‫برميل الدم: ناغزاكي والغوطة الشرقية‬

نشر في‫:‬الخميس, ايار 19, 2016 - 12:31
حتى الشجر في بلادي نبت دماً | حسام سوده | فنون الثورة السورية
الكاتب/ة: محمد الأحمد.

‫"إذا بدك الدم يوقف نهائيا لازم تسكب شي برميل دم أول شي لحتى يوقف الدم بعدين". هذا ما قاله أحد مقاتلي أحد الفصائل أثناء حديثه عن الاقتتال بين فصائل المعارضة في الغوطة الشرقية المحيطة بدمشق والذي يدور بين جيش الإسلام من جهة، وبين جيش الفسطاط من جهة أخرى، منذ أسبوع تقريباً. قال المقاتل أيضاً إن هناك ٦٠٠ قتيل من الطرفين في الغوطة الشرقية وهذا الرقم يشمل العسكريين فقط، إذ تحدث عن شوارع في الغوطة مليئة بجثث النساء والأطفال، وقال ناشط هناك جثث لا يمكن سحبها بسبب القنص، وسط تبادل للاتهامات بين الطرفين بالعمالة للنظام السوري.‬

‫تمول السعودية جيش الإسلام، في وقت تمول غرفة موك جيش الفسطاط الذي تنضوي جبهة النصرة تحت لوائه في الغوطة الشرقية. لم يكن هذا الاقتتال الأول من نوعه بين فصائل المعارضة في سوريا، إلا أنه الأعنف حتى الآن. فمع تعدد القوى الإقليمية التي تدخلت على الأراضي السورية، برزت خلافات وتنافس جيوسياسي على النفوذ على الأراضي السورية قادت إلى عدة معارك وانقسامات بين فصائل المعارضة المختلفة، كما أدى ذلك إلى انقسامات في قلب الكتلة السياسية للمعارضة السورية منذ نشوئها. ‬

‫إن الشرخ الاجتماعي السياسي الذي بدأ في سوريا بين المؤيد والمعارض وانفجر على مستوى طائفي وصل الآن إلى انقسامات أكثر تعقيداً وتداخلاً. فالمعارضة التي ترفضها تركيا ترتمي في أحضان الروس، والمعارضة التي ترفضها السعودية ترتمي في أحضان أنقرة، وما ترفضه القوى الإقليمية يرتمي في أحضان النصرة وتنظيم الدولة الإسلامية ومصالح المتدخلين في سوريا، وبذلك يدفع السوريون ثمنها من دمائهم.‬

‫هذه الانقسامات لم تكن لتظهر في سوريا أثناء الأشهر الأولى للثورة حين لم تكن هناك حاجة إلى تمويل لتنظيم المظاهرات والاحتجاجات السلمية. ومن السهل جداً لثورة لم تتح لها الفرصة لانتاج قيم اجتماعية جديدة خاصة بها ورؤية لعقد اجتماعي بين مكوناتها المختلفة أن تستعيد قيم البعث التي تعززت طوال فترة حكم الأسد، وكان سقوط أول قتيل بين الفصائل المختلفة كافياً لاستدعاء عقلية العشيرة التي عززها النظام السوري طوال أربعين عاماً وجعلها مرجع الأمان البديل عن مواطنية يحميها قانون الدولة.

أصبح الثأر المناطقي اليوم أحد أهم محركات الاقتتال، وسبباً في استمراريته وتفاقمه، فقد قال مقاتل من فصائل المعارضة تعقيباً على شائعة عن اختطاف ابنة أحد القادة العسكريين إنه سيقوم بحرق الحارة المجاورة بكل من فيها من النساء والأطفال إذا كانت الشائعة حقيقة. الثأر هنا ليس مطالبة بالقصاص عن طريق محكمة مرجعية لها سلطة الحكم فيما يحدث في المنطقة الخاضعة لها، وليس ثأراً من المختطفين كونهم ارتكبوا جرماً، الثأر يتجه نحو حي بأكمله نحو النساء والأطفال فيه كونهم أبناء الحي نفسه الذي ينتمي إليه الخاطف، هذا ما يقود أي جرم إلى صراع بين الجماعات يتفاقم باستمراريته لاحتمالية تحوله حرباً أهلية.‬

‫هذا الاقتتال والعقلية التي تقف وراءه لا تمتد آثارها إلى عمق النسيج السوري فقط، إنما إلى عقلية أطفال سوريا، وبالتالي إلى مستقبل سوريا، في كل حي ستشاهد مجموعة من الأطفال الذين قاموا بلف بعض أنابيب التمديدات الصحية باللاصق لتبدو كالبندقية، وأقاموا المتاريس من الأتربة وبقايا الأبنية الموجودة، ثم انقسموا إلى مجموعات قد تمثل النظام والمعارضة وقد تمثل فصائل مختلفة من المعارضة، لتبدأ معركة حامية الوطيس. هذه المعركة المصغرة لا يبتدعها الأطفال، إنما يرثونها عن آبائهم، الذين ورثوها عن نظام البعث، وعن الأنظمة الإسلامية المحيطة في المنطقة، والتي تتداخل تحالفاتها وخصوماتها مع القوى الدولية التي تحمل نفس عقلية التنافس على المصالح الجيوسياسية لكن دون غطاء ديني، فليس من الضروري أن يتم غسل دماغ الأطفال بشكل مباشر وعلني كما يقوم به تنظيم الدولة الإسلامية، يكفي أن يعيش أطفال سوريا أحداث المعركة بأصواتها وحروبها ومصطلحاتها وأوضاعها ليتشربوا ثقافة الحرب.‬

‫إن المعركة الضارية بين أطفال الغوطة اليوم تمثل الإرث الإنساني الذي مررته السلطات الدينية والأنظمة البعثية والقومية. وإذا أردنا الذهاب أبعد من ذلك، فهي تحمل تبعات المعركة بين الروس والأميركيين. ما قاله مقاتل المعارضة عن سكب برميل الدم لإنهاء سيل الدم المتدفق، قاله رئيس الولايات المتحدة الأميركية، هاري ترومان، بعد إعطائه الأوامر بإلقاء القنبلة النووية على ناغازاكي: "لقد استعملناها لنختصر عذابات الحرب، لننقذ الآلاف والآلاف من أرواح الشباب الأميركي"، يبدو أن الآباء المؤسسين للولايات المتحدة لم يؤسسوا لليبرالية الأميركية، فقط بل أسسوا معها و بشكل موازٍ في القسم الآخر من العالم وبشكل غير مباشر أنظمة شمولية تحاول الوقوف في وجه الاجتياح "الليبرالي" الأميركي تحت ألوية مختلفة من الديني إلى القومي إلى الأممي، وأي حركة ديمقراطية مجابهة لا يسمح لها بالنجاح ما لم تتوافق مع القوى الكبرى.‬

‫الآباء المؤسسون في سوريا اليوم هم مزيج من الإرث الديني السلفي والإخواني، والقومي البعثي والناصري والسوري القومي وغيرهم. لقد دفعت الدول المتدخلة في سوريا لإعادة إنتاج منظومة قيم البعث وأضافت عليها الدينية الجهادية. بنهاية الأمر، أصبحت المحاور التي تقسم السوريين اليوم أكثر من أن تحصى بين مؤيد ومعارض، سني وشيعي، داعشي وإخواني وسلفي، عربي وكردي، ريف ومدينة، عشيرة وأخرى، حي وحي آخر. هذه الانقسامات السورية يساهم في صنعها اللاعبون الإقليميون والدوليون بشكل مباشر وغير مباشر منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن، فإذا كانت ثمار "الإرهاب" تؤرق العالم اليوم، فالأولى به أن يكف عن زرع بذور "الإرهاب" في المنطقة قبل عقد التحالفات لحرق الأرض التي "تنبته".‬