الاقصاء "الأخلاقي" في الحراك الشعبي وايديولوجيا الطبقة الحاكمة ‬

نشر في‫:‬الأحد, تشرين ثاني 15, 2015 - 18:00
الكاتب/ة: أنطوني ر..

أظهرت السيرورة الثورية الجارية في المنطقة، بشكل أكثر وضوحا من قبل، الانقسامات الاجتماعية "الأخلاقية"، التي هي في جذورها انقسامات مادية، خلقتها الرأسمالية بيننا. ومع تزايد حدة الحرب الطبقية، يزيد، كذلك، اضطهاد وقمع أولئك الذين وضعهم النظام القائم على هامش المجتمع، سياسيا، اقتصاديا واجتماعيا. الثورة المضادة، في مصر وسوريا خاصة، عززت هذه الانقسامات وأحاطت نفسها بستار من الدخان: هؤلاء الـ"شواذ" الذين يسببون خطرا أخلاقيا، ودينيا، وبالتالي خطرا أمنيا "ينبغي التخلص منه". لذا علينا توخي الحذر من استراتيجية النظام القائم وأجهزته الإعلامية لتقسيم الحراك والعمال على أسس "أخلاقية".‬

في مصر، مثلا، جاء تقسيم العمل على أساس جنسي، بفعل النظام الرأسمالي نفسه. ويتمظهر ذلك أيضا عبر عمليات الاغتصاب والتحرش الجماعي ومحاولات طرد النساء والمثليين وغير المنضبطين جندرياً من السيرورة الثورية من قوى الثورة المضادة. كذلك في سوريا، حيث، كما في بقية الدول التي تخوض هذه السيرورة، لم تكن هذه الوسائل حكرا على نظام الأسد القائم وتم استخدامها من قوى المعارضة الإسلامية وغير الإسلامية، التي قامت بفرض التعاليم الدينية المتشددة ووصلت إلى ما وصلت إليه من استعباد للنساء وقتل للمثليين وغير المنضبطين جندرياً. في لبنان بدأنا نرى هذا النمط عبر تصنيف شباب المناطق المهمشة المعبرين عن غضبهم من النظام القائم كـ"مندسين"، وهو كذلك تصنيف "أخلاقي" له أبعاده الاجتماعية، والاقتصادية والسياسية.‬

في الآونة الأخيرة، رأينا في لبنان تزايدا في العسكرة، إلى جانب التعامل البوليسي، الأمر الذي أدى إلى تزايد اضطهاد المرأة وغير المنضبطين جنسانيا وجندريا. هذا الاضطهاد غير متساو - حيث يستهدف الطبقة العاملة وليس الطبقة الحاكمة، البروليتاريا وليس البرجوازية، العمال وليس أصحاب الملكية، فضلا عن الاستهداف التاريخي للاجئين - وتخلق وسائل الاعلام السائدة الذعر "الأخلاقي" الذي تستخدمه السلطة لتبرير القمع والاستغلال الاقتصادي لهذه الفئات. فوسائل الاعلام هذه هي سوط مرئي للطبقة الحاكمة. لذلك، تكمن أهمية الاستثمار بالاعلام الثوري البديل والناتج بشكل أساسي بجهد من المتظاهرين أنفسهم.‬

تعيد هذه الانقسامات انتاج نفسها في الحراك الشعبي الراهن عبر طرق واضحة وضمنية. على سبيل المثال، تم طرد امرأة عاملة/ترانس (قامت بتحويل جنسها أو جندرها) من الساحة، بالإضافة إلى التحرش اللفظي والجسدي بمتظاهرات خلال التحركات الشعبية الأخيرة. ضمنيا، تطرح التحركات، حتى الآن، موضوع الوطنية اللبنانية بشكل إقصائي، لشرائح سكانية متضررة من النظام اللبناني، كاللاجئين السوريين والفلسطينيين وعاملات المنازل وسواهم. أو عبر خطاب مباشر يعتبر أن "الحراك يوحد اللبنانيين".‬

خلال تحركات آب/أيلول 2015، التي أعادت ساحة رياض الصلح وشارع المصارف إلى الشعب اللبناني، رأينا كذلك مناهضة لبعض هذه التقسيمات، خلال الهتافات والشعارات ضد الذكورية أو مناهضة هتافات مثل "لوطي! لوطي!"، بالإضافة إلى تشكيل بلوك نسوي في المسيرات تحت شعار "النظام الأبوي قاتل!". وكذلك سجلت مشاركة واضحة لأشخاص غير منضبطين جنسيا وجندريا، بالإضافة إلى بعض الناشطين السوريين أو الفلسطينيين بشكل منظم أو كجزء من المجموعات والتحالفات المتحركة مساهمين في مناهضة الشعارات والهتافات الاقصائية على أساس عنصري. لذلك، علينا صرف جهد أكثر، لتوسيع هذا النوع من التنظيمات وتفكيك التفكير والخطاب الـ"أخلاقي" حسب النماذج المفروضة من فوق.‬

من يقف وراء هذه الانقسامات "الأخلاقية"؟ كتب ماركس وإنجلز، في الأيديولوجيا الألمانية، (184٥- 1846):‬

"إن افكار الطبقة الحاكمة هي الأفكار المسيطرة في كل العصور، أي أن الطبقة المتحكمة ماديا في المجتمع هي نفسها الطبقة المتحكمة فكريا فيه. الطبقة التي تملك وسائل الإنتاج المادي ووسائل تصريفه، لديها في الوقت عينه السيطرة على وسائل الانتاج الذهني. باختصار: أفكار الذين لا يمتلكون وسائل الانتاج الفكري تبقى محصورة فيهم وحدهم. الأفكار المسيطرة ليست أكثر من انعكاس لعلاقات السيطرة المادية في المجتمع، ليست أكثر من هذه العلاقات متمثلة ذهنيا".‬

من هنا يظهر أن الأيديولوجيا المهيمنة في كل مجتمع رأسمالي طبقي هي أيديولوجيا الطبقة الحاكمة (من الوطنية والذكورية والعنصرية وغيرها)، حيث أن الطبقة الحاكمة نفسها التي تستحوذ على الموارد المادية والبشرية (وسائل الإعلام، الشرطة، الجيش، وفي حالتنا، الميليشيات) تفرض أيديولوجيتها، وكذلك "أخلاقها". ‬

ما العمل؟‬

التضامن الطبقي هو المسار الوحيد للتغيير الجذري والثوري في المجتمع، ويتم ذلك عبر التضامن ما بين العمال اللبنانيين وغير اللبنانيين، الذكور والإناث، وبين المنضبطين وغير المنضبطين جنسيا وجندريا. لذلك، تكمن أهمية طرح إشكاليات الذكورية، والعنصرية، والوطنية، ومختلف أنواع التمييز التي تُستغَل لتفريق الطبقة العاملة والمنتفضة. على حد قول روزا لوكسمبورغ (1912): "الطبقة البرجوازية تدافع بتعصب وشراسة عن استغلال واستعباد الطبقة العاملة التي تتلقى بطريقة غير مباشرة معاني وجودها الاجتماعي غير المجدي".‬