نقاش في "اختيارية التطعيم"

نشر في‫:‬الأحد, تشرين اول 21, 2018 - 18:32
الرسم لـ Paul König
الكاتب/ة: سهى عودة.

قرأت تغريدة للنائب في مجلس الأمة الكويتي، صفاء الهاشم تتساءل فيها عن وجود دراسات تؤكد تسبب التطعيم الاجباري في الإصابة بأمراض أو التطعيم الاجباري المتكرر. كما طالبت النائب بجعل التطعيم الاجباري في المدارس الحكومية اختياري وأن يكون قرار تطعيم الأبناء من عدمه بيد أولياء الأمور أسوة بالمملكة المتحدة والتي هي من بدأ بتطبيق التطعيمات المدعومة من الدولة لمحاربة أوبئة عدة من بينها الحصبة والدفتيريا. هذه ليست المرة الأولى التي تعبر فيها شخصية عامة من الدول العربية عن موقفها تجاه التطعيم ضد الفيروسات والأوبئة. ذلك أن جولة تفقدية سريعة على خبراء علم الطاقة والتغذية والطب البديل في وسائل التواصل الاجتماعي تكفي للتحقق بأن هذا التوجه نحو "اختيارية" التطعيم موجود.

ما إن قرأت التغريدة ونظرت في حملات التشكيك في التطعيم حتى تبادر في ذهني "حملات ضد التطعيم"Anti  Vaccination أو "الحملات المناهضة للعلم"Anti Science  كما يطلق عليها الليبراليون في الولايات المتحدة الأمريكية والتي يشنها الأمريكيون ممن يعتنقون الفكر الجمهوري عادة أو لاحكومي أو الليبرالي التقليدي. فمن يطالب بمنع التطعيم الاجباري من الجمهوريين، خاصة، لا يطالب بها من منطلق ممارسة كافة السلطات الذاتية على الجسد من ضمنها الحرية في إدخال مادة أو الامتناع عن إدخالها وإن كانت عقارا بل اعتقاد فئة غالبة منهم بوجود نوع من التواطؤ بين كل من المؤسسة الحكومية وشركة العقار للترويج عن وباء معين من ثم الترويج لعقار على أنه الحل الوحيد لمحاربة هذا النوع من الوباء.

صُنّاع الأسلحة وصُنّاع الطاقات غير المستدامة كالنفط والغاز من أوائل من قام باستغلال نزاعات دولية والترويج بأن الحل الأمثل لفض النزاعات هو استخدام القوة إما بصفقات السلاح أو ما تسميه الولايات المتحدة الأمريكية مساعدة الحكومات للقضاء على الارهاب أو الحرب الأهلية أو دعم المطالبين بالاستقلال أو التدخل العسكري. فليس مستغربا أن يتم التحقق من شفافية صفقات أسلحة أو غاز أو عقار وما إن كانت المشكلة موجودة أم لا قبل إقبال المؤسسة الحكومية الدخول كطرف في صفقة مع شركة ما. ذلك أن الترويج لسلعة ما سواء كانت سلاحا أو وقودا أو عقارا عن طريق افتعال مشكلة والتسويق للمنتج على أنه الحل الوحيد لتلك المشكلة هي خطة تسويقية أزلية وسمة رئيسية للرأسمالية.

الخطورة التي تختص بها مشكلة التطعيم عن غيرها مما سبق هي فتح المجال لوقف الدعم عن الخدمات الطبية المدعومة حكوميا بحجة أن التطعيم الاجباري يسبب أمراضا، وهو ما لم تثبته دراسة حتى الآن. لا يخفى أن اختيارية التطعيم المدعوم حكوميا يدفع نحو اتجاه العديد من الأهالي رفض التطعيم بحجة أنه يسبب أمراضا مما يجعل الإقبال عليه ضعيف من ثم تمتنع المؤسسة الحكومية عن شرائه وتوفيره للأفراد. ما كان بالأمس مدعوما مؤسسيا وهو خدمة طبية تعنى بحماية الأفراد من الأمراض والأوبئة يصبح غير مدعوم وينبغي على الأفراد شراء العقاقير في حال أرادوا تجنب الأوبئة. 

اختيارية أو اجبارية التطعيم مسألة منفصلة تماما عن الجانب الرأسمالي لمحاولة أصحاب المشاريع تحقيق الأرباح من خلال دعم المؤسسة الحكومية كما سبق وأن ذكرت سالفا. ذلك أن الاختيارية والدعم الحكومي للخدمات الصحية من عقاقير ولقاحات ضد الأوبئة هي وجود ممارستين لمدرستين فكريتين مختلفتين. الفكر الليبرالي التقليدي يرفض التطعيم الاجباري بحجة مبدأ ممارسة الفرد كافة السلطات الذاتية على الجسد بما فيه الحرية في إدخال مادة أو الامتناع عن إدخالها وإن كانت عقارا. ويذهب بعض ممن يعتنقون الفكر الليبرالي أن للفرد الحق في رفض العلاج من عدمه احتراما لمبدأ ممارسة كافة السلطات الذاتية على الجسد. بينما أصحاب الفكر الاشتراكي يرون أنه لابد من أن يكون للدولة دورا في دعم الرعاية الصحية ونشر الوعي الصحي من ضمنها محاربة انتشار الأمراض والأوبئة من خلال تقديم العقاقير واللقاحات وجعلها اجبارية. ولكن كون التطعيم اجباري لمحاربة تفشي الأمراض والأوبئة لا ينفي محاولة البعض التكسب وفي الوقت ذاته دعوة البعض لجعل التطعيم اختياريا لا يعني إيمانهم جميعا بمبدأ ممارسة الفرد كافة السلطات الذاتية على الجسد كما هو الحال في الولايات المتحدة الأمريكية والعرب ممن يطالب باختيارية التطعيم.

هل مِن العرب ممَن يدعو لاختيارية التطعيم يطالب بعدم تجريم المثلية واحترام حقوقهم المدنية؟ وحقوق المرأة والتنوع الجندري؟ وحقوق المجموعات الدينية واللادينية في ممارسة ثقافتهم بشكل علني وآمن؟ هل يعلم ممن يطالب باختيارية التطعيم أن الاختيارية من عدمها هي احترام لمبدأ ممارسة الفرد كافة السلطات الذاتية على الجسد وليس الاعتقاد بأن التطعيم الاجباري يسبب أمراضا وأن البعض يحاول تحقيق الربح من خلال المؤسسة الحكومية؟ وإن كان البعض يحاول التكسب من خلال المؤسسة الحكومية فهذا لا يعني المطالبة بوقف تقديم الدعم الحكومي عن الخدمات الصحية من توفير عقار ولقاحات وغيرها؟ ثم إن المطالبة باختيارية التطعيم لا تعني بالضرورة وقف أي محاولة لتحقيق الربح والتكسب من خلال المؤسسة الحكومية ذلك أن ليس كل عقار مدعوم أو خدمة عامة هي بغرض الربح. ووقف التكسب من خلال المؤسسة الحكومية لا يكون من خلال اختيارية التطعيم أو إيقاف الدعم عن الخدمات الصحية. 

أيعقل أن يكون قرار تطعيم الأبناء من عدمه بيد من هم غير مختصين فنيا بتقديم رأي حول مسألة فنية تتعلق بصحة الأفراد؟ بينما أصحاب الاختصاص، ممن يقررون ضرورة التطعيم لتجنب وباء معين، لا يؤخذ برأيهم، في بعض الأحيان قد يخسروا وظيفتهم بسبب "الاختيارية"؟ ويلعب الأهالي دور الطبيب؟ وقد يكلفهم ذلك صحتهم أو أموالهم؟