افتتاحية المنشور (العدد 13 - صيف 2008): حكومة الإفلاس الوطني

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين اول 20, 2008 - 13:14
الكاتب/ة: المنشور.

شهر أيار 2008 في لبنان كان شهر تحقّق التوقعات. كان من المتوقع أن تنفجر الأزمة السياسية التي امتدت لثلاث سنوات واستنفذت صمامات الأمان – القليلة والمضعضعة بالأساس - للنظام الطائفي. وفي ليل الثامن من أيار تبلور هذا الانفجار اشتباكات بين بورجوازيات الطوائف، بوقود من الشبّان الفقراء. جاء ذلك بعد أن شهد السابع من أيار، وهو للمفارقة موعد تظاهرة أعلن عنها الاتحاد العمالي العام للمطالبة برفع الحد الأدنى للأجور، اعتداءات بالقنابل الصوتية وطلقات الرصاص من قبل زمر تيار المستقبل سقط ضحيتها شباب استجابوا للعصيان المدني غير المعلن وتوزعوا على طول خط سير التظاهرة.

العصيان المدني جاء رداً على قرارين أصدرتهما الحكومة يستهدفان سلاح الإشارة لدى المقاومة ويدها الطولى في أمن المطار. وشعار "الدفاع عن سلاح المقاومة" تحول بفعل التحريض الطائفي الكثيف الذي مارسه طرفا الصراع، ولو باضطراد متباين، إلى حرب شوارع هدفها السيطرة الأمنية على المناطق. حرب لم تخلُ بالطبع من تصرفات ميليشياوية جاءت لتؤكد عفن النظام الطائفي الذي يجعل حيوانات مفترسة تعيش على دم الفقراء إلى حكمنا سنة بعد الأخرى.

وكما توقع الجميع أن تنتهي الأزمة بتسوية ومحاصصة مستجدّة، وبرعاية عربية وتوافق إقليمي ودولي، أثبتت الطبقة الحاكمة أنها غير قادرة على خلق الإثارة وإحداث المفاجآت، فذهبت إلى الدوحة واختلت بنفسها وانتهت الخلوة بـ"وحدة وطنية" كانت أولى إنجازاتها انتخاب المسؤول التنفيذي عن تدمير مخيم نهر البارد رئيساً للجمهورية.

تابع الضجر السياسي مسيرته بنجاح كبير وخلت كل السجالات السياسية التي اجتاحت منازلنا وحتى غرف نومنا من أي طرح لحل الأزمة الاقتصادية الخانقة التي نمر بها جراء ارتفاع الأسعار الجنوني وصمود أجورنا بجميع طوائفها، من الحد الأدنى إلى أعلى سلم أجور ذوي الدخل المحدود، صمود قانون الطوارئ في مصر العزيزة.

لم نفاجأ بالطبع من هذا التجاهل الفاضح لأحوالنا المعيشية، فقد اعتدنا على واقع أن كل تأزم جديد للأوضاع الاقتصادية في البلاد يكون مخرجه تأزم أمني طائفي يعفي السلطة من مسؤولياتها تجاه لقمة عيشنا ويحول أنظارنا واهتمامنا إلى خرائط الطرق السالكة وإجراءات الأمان في حالات الطوارئ.

وقد كان لاقتراح اعتماد قانون الانتخاب لسنة 1960، "ملغوماً"، أن يخلق بعض الإثارة لتناقضه التام مع ما جاء في وثيقة الطائف لولا أن الجميع اليوم، ما خلا بعض مثقفي اليسار، ما عادت تنطلي عليه كذبة "وثيقة الوفاق الوطني والدستور المقدس". ومع وجود مجتمع مدني يفاضل بين السلم الأهلي من جهة والديمقراطية والحق بالتمثيل الصحيح من جهة أخرى، اقتصرت ردود الفعل على بعض "الجعجعة" التي لا تنتج إثارة بل فقط بعض التلوث السمعي.

في المحصلة، كانت النتيجة مسلسلاً جديداً من تناتش الحصص، أدى كما المتوقع إلى إنشاء أضحوكة جديدة تسمى "حكومة الوحدة الوطنية"، أي باللغة الصريحة، تحالف جديد ما بين برجوازيات الطوائف.

قد يطرح البعض السؤال التالي: إذا كان هذا اللاتغيير متوقعاً وغير مفاجئ إلى هذه الدرجة، فلما "النقّ"؟ والجواب المقتضب سيكون التالي: المتوقع ليس بالضرورة محتوماً. فقد مر في تاريخ الأزمة معطيات كانت تشير إلى إمكانية تفادي هذا "الروتين" إلا أن اليسار في لبنان لم ينجح حينها في طرح مشروع جدي بديل.

تميزت الفترة السياسية من 2005 حتى اشتباكات أيار بإفلاس سياسي حاد وهياج جماهيري أكثر حدة. لم يتمكن اليسار في هذه الفترة من بلورة مواقفه السياسية بالسرعة والجرأة المطلوبتين واتسم بالتردد وعدم الوضوح.

كان ممكن لليسار أن يستفيد من التناقضات التي نشأت ما بين القواعد الشعبية للمعارضة وقياداتها، فلقد رأينا في مظاهرة المليونين التي عبرت شعبياً وبشكل واضح عن رفض عام لاستمرار السنيورة بالحكم وعن رفض للسياسات الاقتصادية للحكومة، بينما كانت قيادات المعارضة لا تطالب سوى بالشراكة بالحكم.

ولكن هناك أمل وإمكانية للتغيير. علينا أن نعرف جيداً أن أول ما يخافه حكامنا هو غضب الجماهير، هو وحدتنا في المواجهة، فالتسوية لم تأت، كما يشاع، من أجل مصلحتنا ومن أجل راحة بالنا، بل أتت لترصّ صفوف بورجوازيات الطوائف في مواجهة الناس، في مواجهة سخطنا وغضبنا ومن أجل لجمنا عن حقنا في التغيير.

نحن نعرف إن توق البرجوازيات المتصارعة (معارضة وموالاة) للالتحام في ما بينها يأتي بينما الجماهير تفقد ثقتها أكثر وأكثر بالقيادات السياسية الحاكمة. فالهدوء والارتياح الكبيرين اللذين عبّر عنهما الناس عندما ذهب قادة المعارضة والموالاة إلى الدوحة، هو أكبر دليل على ذلك. هذا التدهور في الثقة هو الذي يجب أن نبني عليه اليوم.

إن سلطة "الوحدة الوطنية" اليوم لن تكون سلسة في التعامل مع الناس وحاجاتهم ومطالبهم، بل سوف تكون أكثر عناداً وتسلطاً، وذلك لأنها تعي أنها ضعيفة وأنها لن تتمكّن من إقناع الناس بتوجهاتها وخططها "الجهنمية".

ولقد رأينا جميعاً كيف أن اتفاق الدوحة لم يلحظ أياً من الأمور الأساسية التي تهم أغلبية الناس؛ لم يناقش الرغيف ولم يناقش البنزين ولم يناقش غلاء المعيشة ولا الأجور. الشيء الوحيد الذي ناقشوه هناك هو كيفية توزيع جبروتهم وسلطتهم في الحكومة وفي مجلس النواب القادم. غريب أن يتكلم هؤلاء عن الديمقراطية والتشارك بينما يغيّب كل الشعب عن النقاش في عماد العملية الديمقراطية، أي قانون الانتخاب، الذي فصّلوه على قياسهم وألغوا أصوات مئات الآلاف، فقط من أجل الحفاظ على نفوذهم. يقسّمون الدوائر على أساس طائفي، ثم يتهمون الناس بالطائفية!

إن اتفاق الدوحة والحكومة الوليدة وضعا النقاط على الحروف. أهم هذه النقاط هو أن ليس هناك أي مجال للتأويل بأن المعارضة والموالاة تخلّتا عن الشارع ولجأتا إلى زواريب السلطة والسيارات المصفّحة والقاعات العازلة للصوت.

المرّة الماضية، قالوا لنا أيضاً أن اتفاقاً في دولة نفطية سيحقن الدماء، على الأقل، وسيأتي بالمال والسياح ووعود الربيع. لمدّة 15 عاماً، كانت الحجّة أن اتفاق الطائف أوقف إطلاق النار بين الميليشيات. تناسى الزعماء الوطنيون وقتها أن وقف إطلاق النار خرقته السلطة مرّات عدّة؛ من طريق المطار في 1993 إلى حيّ السلّم في 2004 مروراً بجرود الفلاّحين والسلفيين وحرّاس المربّعات الأمنية والشخصيات حتى نهر البارد ومجزرة مار مخايل.

وبموازاة الدعوات من بعض اليساريين "المدعين للوطنية" للقبول باتفاق الدوحة (مَن كان يمثّلهم هناك؟) والتمهيد لتسوية مع الطوائف والدخول في لوائحها في 2009، يأتي دور المجتمع المدني. تبدأ المصيبة في الترويج (بتمويل أوروبي وأميركي) أن قانون فؤاد بطرس هو خطوة إصلاحية وأن ممثلي المجتمع المدني في اللجنة التي كُلّفت إعداد المشروع قاموا ما بوسعهم للدفاع عن المفاهيم الديمقراطية، الخ.

الحقيقة الأولى أن مَن توهّمهم البعض ممثلين عن المجتمع المدني لم يمثّلوا سوى طوائفهم، مذاهبهم بالتحديد. الحقيقة الثانية أن التمويل الأوروبي (بقرار من الاتحاد الأوروبي) للنشاطات المتعلّقة بالإصلاح الانتخابي هو مشروط بتوجّهات ذلك القانون. الحقيقة الثالثة أن دور المجتمع المدني، بعد ارتباطه مباشرة بالتمويل الخارجي والداخلي، تحوّل من رافعة للإصلاح إلى مروّج لأفكار كوشنير والممولين. فالإصلاح الانتخابي تحوّل إلى برامج دعائية وحملات من "الهواء الساخن" على لوحات الإعلانات والباصات. الكلّ يتدخّل، فما المشكلة أن تقوم مكاتب الأمم المتحدة أو السفارات الأجنبية بالترويج المباشر لمشروع سياسي؟

أما العمل المقاوم فلم يتوقّف يوماً نتيجة لخروج طرف من أطرافه (وسمير جعجع يقول أن اللبنانيين يقاومون منذ آلاف السنين)، وكما قال حسن نصر الله في مؤتمره الصحافي بمناسبة صفقة إطلاق الأسرى في 2/7/2008، فإن الحزب لن يقف بوجه من يريد المقاومة. صحيح.

لن يستفيد المقاومون من تحالف موضوعي (توافقي) مع مثيري الفتنة. ولن يستفيدوا من ضرب أي إمكانية جدّية لوصول تيّارات تعبّر عن تطلّعات الناس الذين أجبرتهم على التضحية بأولادهم وأراضيهم كي لا تقصف إسرائيل وسط البلد (المُحتل من قِبل سوليدير) وكي لا ينزعج السنيورة في حرب تمّوز. أمّا الخاسر الأكبر فهو مَن يدّعي أن المقاومة يجب أن تكون أوسع من حزب الله، ثم يوافق على مشروع قانون انتخابات سيضرب، أوّل من يضرب، أولئك المقاومون الذين لا ينتمون إلى المذهب الشيعي ولا للمقاومة الإسلامية. وهل من مصلحة المقاومة أن تضع نفسها في استفتاء انتخابي يفترض توافقاً بين كل الطوائف لاستمرارها من جهة ويمنع مَن هم من خارج مذهبها و"مناطقها" من التعبير عن هذا التأييد؟

تبقى القضية الأساس، القضية المطلبية، خارج الموضوع برمّته. ألا يجدر بالمروّجين لاتفاقية الدوحة من اليساريين (أو المروّجين لأحد أطرافه) أن يسألوا، ما هي المصادفة أن تأتي المواجهات المذهبية في كل مرّة لتُسكت المطالب المحقّة للعمّال والطبقات الكادحة؟ ألا يجدر بهم أن يسألوا عن القوانين والمراسيم التي تمرّرها حكومة "الدوحة" بتواطؤ واضح وفاجر من "المعارضة"؟ ألا يجدر بهم أن يسألوا حزب الله والتيّار الوطني الحرّ عن دورهم في سياسات التجويع وفي القبول بوصفات دولية ستزيد الفقراء فقراً وستضرب ما تبقّى من شرائح وسطية من كل الطوائف؟ وهل من مصلحة المقاومة ألاّ يتبقّى من لديه القدرة على المقاومة؟

كل يوم يمر في هذا الصيف الحار نرى فيه خسارة لإحدى مقوّمات كرامتنا. سنخرج من احتفالات تحرير الأسرى ونحن أكثر جوعاً وأكثر تشرذماً. وصل سمير القنطار إلى عبيه ليكتشف أنه بعد أن كان عميداً للأسرى، كل الأسرى، قد يتحوّل إلى ورقة درزية يلعبها "الجناح السياسي" في حزب الله في معركة الانتخابات.

خرجنا من مفاوضات حكومة الوحدة الوطنية بوحدة أمراء الطوائف ومشعوذيها، ليمعن الأولون في استغلالنا ويمعن الآخرون بالتدخّل في حياتنا اليومية. أولم يكن ظريفاً أن يختار المجتمع المدني في لبنان تذكّر 13 نيسان هذا العام من خلال نشاطين، أحدهما جمع بعض رجال دين والآخر بعض المراحيض؟

كل يوم، تُعلن الدولة اللبنانية وطوائفها معركة جديدة ضدّ عمّال وفلاّحين ومهمّشين. كل يوم، تقوم الحكومة باستكمال عدّة حربها على الفقراء. وكلّ يوم، يقفز أمامنا انتهازي يساري ليدافع عن مستغِل (بكسر الياء) أو زعيم طائفي أو ديني. وكل يوم، يطلب منّا "مثقّف" ما أن نتنازل عن مطلب ما ونكون "واقعيين". كل يوم، يحدد لنا مسؤول في دولة أخرى مصالحنا كما يراها هو. كل يوم، نرى حقوقنا الاقتصادية تتآكل بأمر من البنك الدولي تارة وأوهام أهداف الألفية للتنمية طوراً. كل يوم، تُضرب حرّياتنا الإعلامية وحقوقنا في التعبير من خلال حملات مشبوهة من إعلام المطاوعين السعوديين وغيرهم من العرب.

نخاف من الحرب، لكن، ماذا نسمّي الحالة التي نعيشها اليوم؟ إذا كان قتل الناس وتجويعهم وضرب مقوّمات حياتهم ومنعهم من الأطر الديمقراطية ليس حرباً، فما هو إذاً؟ بلى، إنها حرب طبقية مُعلنة ومدعومة خارجياً، حرب على العمّال ونقاباتهم، حرب على الفلاّحين وأرضهم، حرب على النساء وجسدهن، حرب على الشباب ومستقبلهم، حرب يومية على كرامتنا. وإذا لم يعجبنا، فميليشيات وشركات أمنية تعيث فساداً وتخريبا، قتلة وأبناء قتلة يهددون سلامتنا العقلية في مؤتمرات صحافية تهريجية.

الطبقة الحاكمة أعلنت موقفها، وحددت حلفاءها من الدول والمؤسسات الدولية والشركات والجمعيات، لم تتوقّف دقيقة واحدة عن زيادة الأسعار والمعاناة، ولم ينقطع مثقّفوها ثانية واحدة عن التبرير لهذه السياسات، وهي تشن حربها الاقتصادية علينا دون هوادة بطلب ومباركة من المجتمع الدولي.

لقد تخلت المعارضة عن مطالب الناس والتجأت إلى رفاقها في المجلس العام للبرجوازيات الطائفية (السلطة اللبنانية). تركوا الساحات ورموا الرايات. اليوم نحن من يجب أن يحتل الساحات علينا أن ننزل إلى الشارع وان نرفع رايات الصراع والتغيير، أن نقف لنقول إن المعركة لم تنته ولن تنتهي حتى إقرار جميع المطالب الشعبية من رفع الحد الأدنى للأجور ولجم الغلاء، إقرار قانون انتخابات غير طائفي ونسبي على أساس لبنان دائرة واحدة، إلى مناهضة التدخلات الأجنبية وردع الامبريالية من دفع المنطقة ولبنان إلى هاوية التقسيم والانهزامية.

الحكومة شُكّلت وضمت تشكيلة غنية من أصحاب المال والمرتشين ومجرمي الحرب والسارقين، الخ... وكما يقول الكثير من وزرائها، الحكومة حكومة انتخابية، أي إن مدة صلاحيتها ومدة صلاحية قراراتها تصب أولاً في المعركة الانتخابية القادمة.

قد نرى بعض الإصلاحات الطفيفة، ولكنها لن تكون إلا محاولة لحفظ ماء الوجه، وسرعان ما سوف تتكشف أنياب من يدعون تمثيل المصالح الشعبية، فإن كانوا فعلاً يمثلون ذلك لكان أول قرار حكومي هو إقرار الحد الأدنى للأجور عما لا يقل عن مليون ليرة لبنانية.

لكن الوزير فنيش (المقاوم) قال حول هذا الموضوع أنه سيأتي بحل يرضي أرباب العمل والعمال. وكلنا يعرف ما يعني هذا؛ العودة من جديد إلى البداية؛ وكأن لم تكن هناك مظاهرات ولا احتجاجات ولا صرخات ولا بيانات. سيحاولون إجهاض الصراع من خلال بعض الجرعات الاجتماعية والاقتصادية الطفيفة.

ولكن علينا اليوم أن نكون صارمين في موقفنا: لا تراجع عن أي مطلب شعبي، فالتراجع يعني أننا نلحق بقطار الهزيمة، وكما يقول السيّد، "ولّى زمن الهزائم وجاء زمن الانتصارات". ولكن انتصار اليوم عليه أن يكون انتصار الناس على جبروت المال والتسلط، وعندها سوف نرى ما إذا كان من يدعي الشرف والولاء للناس سيقف إلى جانب الناس أم إلى جانب المال؟

من اليوم فصاعداً، علينا أن نعرف أن التغيير لن يأتي سوى على أيدينا، من عمال وطلاب وفلاحين، نحن من يشقى ويتعب ويشرّد نحن من يجوع. نحن من يعمل بينما يجلس الزعماء يحصون الأموال التي جمعوها من جيوبنا. تحررنا يبدأ بأن نتخلص من هذه الطبقة العفنة، وبأن نقول لا لحكومة تجمع برجوازيات الطوائف. تاريخنا الفعلي يبدأ عندما ينتهي تاريخهم، ولقد انتهت مدة صلاحيتهم منذ زمن بعيد، والموقع الوحيد الذي يستحقّونه هو بضعة أمتار مربّعة في مكبّات سوكلين.