السعودية: من الإدمان النفطي إلى استحقاقات سياسية واجتماعية

نشر في‫:‬الخميس, حزيران 9, 2016 - 15:13
zazzle.com
الكاتب/ة: محمد الأحمد.

"في ٢٠٢٠ إذا توقف النفط سنكون قادرين على العيش"، هذا ما قاله، ولي ولي العهد السعودي، محمد بن سلمان في مقابلته مع قناة العربية حول التحولات الاقتصادية التي تشهدها السعودية بعد الهبوط الحاد في أسعار النفط، وقد أثر ذلك بشكل كبير على الإيرادات السعودية، فالنفط كان يشكل ٥٥ بالمئة من إجمالي الناتج المحلي للملكة و٩٧ بالمئة من صادراتها، ومنذ بدء انحدار سعر النفط ترفض السعودية خفض إنتاجها من النفط خوفاً من خسارة حصتها في السوق. وسعياً منها لدفع كل من فنزويلا والولايات المتحدة الأميركية، أكبر منتجي النفط في العالم، لخفض إنتاجهما نظراً للتكلفة العالية للصناعة النفطية في كل منهما. 

ورغم أن السعودية قد خسرت ما يقارب نصف إيراداتها النفطية مع استمرار هبوط الأسعار، إلا أن محمد بن سلمان بدا في كلامه عن المستقبل السعودي طموحاً جداً وتخطى به المستوى المحلي وصولا إلى المستوى العالمي، فهو يهدف إلى جعل الاقتصاد السعودي اقتصاداً محرِكاً للاقتصاد العالمي ولكن دون الاعتماد على ما سماه الإدمان النفطي. 

وترتكز خطة التحول الاقتصادي السعودي محمد بن سلمان على ثلاثة اتجاهات أساسية:

الاتجاه الأول، يقوم على الاعتماد على الموقع الذي تشغله السعودية كمركز للعالم الإسلامي. فهي تستقبل ملايين الحجاج سنوياً، وتهدف الخطط السعودية إلى تطوير البنى التحتية لتوفر خدمات أكثر رفاهية للحجاج وتستقبل عددأ أكبر منهم في كل عام. كما أن محمد بن سلمان تحدث عن إنشاء متحف إسلامي عالمي لجذب السياح، وذكر بأنه سيسعى إلى رفع عدد المواقع الأثرية السعودية المسجلة في اليونسكو كون الحضارة العربية تمتد جذورها إلى آلاف السنين فيها. 

أما الاتجاه الثاني، فهو تشجيع الاستثمارات وتسهيلها والاتجاه نحو الخصخصة وهو ما سيبدأ بطرح أقل من ٥ بالمئة من شركة أرامكو السعودية- أكبر شركة في العالم- للاستثمار، وذلك بهدف إيجاد دفق من السيولة في السعودية تعويضاً عن النقص الذي سببته الأزمة النفطية.

والاتجاه الأخير يسعى إلى استغلال الموقع الجغرافي للمملكة الذي يربط بين القارات وخاصة بعد قرار إنشاء معبر بري بين مصر والسعودية. وأضف إلى ذلك، أن لدى السعودية مخزوناً كبيراً من اليورانيوم يمكن أن يشكل عائداً بمليارات الدولارات.

تحاول خطة محمد بن سلمان أن تبدو ثابتة وواثقة الخطى، نحو تحقيق تحولات في نمط الاقتصاد السعودي للابتعاد به عن الاقتصاد الريعي المعتمد على تصدير النفط الخام، إلا أنه لم يتعرض للكثير من المشكلات الجدية التي تواجه السعودية والتي ستظهر قريباً مع بداية تطبيق خطته الاقتصادية، من البطالة إلى افتقار القوى العاملة السعودية للمهارات والتعليم الجيد وضعف الصناعات المتطورة والصناعات الثقيلة وارتفاع نسبة الاستهلاك، وارتفاع الدعم الذي تقدمه الحكومة للمواطنين إضافة إلى الرواتب المرتفعة التي يتقاضاها السعوديون في الوظائف الحكومية.

من ناحية البطالة فإن أرقام البنك الدولي تشير إلى أن نسبتها في السعودية هي ٥،٦ بالمئة، لكن ما لا يكشفه مؤشر البطالة في السعودية هو مشكلة أعمق وترتبط بأبوية النظام السعودي، فنسبة البطالة بين الذكور السعوديين هي ٣،١ بالمئة، بينما تبلغ نسبة البطالة بين الإناث هي ٢٠،٢ في المئة، وتبقى النسبة الكلية - ٥،٦ - منخفضة لأن مؤشر البطالة يعتبر العاطلين عن العمل هم الاشخاص المؤهلين والموجودين في السعودية والراغبين في العمل ويبحثون عن عمل لكنهم لا يجدونه، بالتالي فإن الإناث اللواتي لا يبحثن عن عمل أو النساء غير المتعلمات لا يدخلن ضمن مؤشر البطالة، وبما أن القيم الاجتماعية السعودية تضع القيود والحواجز أمام دخول المرأة إلى سوق العمل، فإن نسب البطالة تبقى منخفضة لأن ٣٤،٥ من القوى العاملة في السعودية وهم ما يشكلون ٦٩ بالمئة من النساء لا يستطعن البحث عن عمل، وهم بالتالي خارج إطار القوى العاملة.

أما من الناحية التعليمية، فوفقاً لديفيد كومينز الحاصل على الدكتوراه في التاريخ فإن السعودية "تعتمد على العمال الأجانب لأن النظام التعليمي لديها يعاني من فقر في المعلمين المؤهلين والمدربين بالإضافة إلى القيود الصارمة في النظام التعليمي والمؤهلات العلمية والتقنية ضعيفة فضلا عن التركيز المفرط على التعاليم الدينية". وقد فشلت محاولات سابقة حاول فيها النظام السعودي أن يضغط على الشركات كي توظف ٣٠ بالمئة من موظفيها من الجنسية السعودية، فحسب ما ورد في مجلة The Economist: "فقد واجهت الشركات عدة عقبات منها أن الأيدي العاملة المحلية ليس لديها المهارات والخبرات المطلوبة كما أن التعاليم الدينية فشلت في تحضيرهم لدخول سوق العمل". مما أدى إلى تراجع الحكومة عن قرارها فيما بعد.

ومن الواضح أن محمد بن سلمان يعتبر مجال الصناعات المتطورة والثقيلة نقطة ضعف للسعودية فهو لم يأت على ذكرها أبداً وقد أشار بأن على السعودية استغلال نقاط قوتها الآن، رغم أن المجال الصناعي يعد ركيزة أساسية لنهضة الدول ويمثل انتقالا من الاقتصاد الريعي الذي يصدر المواد الخام إلى اقتصاد قادر على فتح خطوط انتاج وإحداث تقدم ومنافسة حقيقية في الأسواق العالمية.

يعتمد اقتصاد الدول "المتقدمة" على اقتصاد المعرفة الذي يرتكز بشكل أساسي على التعليم والخبرات المتراكمة للمجتمعات وتوظيفها في استغلال أفضل للموارد، في حين أن القطاع السياحي، الذي يوليه محمد بن سلمان اهتماماً عالياً ويعول عليه كأحد أعمدة الارتكاز للاقتصاد السعودي، يعتبر قطاعاً هشاً ببنيته حيث إن منطقة الشرق الأوسط لا تزال منطقة غير آمنة على الإطلاق وتعج بالتوترات والصراعات المختلفة، التي للسعودية الدور البارز في تأجيجها خاصة في سوريا واليمن، وغالبا ما يضر ذلك بشكل كبير بالقطاع السياحي كما حدث في كل من مصر وتركيا مؤخراً. 

الجزء الأهم في كلام محمد بن سلمان كان تركيزه على الشفافية في التعاملات المالية والاستثمارات والحديث عما يشبه مفهوم حرية الوصول إلى المعلومات في السعودية بالإضافة إلى الحوكمة، وقد أنشأ الملك سلمان في هذا السياق مركزا لتقييم أداء الحكومة يرفع تقرير بشكل فصلي لتعديل العمل الحكومي بناءً عليه.

وتأتي الإشكالية هنا أن الحوكمة في القطاعات الحكومية تتضمن بشكل أساسي مفهوماً لتداول السلطات غير متوفر في السعودية. وتبدو محاولات إدخال الحوكمة في إدارة اقتصاد تتمركز فيه القرارات بيد شخص واحد شبيهة جداً ببدايات حكم بشار الأسد في سوريا، وذلك عندما بدأت مسيرة "التطوير والتحديث" بالانفتاح على السوق وإجراء بعض "الاصلاحات"، ثم اصطدمت بالثورة السورية التي أرادت تنحية السلطة لصالح نظام ديمقراطي، وهذا ما كشف حقيقة النظام السوري بأنه غير قابل لإدارة اقتصاد يعتمد على الحوكمة، فهل ستكون السعودية أمام وضع مشابه في السنوات المقبلة؟

من ناحية أخرى، فإن التحولات الاقتصادية لتغيير نمط الاقتصاد السعودي ستدخل حتماً الكثير من الوظائف إلى السعودية، لا سيما أن القطاع النفطي الحالي لا تتجاوز حاجته الـ ٢ بالمئة من القوى العاملة السعودية، فيما تتطلب القطاعات الأخرى قدراً أكبر من الأيدي العاملة. وفي حال استطاع محمد بن سلمان مواجهة هيئة كبار العلماء والوصول إلى بعض الحقوق للنساء السعوديات وتشجيعهن على دخول سوق العمل فإن ذلك سيحمل معه تبعاته الاجتماعية، فاستقلالية المرأة الاقتصادية، إضافة إلى تحملها لمسؤوليات متعددة واكتسابها مهارات جديدة أيضاً سيؤدي إلى تغير في الأدوار الاجتماعية داخل المجتمع السعودي وبالتالي الاصطدام مع منظومة القيم الدينية. 

إن السعودية بخطتها الاقتصادية الجديدة لا تتجه نحو مجتمع صناعي متقدم أو مجتمع يؤسس اقتصاده على المعرفة، فنقاط ضعفه لا تجد اهتماماً جدياً من نظام الحكم السعودي، إلا أن التغيرات الاقتصادية للسعودية تتجه نحو استحقاقات ستفرض التغيير السياسي والاجتماعي، فهل ستتمكن السعودية من عبورها أم أنها ستصطدم بها؟