مضايا حية، والموتى كثر

نشر في‫:‬الجمعة, كانون الثاني 15, 2016 - 14:54
من الاعتصام التضامني لكسر الصمت حول الحصار في ‫‏سوريا‬ أمام المتحف الوطني | المنشور
الكاتب/ة: ‫علي فحص.

‫ليس الغريب أن تصبح مضايا هي القضية الآنية، ليس الغريب أن تحتل معاناتها عقول كل محب للثورة، وبال من تجرأت الانسانية أن تقترب منه، كل ذلك عادي وماذا بعد؟؟ ماذا ينفع؟‬

‫مضايا، وغيرها الكثير من المناطق السورية التي تدفع ثمن ثورتها، واصرارها على الصمود في وجه البعث وحلفائه.‬

‫مضايا ليست الأولى، ولن تكون الأخيرة في هذه القافلة، لن ينتهي العذاب إلا برحيل الأسد. الكلام، هنا، ليس بعيدا عن الواقع، هو الجزء الواقعي الذي نجابه رتابته بأن نحلم أكثر. نعلم أنه توجد فصائل اسلامية، والنصرة وداعش، وفي المقابل هناك أناس لا زالوا يتمسكون بثورتهم بعيدا عن التعصب، والتشدد الديني، هم/ن بأحلامهم البريئة أملنا، ويحق لنا ان نجد فيهم كل الأمل.‬

‫ليس الحديث مدخلا للجدل الذي أصبح عقيما، بنظري، حول سبب التشدد الاسلامي في سوريا، حيث لم يعد ينفع الذكر بمن أخرج عناصر داعش وغيرهم من سجونه، ولا من تركهم يسرحون ويمرحون في الرقة، ومناطق مختلفة من سوريا، ليبنوا إمارتهم لسنتين. يضاف إليه عمق النقاش حول تأثير دخول حزب الله بمكانته المذهبية إلى سوريا على التشدد الاسلامي. ما يهم الآن هو الوضع الحالي، مدن محاصرة وتجويع لأجل اتفاقيات عسكرية وانتصار اعلامي حتى لو أردنا أن نتجاهله، سنجد أنه يشبه إلى حد كبير جرائم العدو الصهيوني في فلسطين ولبنان.‬

‫حصار مضايا، إدلب، دير الزور، داريا، اليرموك منذ سنتين، حتى تتخلى عن المعارضة والثورة، تحاصر جوعا وتدمر فوق أبنائها لأجل ذلك. ولو قدر للبعيد عن الوضع أن يقول كلمته لقال: "إنها إحدى أقصى عذابات هذا القرن، إبادة للحرية".‬

‫رغم كل ذلك، تبقى وتقف لوحدها، ونحن الآن نقف، لكن لماذا؟ مضايا هي التي تنقذنا وتعيدنا إلى الحياة، هي التي تنبض زخما وثورة ونحن الأموات الصامتين، عن كل شيء، مضايا ماتت لمئتي يوم واكثر ونحن نعيش يوميا الذل.‬

‫أليس ربيع بيروت سيزهر في الشام! ما بيننا وبين سوريا أكثر من قضية، أكثر من نظام حكمنا لأربعين سنة ولا يزال يحاول حلفاؤه إعادته، ما بيننا لحن الحرية الذي ما هرمنا نحاول عزفه وسنبقى.‬

‫معركتنا مع هذا النظام، سبب الكثير من الأزمات في سوريا ولبنان، المسؤول عن قتلنا وحصارنا على مر سنين، وتل الزعتر يعود في مضايا. نحن وإن كنا قلة نُهاجم، نُهدد، ومنا من يُخون ويعيش الضغط اليومي. كل ذلك لأننا واضحين بخطانا، لا نريد محاور دول قمعية لتجرنا معها، لا نريد ان نُحكم لا من إيران أو السعودية أو تركيا، لا نريد تدخلا أميركيا ولا روسيا ليعلمنا الحياة، نحن نعرف أن نعيش، ومن صرخ أولى شعارات الثورة في درعا منذ خمس سنين يعرف كيف يعيش أكثر من ماسحي الجوخ الملكي أو جوخ المرشد. حمزة الخطيب وقافلة شهداء سوريا الحرة يعلموننا كيف ننتفض بسكون المظلوم، بزخم الثائر، وبقوة على كل محتل.‬

‫لا يزايد أحد على أحد بفلسطين، لا يزايد على أبناء فلسطين بقضيتهم، طريق القدس لا يعرفها إلا من أرادها بصدق، وفلسطين هذه لا تقبل أن تكون مكسر عصا لقمع الشعوب، من مصر إلى إيران والسعودية وسوريا والأردن. الحصار واحد في غزة وتل الزعتر واليمن ومضايا، والإجرام لو اختلفت وجوهه يبقى هو. مضايا كما غيرها وصمة عار على جبين من يعتبر نفسه لا يزال مقاوما، عندما يماثل المظلوم ظالمه، عندما يماثل حزب الله العدو الصهيوني بعدوانه على المدنيين، يعني ذلك نهاية حقبة مقاومة، والمقاومة باقية وتستمر كما بدأت، جريئة شعبية، وليست شركة، تقدم خدماتها لأنظمة قمعية. ‬

‫عندما أعادتنا الثورة السورية إلى الحياة من جديد منذ خمس سنين، لم نر فيها بعدا طائفيا، هي ثورة مظلومين ومقهورين، تجرأوا وسبقونا إلى رفع الظلم، واجبنا أن نقف معهم، أن نستمر مع معاناتهم ونحاول بقدر ما يمكننا أن نساعد. نقف معهم ونعارض حكم الأسد ومن خلفه وابتزازنا بأي قضية. ثورة شعب سوريا ليست خدمة للسعودية ولا قطر ولا تركيا، ولن تصبح أرضا للإيراني أو الروسي أو البعث، هي سوريا التي تستمر رغم كل شيء، ستعود، ونعود معها، ما بعد التشدد الاسلامي من طرفيه الإيراني والسعودي، ما بعد البعث، هي آتية.‬

‫ستغرد حناجر شعبي منتصرة، سنعيدها يا تونس، نعيد أجمل ما قيل لأجل الحرية.. "بن علي هرب"، هرم التونسيون لأجل هذه الحظة ونحن لا يهمنا إذا هرمنا لأجل "الأسد سقط"، رحل، راحل أنت راحل ولو أتى العالم كله، راحل أنت وميليشياتك ومخابراتك والميشيليات العراقية والايرانية، وداعش والنصرة وحزب الله.‬

‫بعد آذار 2011 كل شيء تغير، ولن يعود إلى سابقه، لن يعود البعث حاكما، ولا بشار وزلمه، لن يعود حزب الله يقنعنا بطرق القدس الملتوية، ولا إيران بحملها القضية رداء لمخططاتها، ولا السعودية وخوفها على السوريين، ولا قطر وتركيا، من يريد أن يقف مع الشعب السوري عليه أن يقف مع نفسه ويتخلى عن طائفيته، يتخلى عن قمعه لشعبه.‬

‫المساعدات التي أدخلت ليست الحل، نطالب بفك الحصار، نطالب بخروج أي محتل للأراضي السورية، من حزب الله وقوات الحرس الثوري، والقوات الروسية، والعناصر الأجنبية في الفصائل الاسلامية. نطالب أن تتخلى الدولة اللبنانية عن حليفها البعثي، أن تتخلى عن سياستها العنصرية تجاه اللاجئين، كل اللاجئين من سودانيين وفلسطينيين وسوريين.‬

‫في النهاية، مهمتنا ليست فقط أن ندعم، بل أن نغير، لكي نساعد سوريا علينا أن نساعد أنفسنا، أن نثور في بلدنا، فالنظام اللبناني بأمنه ومخابراته وأجهزته واقتصاده نسخة عن البعث، أنتم يا ثوار ادلب والزبداني ودرعا وحمص وحلب ربيعنا.‬