هل من سبب للطائفية في لبنان؟

نشر في‫:‬الخميس, ايار 15, 2008 - 11:27
الكاتب/ة: روجيه عوطة.

"الطائفية البناءة توافق الإسلام والمسيحية في قومية لبنانية"، هكذا اعتبر كمال الحاج، الفيلسوف اللبناني أن الطائفية اللبنانية تبني لبنان وتوحد شعبه المختلف دينياً، وهذا ما لم نراه في المسيرة التاريخية اللبنانية حتى اليوم، من فتن وحروب أهلية.

أفضل طريق لمعالجة ظاهرة ما، طريق معرفة "السبب"؛

فما هي أسباب دخول "لبنان" في ظلمة الطائفية؟ كيف تجذرت هذه الأخيرة في نواة البيت اللبناني؟

هناك قول سائد في المجتمع اللبناني يعتبر أن الطائفية إنتاج النظام الإقطاعي في متصرفية جبل لبنان آنذاك، هذا الاعتبار خاطئ. فقد ظهرت الطائفية مع بروز فئة اجتماعية جديدة ومعظمها من التجار والوسطاء أكثريتهم من "المسيحيين"، التي بقيت برجوازية تجارية ولم تتحول إلى برجوازية صناعية، ولم تستطع بناء البنى الاجتماعية الحديثة التي يسميها روندو "قوى البلد الحقيقي"، ولذلك بقيت الطائفية من مخلفات البنى التقليدية.

لقد وقع جبل لبنان في صراع يدور بين طرفين، الأول الإقطاع ذو طابع درزي، والثاني العائلات المالكة للأراضي الزراعية لا سيما المسيحية بالإضافة إلى أصحاب ورش أنسجة الحرير والمهن الحرة، والتجار أيضاً بدعم من الكنيسة التي كانت على علاقة وثيقة معهم. فقد ظهرت هذه العلاقة في وهب بعض العائلات لأراضيها إلى الكنيسة بعيداً عن تدخل الإقطاعية (كان آل خازن يستفيدون من الكنيسة ويسيطرون عليها من خلال مساعدتهم الاجتماعية والمالية حيث الأديرة كانت بمثابة مأوى للعاجزين والمعمرين من رجالهم)، كما أن الفلاحين المسيحيين بأغلبهم انضموا إلى هذا الطرف الأخير في مقاومة الإقطاع. وقد شكل الفلاحون "عناصر" القوات المسلحة في الجبل تحت قيادة الأعيان والكهنة في مواجهة القوات الدرزية المدافعة عن "سلطة" الإقطاع.

اشتد هذا الصراع مع دخول الرأسمال الأوروبي إلى الجبل. ومن أهم أسباب دخوله "عجز السلطنة العثمانية المالي". تم ذلك عبر مناسج الحرير فأدى إلى تحول الطلب من الطلب على الخيوط الحريرية إلى الشرانق نفسها، وبالتالي تراجع الطلب على الحرف النسجية المنزلية المتمركزة في الريف فنشطت حركة تجارة المدن وحرم الريف من مورد معيشي أساسي.

هذا ما يمكن تسميته بالهجوم الرأسمالي الذي أتى بعد التسويق والتجارة الأوروبية في أسواق مدن لبنان والتي يمكن تشبيهها بالقصف الذي يمهد للهجوم.

بفعل هذا الهجوم اضمحلت بعض الحرف، لاسيما تلك التي تعتمد بأغلبها على الشرانق ومعظم أصحابها من المسلمين. تأسست المصانع النسجية الفرنسية بعيداً عن المدن حيث السيطرة العثمانية بقوانينها الصارمة، مع العلم أن العمال المسلمين ابتعدوا عن العمل فيها. وشكّلت اليد العاملة المسيحية في الجبل أكثرية عماله من نساء وأطفال أيضاً، ووُجّهت هذه القوى العاملة من قبل الكنيسة حيث لعبت دوراً كبيراً في تنظيم علاقات الإنتاج الجديدة نفسها، بالإضافة إلى صلتها الروحية.

نشطت تجارة شرانق الحرير في الجبل وأرتقت بالكثير من الفلاحين إلى درجة اجتماعية جديدة اكتسبوها بفعل نمط إنتاجهم. وبالتالي لعب الوسطاء بين الفلاحين والمصانع النسجية دوراً بارزاً في التجارة، فتحول هؤلاء إلى عملاء ماليين ومرابين صغار، فدخلت الممارسة الرأسمالية إلى أقاصي الجبل وتغلغلت في مختلف العلاقات التجارية والنقدية.

لكن هذا التحول لم يطل إلا قشرة ضيقة في الجبل، مما أدى إلى خرق النظام الإقطاعي القائم، حيث الكتلة النقدية بدأت ترتفع بمستواها، والعلاقة بين الإقطاعي وأفراد مقاطعته تتقلص على صعيد سيطرة الأول على الثاني. حاول بعض المشايخ (الدروز) الدخول إلى الدائرة النقدية، فدخلها مقهوراً، أي مديناً، فتغيرت أسس العلاقات الاجتماعية.

دخول العنصر الرأسمالي الأوروبي أدى إلى تنشيط حركة التحرر من قبضة الإقطاع الدرزي، بفعل انتقال مجتمع جبل لبنان إلى الرأسمالية الذي ظهر في تفكك العلاقات السائدة و"تحرير" الفلاحين والحرفيين ومئات من عائلات الأعيان من الشراكة في الأرض وفي الإنتاج السلعي البسيط والتبعية الشخصية للإقطاعي، بالإضافة إلى فك الصلة بين الأرض والحرفة. وبدأ العائق الأساسي في وجه تكوين سوق رأسمالية بالانهيار.

أمام هذا الهجوم، تبلور الصراع الإقطاعي الدرزي/المسيحي المترسمل أكثر فأكثر. إذ أنه برز في المعارك العسكرية التي جرت بين الفرق العسكرية المسيحية المقاومة للإقطاع من جهة الذي شكل الفلاحون عناصرها فقط ووُكلت القيادة التنظيمية والسياسية والإيديولوجية (التي تغذت من سواعد وبطولات العنصر الفلاحي) إلى التجار والفلاحين الميسورين والحرفيين. كان أبرزهم - عدا طانيوس شاهين - الياس منير، مدبر الانتفاضة الكسروانية ودماغها المحرك، بتحريض من بشير الثالث والتجار الذين كانوا على علاقة طيبة مع الرأسمال الأجنبي الوافد إلى الجبل.

هذا وكما أشرنا سابقاً أن الكنيسة ورجالها تحولت إلى طرف يدعم الاستقلال عن الإقطاع، وذلك عبر إنشاء أجهزة سياسية معارضة للإقطاع أبرزها الأخويات التي كانت في جوهر الحركات والانتفاضات الشعبية الفلاحية من لحفد وانطلياس (المطران يوسف اسطفان، الخوري نهرا، البطريرك بولس مسعد)، والقوات المسلمة المدافعة عن الإقطاع المتفوق عسكرياً عبر التاريخ من جهة أخرى.

بعد عدد من المعارك، كانت "الغلبة" حسب تعبير ابن خلدون لصالح الطرف الفلاحي المسيحي على حساب الإقطاع الدرزي.

شكلت القوة الفلاحية في الجبل محور علاقات جديدة بين الرأسمالية التي تنشأ في الجبل والكنيسة من جهة والرأسمالية الأوروبية من جهة أخرى، وبرز خط جماهيري وثيق الصلة بالنضال الشعبي حمل الطائفية السياسية كملمح أساسي له والتي تشكل بدورها البنى الفوقية للتشكيلة اللبنانية.

كما لاحظنا أن الطائفية لم تهبط من فوق، فالشعب اللبناني ليس بشعب هلامي، أي مادة لا شكل لها سوى ما يفرض عليها من الخارج. الطائفية هي أحد مرتكزات الصراع الاقتصادي اللبناني وذلك قبل أن تتحول إلى "شكله الغالب" بالمعنى الذي يقول فيه إنجلز في رسالة إلى بلوك: "إن الوضع الاقتصادي هو القاعدة، لكن عناصر البنية الفوقية المختلفة ذات فعل أيضاً في مجرى الصراع التاريخي، وهي في حالات كثيرة تحدد شكله بصورة رئيسية"، وقد استطاعت الطائفية أن تحضر في ممارسات متعددة تجسد "أفكاراً صحيحة" بالمعنى الذي يستخدمه ماو تسي تونغ، عندما يسأل "من أين تأتي الأفكار الصحيحة"، ويجيب "من الممارسة".