام 2018، حين قال: إن أكثر من ثلاثة ملايين سوري مطلوبين وقضاياهم القضائية جاهزة، وأضاف “سوريا مع 10 مليون شخص جدير بالثقة مطيعين للقيادة أفضل من سوريا مع 30 مليون إرهابي”.

وتشكل قضية إعادة الإعمار تحديا هاما للنظام. مع العام 2017، أطلقت دمشق العديد من المشاريع المتعلقة بعملية إعادة الإعمار في بعض مناطق البلاد، بالإضافة إلى الترحيب بالمستثمرين الأجانب لتعزيز الاستثمار في البلاد. لا يزال غياب أي استعداد سياسي من الممالك الخليجية والتركية والدول الغربية  للاستثمار و / أو تشجيع الاستثمار في سوريا يمثل مشكلة رئيسية للنظام مع ما يقارب من 400 مليار دولار من التكاليف المتوقعة لإعادة الإعمار.

كما كان المسؤولون السوريون يواجهون توترات وإحباطا متزايدا من السكان الذين يعتبرون مؤيدين للنظام، أو على الأقل لم ينضموا إلى الحركة الشعبية. في المناطق الساحلية، سمحت دمشق على وجه الخصوص بانتشار المنظمات الخيرية، لكنها ارتبطت بشخصيات ذات صلة بالنظام في معظم الأوقات، فوفرت الخدمات الاجتماعية أو نوعا من المساعدة الاجتماعية بدلا من الدولة، التي تفتقر إلى الموارد بشكل متزايد. وكان هذا أيضا وسيلة للحفاظ على العلاقة الزبائنية مع المجتمعات المحلية في هذه المناطق التي زودت قوة بشرية مهمة لجيش النظام وميليشياته. كما ازدادت الانتقادات من القاعدة الشعبية للنظام ضد بعض مؤسسات الدولة ضد الفساد أو عدم الكفاءة في هذه الفترة. في المستقبل، قد يضطر النظام إلى تحمل شكل من أشكال النقد بين طبقات المجتمع، مع احتمال نفور قطاعات من قاعدته الشعبية. لن يكون القمع القاسي خيارًا، أو سيكون خيارًا مكلفًا جدًا، لأنه سيخلق توترًا داخليًا داخل أجهزة الدولة ومؤسساتها.

لا يعني ثبات النظام نهاية التناقضات و / أو المشاكل التي يجب مواجهتها. كانت هناك العديد من التحديات المتوقعة، وفي وقت كتابة هذا النص، كان النظام غير قادر على التعامل معها. إن التغيير المحتمل لاستراتيجية الجماعات الجهادية مثل هيئة تحرير الشام وداعش للتفجيرات الانتحارية لأنها فقدت كميات متزايدة من الأراضي من شأنه أن يخلق بالتأكيد المزيد من عدم الاستقرار.

ومع ذلك، إن غياب معارضة سياسية سورية منظمة ومستقلة وديمقراطية وشاملة واجتماعية تخاطب الطبقات الشعبية، وغياب أطراف اجتماعية فاعلة مثل النقابات العمالية المستقلة، من شأنه أن يمنع أو يجعل من الصعب تحول النضالات المقبلة إلى معارك سياسية مترابطة ومنظمة لتحدي النظام على نطاق وطني.

سيرورة ثورية طويلة الأمد وبناء الذاكرة النضالية 

كان من الواضح أن الوضع الثوري كان حاضرا في سوريا عند بداية الإنتفاضة بفعل تعبئة قطاعات كبيرة من السكان في معارضة نظام الأسد، متحديا سلطته مع خلق سيادات مختلفة، وبعبارات أخرى محاولات قيام سلطة مزدوجة ومتعددة.

ومع ذلك، واجهت الحركة الشعبية أشكالا متعددة من الثورات المضادة التي تعارض أهدافها. كان أول وأهم طرف في الثورة المضادة هو نظام الأسد الذي هاجم بكل عنفه من خلال أجهزته المسلحة المختلفة لسحق الحركة الشعبية. ثم شكّل تأسيس وصعود المنظمات العسكرية الأصولية الإسلامية والجهادية الطرف الثاني للثورة المضادة عبر معارضة المطالب الأولى للانتفاضة، وعدم التردد في مهاجمة المكونات الديمقراطية والتقدمية  للحركة الشعبية وفرض نظام سياسي استبدادي وحصري جديد. وأخيرًا، كانت القوى الإقليمية والدول الإمبريالية الدولية تتصرف بطريقة مضادة للثورة، سواء كان عبر حلفاء النظام من خلال المساعدة والمشاركة الكاملة في الحرب ضد الحركة الشعبية، أو ما يسمى بـ “أصدقاء سوريا” (السعودية، قطر وتركيا) من خلال تعزيز مصالحها السياسية، ودعم أكثر العناصر الرجعية في الانتفاضة، والحركات الأصولية الإسلامية، ومحاولة تحويل الانتفاضة إلى حرب طائفية / إثنية كاملة لمنع ظهور سوريا ديمقراطية يمكن أن تعرض للخطر الأنظمتهم.

وهكذا، فإن الأطراف (أو الأشكال) المتعددة للثورة المضادة منعت أي تغيير اجتماعي وسياسي جذري في العلاقات الطبقية والبنية السياسية في سوريا، وبالتالي كانت عناصر مهمة في تفسير ثبات النظام. ولكن كان ثباته مكلفا للغاية كما ذكرنا، بالإضافة إلى الاعتماد المتزايد على الدول الأجنبية والجهات الفاعلة. وقد تعززت الهوية العلوية لبعض مؤسسات النظام، لا سيما الجيش والأجهزة الأمنية وبدرجة أقل في إدارة الدولة. لقد خلق تكاثر الميليشيات مشاكل بسبب تصرفاتها الإجرامية والجنائية، مع توفير المزيد من الاستقلالية للمناطق المسماة بـ “مؤيدة النظام” لتخفيف التوترات والإحباطات المتزايدة ضد مسؤولي النظام. كما يطرح الوضع الإنساني والاجتماعي والاقتصادي الكارثي في ​​سوريا أيضاً مسألة كيفية تعامل النظام مع غالبية كبيرة من السكان داخل البلاد يعانون من البطالة وتزايد التضخم وتفاقم الظروف المعيشية. حتى المناطق التي تعتبر “موالية” فقد شهدت انتقادات متزايدة ضد النظام.

السيرورة الثورية هي أحداث طويلة المدى، تتميز بمستويات مختلفة من التعبئة وفقًا للسياق. ويمكن حتى أن يتخللها فترة هزيمة، وهذا ما تشهده الانتفاضة في سوريا في الوقت الحالي. ولكن الظروف التي سمحت بانطلاق هذه الانتفاضات لا تزال موجودة، بينما ما زال النظام بعيداً جداً عن إيجاد سبل لحلها. ومع ذلك، كانت هذه الظروف وقت كتابة هذا النص غير كافية لتحويلها إلى فرصة سياسية، لا سيما بعد أكثر من ثماني سنوات من الحرب المدمرة والقاتلة المترافقة مع إرهاق عام وشديد أصاب الشعب السوري الساعي بأغلبه لعودة شكل من الاستقرار في البلاد. من المرجح أن يمتد تأثير نتائج الحرب لسنوات مقبلة. وإلى جانب هذا الوضع، لم تكن هناك أي هيئة معارضة منظمة ذات حجم كبير، حتى تطرح مشروعًا ديمقراطيًا شاملًا يمكن أن يجذب قطاعات كبيرة من المجتمع، في حين أن إخفاقات هيئات المعارضة في المنفى وجماعات المعارضة المسلحة تركت إحباطات ومرارة في نفوس الناس الذين شاركوا و / أو تعاطفوا مع الانتفاضة.

يكمن الأمل في المستقبل، في حقيقة أن السيرورة الثورية السورية التي بدأت عام 2011 هي واحدة من أكثر السيرورات الثورية توثيقاً. هناك تسجيل لشهادات وتوثيق هام للحركة الشعبية والجهات الفاعلة المعنية وطرق العمل. في السبعينيات وبداية الثمانينات، شهدت سوريا مقاومة شعبية وديمقراطية قوية ترافقت مع موجة إضرابات ومظاهرات كبيرة في جميع أنحاء البلاد. للأسف، لم يتم حفظ هذه الذاكرة ولم تكن معروفة جيداً من الجيل الجديد من المتظاهرين في البلاد عام 2011. هذه الذاكرة ستبقى، ولن تقتصر وظيفتها فقط على النظر إلى الماضي، بل أيضاً القبض على ذلك الماضي والبناء عليه من أجل المقاومة في المستقبل، بما في ذلك مقاومة الأخطاء. إن التجارب والخبرات السياسية التي تراكمت منذ بداية الانتفاضة لا يمكن أن تزول.

النص أعلاه مقتطف ومعرب ومعدل من/عن أطروحة الدكتوراه التي قدمها الرفيق جوزف ضاهر في جامعة لوزان (سويسرا) كلية العلوم الاجتماعية والسياسية، بعنوان الثورة والثورة المضادة في سوريا، الجذور والتطورات عام 2018، وستصدر قريبا في كتاب باللغة الانكليزية.

Similar Posts

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *