الشتاء قادم، والربيع أيضاَ‬

نشر في‫:‬الأثنين, تشرين ثاني 9, 2015 - 16:16
تصوير بات سي
الكاتب/ة: تميم عبدو، علي جمول.

"الشتاء قادم"، هذه العبارة لم تعد تقتصر على ما كان يردده نيد ستارك في مسلسل Game of Thrones، لكنها أصبحت تذكرنا بشكل دائم بأنه عندما تأتي الشتوة الأولى، "رح تقلب جد". ‬

فكما يقول الباحث والمحاضر في الجامعة الأميركية قي بيروت، رولان رياشي في حديثه لـ"المنشور" إنه "نظراً للتكون الجيولوجي في لبنان الذي هو بمعظمه من صخور كلسية، ذات قدرة نفاذ عالية، تحتاج عصارة النفايات في فصل الشتاء إلى عدد قليل من الساعات لتصل إلى المياه الجوفية"، ويضيف رياشي أن "هذا لا يقتصر على النفايات التي نراها اليوم في شوارع المدن، إنما أيضاً يشمل العدد الهائل من المكبات العشوائية في المناطق والبلدات وقرب الأنهر، التي تغذي مصادر مياه المدن والبلدات". ويشير رياشي إلى أنه، وبالإضافة للملوثات الجرثومية التي تسبب الأمراض المتناقلة عبر المياه من إسهال وضيق نفس وأمراض جلدية وصولاً إلى الكوليرا، "فإن تسرب عصارة النفايات بما فيها من معادن ثقيلة كالرصاص والزنك والنحاس كفيلة بارتفاعٍ مضطرد في نسبة انتشار السرطانات في المناطق المتضررة، كما تثبت دراسات الأثر الصحي التي أجريت في نابولي (إيطاليا) عقب أزمة تراكم نفايات في شوارعها شبيهة بما نعانيه اليوم في لبنان".‬

ومن المعروف أن المسؤول المباشر عن مراقبة ومتابعة صلاحية المياه والغذاء لضمان سلامة  قاطني هذا البلد، وهو المختبر المركزي في عين التينة، المقفل منذ مدة لأسباب أمنية متعلقة بسلامة "الشخصيات" القاطنة في المنطقة. فتستبدل السلطة سلامة الناس بسلامة الآنف ذكرهم من "الشخصيات". وانسجاما مع خطط الخصخصة،  تتم الاستعاضة عن هذا المختبر بعقود عبثية وغير شفافة مع مختبرات خاصة. فيما أودعت معدات المختبر المركزي في حاوية شحن في مرفأ بيروت ولا ندري أين يداوم موظفوه.‬

تبقى السلطة اليوم مصرّةً، بحسب رياشي، على تجاهل مصالح الناس في صحتهم وبيئتهم في أزمة النفايات التي يشتعل الشارع احتجاجاً عليها وعلى النظام الذي ينتجها، وتبقى أيضاً مصرّة على سياسات الخصخصة وزيادة أرباح الشركات في الحلول غير البيئية والمكلفة اقتصادياً، لكن أزمة النفايات هذه وانعكاساتها على سلامة المياه الجوفية قبيل فصل الشتاء يفتح الباب على مصراعيه على ملفٍ أكثر خطورة وفساداً ألا وهو المياه.‬

فالاستراتيجية الوطنية للمياه، التي تعتبر إحدى أهم الإنجازات المزعومة التي تتبجح بها السلطة بجميع ألوانها، فضلاً عن توجيهات اللجنة النيابية المعنية، فتقوم على استيراد المياه، وتوجيهات لجهة تخفيض استهلاك المياه، وصولا إلى مشاريع السدود الفاشلة، التي لا تخزن المياه نظراَ لأن 70 بالمئة من طبيعة الأرض في لبنان كلسية، ما أثبته الانخفاض الكبير في مستوى المياه في بحيرة القرعون وسد بريصا وسد شبروح الذي تشير الدراسات، بحسب رياشي، أنّ الأخير يسرّب أكثر من 200 ليتر في الثانية.‬

كما لا تأخذ التوصيات٫ ببناء السدود٫ بعين الاعتبار المنطقة الزلزالية التي يقع فيها لبنان، التي تم الحديث مؤخراً عن حركة الصفائح التكتونية فيها، المسببة للفوالق المنتشرة في لبنان من اليمونة إلى روم؛ وبناء هذه السدود المرتفعة - نظراَ لعمق الوديان في لبنان- قد يحرك تلك الصفائح بقدر ما قد يتأثر بحركتها مسببا الكوارث، متجاهلة تماماً أن الوزارة نفسها تساهم بالتحضير للتنقيب عن النفط الذي يساهم أيضاً في زعزعة القشرة الأرضية وزيادة مخاطر الزلازل.‬

كما أن هذه السدود ذات الجدران المرتفعة، يؤكد رياشي٫ لن تجمع مياهاً قياسا إلى تكلفة إنشائها وقياسا إلى ما يجمعه سد أسوان في مصر من مياه بارتفاع أقل بكثير من تلك المقامة والمقترحة في لبنان. ‬

ويضيف رياشي٫ إلى أنه ناهيك عن التدمير الواسع للنظم البيئية والقضاء على التنوع البيولوجي، والقضاء على القيمة الثقافية لمغارة جعيتا التي ستقطع عنها المياه وعن بيروت بسبب سد جنة، وطمر المناطق الأثرية بالمياه كما في سدّي بسري والمسيلحة. وما يزيد من سوء ذلك واقع التغيير المناخي الذي نشهده، إن لناحية انخفاض كمية المتساقطات أو ازدياد درجات الحرارة، يحتّم التوجه نحو اعتماد أجندات الحد من السدود وليس إقامة المزيد منها كما في أجندات مشاريع السلطة!‬

الترويج للسدود على أنه الحلّ لأزمة المياه في لبنان٫ يتجاهل كلياً أن المياه الجوفية تستثمر حالياً على نطاقٍ واسع وبشكل عشوائي٫ الأمر الذي يتوجب إدارة رشيدة لاستخراج المياه الجوفية تكاملا مع الينابيع والمسطحات المائية. وهذا الترويج يتجاهل أن نسبة كبيرة من المياه المنتجة تذهب هدراً في الشبكات، وأن معامل تكرير الصرف الصحي لاستخدامها في الري، التي كلفت هي الأخرى مبالغ ضخمة، لا تعمل حالياً في معظم المناطق. فضلا عن أن النسبة الأكبر من الوظائف العامة في هذا القطاع شاغرة؛ كل ذلك يسببه النظام للمضي قدما في خصخصة قطاع المياه إمّا عن طريق المؤسسات الاستثمارية الحالية في الشمال والجنوب والبقاع وبيروت-جبل لبنان ٫ التي تعمل كل منها بعقد مختلف وبمجلس إدارة خاص بها أو على طريقة "بلو غولد" التي لا تطرح ما هو مختلف عن الاستراتيجية الوطنية للمياه.‬

لكن لا بأس بكل ذلك في الخطاب السياسي اليومي وفي الإعلام المرئي والمسموع المهيمن. فمافيا السدود، كما مافيا النفايات في لبنان قد أسست نفسها اقتصادياً وفكرياً ضمن أحزاب السلطة وأدواتها وعبر الإعلام والأكاديميا التي تروج للسدود وكأنها خشبة الخلاص. تماماَ كما تروّج للمطامر والمحارق كأنها الخلاص لأزمة النفايات، متجاهلةً الحلول البيئية والصحية الأقل كلفة والأكثر استدامة.‬

لقراءة بقية مقالات العدد الخاص بالحراك الشعبي (خريف ٢٠١٥)، أنقر/ي هنا