تأسيس نقابة لعاملات الجنس: تحديات وآفاق

نشر في‫:‬الثلثاء, تشرين اول 27, 2015 - 16:03
الكاتب/ة: مورغان ميرتويل.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

من الصعب اتخاذ قرار صريح بتأسيس نقابة في قطاع لم يكن يتوفر فيه منظمة مشابهة من قبل. بالنسبة للقسم الأكبر، لنقابات اليوم تاريخ (طويل): وليس من النادر أن ينضم العمال إلى النقابة، لكنه كذلك بالنسبة إليهم (جميعهم) عند المشاركة في تأسيس نقابة. وهذا الأمر بالغ الصعوبة خاصة أن العمل بحد ذاته ليس قانونيا بشكل كامل؛ حيث أغلب العاملات هن مهاجرات، وضمن أوضاع غير مستقرة للغاية، بحيث يتم اعتقالهن بصورة مستمرة وترحيلهن؛ أما على المستوى القانوني، فتزداد جرائم العنف والاستغلال بحقهن، أما من كان متوقع منه/ا أن يظهر دعمه لا يـ(تـ)ـلبث يناضل من أجل تجريم هذا العمل، كأن كل ما سلف ليس كافيا.

على الرغم من كل هذه الصعوبات، قبلت عاملات الجنس بهذا التحدي في عدة دول. في الوقت الحالي، تشكل نقابات عاملات الجنس وسائل للنضال الاجتماعي والسياسي، مثيرة مجموعة متنوعة من القضايا، مثل تحرر المرأة ومناهضة العنصرية، وإعادة تعريف العمل ومحاربة الاستغلال.

في فرنسا، تأسست نقابة العمل الجنسي عام 2009. وعلى الرغم من الانتقادات القاسية، أصبح صوتها قويا خلال المناقشات حول العمل الجنسي- قوتها يأتي من قدرتها على الربط بين الصراعات التي تواجهها عاملات الجنس والنضال من أجل حقوقهن.

إعادة تحديد الدعارة كعمل جنسي: قضايا نظرية

جرت عدة ثورات لعاملات الجنس عبر مر التاريخ، ولكن من المعترف به أن حركة عاملات الجنس "الحديثة" تعود إلى عام 1975 في فرنسا، عندما احتلت امرأة في ليون كنيسة سان نيزيه. كانت المرأة تعترض على الاعتقالات اليومية بسبب وقوفهن على الطرقات، وبسبب ارتكاب العديد من جرائم القتل بحقهن دون ملاحقة قضائية وأمنية للمجرمين. احتلال عاملات الجنس للكنائس امتد إلى عدة مدن أخرى، ليس فقط في فرنسا ولكن أيضا في انكلترا، حيث جرى تأسيس التعاونية الانكليزية لعاملات الجنس. وخلال السنوات اللاحقة، وفي مواجهة وباء الإيدز، تحركت عاملات الجنس ضمن نشاطات للتعلم بشكل فعال طريقة حماية أنفسهن من هذا التهديد الجديد.

عام 2002، عين نيكولا ساركوزي وزيرا لخارجية فرنسا الأمر الذي أعطى بعدا ديناميكيا للحركة: حيث طرح القانون الذي قدمه عام 2003 بشأن الأمن الداخلي جريمة الإغراء "السلبي"، الذي ليس أقل من تجريم العمل الجنسي في الشوارع. هذا القانون، الذي بقي نافذا إلى يومنا هذا، أجبر عاملات الجنس على العمل في ظروف أكثر عزلة، حيث يتعرضن إلى المزيد من العنف وانعدام الاستقرار والمخاطر الصحية. كما جرى استخدامه كأداة فعالة جدا ضد الهجرة، وإضفاء الشرعية لاعتقال وترحيل عاملات الجنس المهاجرات.

في هذا السياق تحركت عاملات الجنس نحو العمل السياسي. وقد بدأن في تنظيم أنفسهن، وعقدن الاجتماعات السنوية وورشات العمل، حيث عرضن العديد من القضايا التي يواجهنها. في نهاية الأمر، قررن إنشاء بناء منظمة مستقلة خاصة بهن من أجل إسماع أصواتهن، ولمحاولة التدخل في المناقشات السياسية التي تهمهن وشجعن زميلاتهن للقيام بالأمر عينه، وتزويدهن بالمهارات اللازمة للانخراط في النضال. بالطبع ثمة العديد من المنظمات الصغيرة الموجودة بالفعل، ولكن هذه المرة أثير داخل المنظمة الجديدة التالي: أرادت عاملات الجنس تنظيم أنفسهن كعاملات ضمن نقابة. هذه المقاربة كان من شأنها السماح لهن أن يتم تسليط الضوء على القضايا التي تهمهن.

إعادة تحديد مسألة "الدعارة" كعمل (جنسي) ليست بالأمر الجديد. وهو ما أشارت إليه عاملة الجنس والناشطة، كارول ليغ، التي ابتكرت عبارة "عمل جنسي" خلال ورشة عمل في سان فرانسيسكو عام 1978. كذلك قامت النسويات الماركسيات، خاصة أولئك الملتزمات في حركة الأجور لعاملات المنازل خلال السبعينيات، ببناء الإطار النظري اعتبرن خلاله العمل الجنسي جزءا من العمل المنتج، وقرأن العمل الجنسي كشكل سلعي من العمل- وهو عمل تؤديه ربات المنازل مجانا. حين نتحدث عن "النساء العاهرات" كما تفعل العديد من النسويات المناهضة للعمل الجنسي، فإن ذلك يؤدي إلى تصنيف النساء اللواتي يبعن خدمات جنسية على حدة من أولئك اللواتي لا يقمن بذلك، الكلام عن العمل الجنسي لا يعني الفصل بين المرأة "الجيدة" والشريفة" عن تلك "السيئة" و"الساقطة" و"القابلة للشراء". وهذا يسمح في بناء تضامن بين النساء من أجل محاربة الاستغلال الذي يواجهنه في جميع جوانب حياتهن.

ضمن هذا المنظور طورت نقابة العمل الجنسي، حيث الحديث عن العمل الجنسي لا يعني فقط إزالة وصمة العار التي تحيط بالعمل الجنسي- وهي وصمة تطال كل النساء- ولكن أيضا تسليط الضوء على العوامل السياسية والاقتصادية التي تسبب بالاستغلال والعنف الذي تتعرض له عاملات الجنس. في الواقع، عندما يتم استخدام هذا الاستغلال والعنف من جانب واضعي السياسات لتشريع القوانين القمعية للعمل الجنسي الجديدة، فمن الضروري أن نذكر أن ظروف العمل هذه تتعزز في الواقع ضمن سياق قمعي وتهميشي، ضد العاملات اللواتي يجب أن يتوفر لهن القدرة على تنظيم أنفسهن من أجل النضال لتحررهن.

إنشاء نقابة من نقطة الصفر: قضايا عملية

إنه لتحدٍ عملية إنشاء أي نقابة؛ والبدء بإنشاء نقابة عاملات الجنس هو أمر مختلف تماما. أولا، لأن العمل الجنسي نصف قانوني، والوصول إلى العاملات في هذا المجال ليس سهلا أبدا. في فرنسا، كما في بقية دول أوروبا، لا يسمح لعاملات الجنس المشاركة ضمن مكان عمل واحد، وحتى عندما يفعلن ذلك- في بيوت العمل الجنسي "غير الشرعية" كالسونا ومراكز التدليك…- يصبح تنظيمهن أمرا صعبا، لأنه ينطوي على جذب الانتباه لعملهن، وكشف "الأنشطة غير المشروعة" التي تجري، وبالتالي المخاطرة بإمكانية إغلاق مراكز عملهن. وهذا ليس بالطبع حلا للعاملات بوجه ظروف العمل التي يواجهنها. بالإضافة إلى ذلك، كما هو الحال مع الكثير من أنواع العمل المحفوفة بالمخاطر، بالنسبة للكثير من عاملات الجنس إن عملهن هذا هو مؤقت، وهو تصرف قد يتخذه العديد من العمال/ات، في كل الصناعات، وقد يحجمهم/ن ذلك عن المشاركة في النضال من أجل ظروف عمل أفضل.

وبسبب وصمة العار، والخوف من التحدث علنا في مجال العمل الجنسي، وبسبب مواجهتهن لمشاكل في حياتهن الشخصية والاجتماعية بسبب ذلك، وهذا أيضا يشكل عقبة إضافية أمام تنظيم عاملات الجنس. وصم كهذا جاء كسبب من أسباب أخرى يصنف عاملات الجنس في كثير من الأحيان بحسب تجاربهن السيئة في عملهن: لأن "العاهرات" غالبا ما يتم وصمهن بأنهن أغراض سلبية، خاضعات لرغبات الرجال، عدم قدرتهن على المساومة، العديد منهن، من ضمنهن أولئك اللواتي يمارسن العمل الجنسي، لا يعلمن بمهارات من شأنها الحد أو تجنب الأضرار التي يمكن أن تنتج عن عملهن. ونظرا لأن العمل "غير قانوني" فلا يمكن تقديم النصح والمشورة لعاملات الجنس- وهو ما يمكن اعتباره تشجيعا على ممارسة "البغاء"، وبكلمة أخرى "القوادة"- فمن الصعب رفع مستوى الوعي.

ديناميات القوة ليست قضية بين عاملات الجنس أو من هم/ن خارج هذه المهنة، إنما بين عاملات الجنس أنفسهن. الحركة المناهضة للعمل الجنسي تغذي الانقسامات عندما تدعي أنها تعمل لمصلحة ضحايا الاتجار من حيث أنها تسعى إلى تجريم المهنة. وكنتيجة لحملتهن، يتم اتهام كل عاملات الجنس المهاجرات، من قبل بعض عاملات الجنس، بأنهن جزء من "شبكة إجرامية"، ولا يعرفن "قواعد العمل"، أو يسببن انخفاضا بالأسعار. يظهر هذا الميل الانقسامي أيضا بعض خطابات "مؤيدة للجنس" أو "الجنس الإيجابي" التي تصر على مسألة "الحرية الجنسية": مثل هذا الخطاب يتجاهل تجربة أولئك اللواتي يشكل العمل الجنسي صدمة أو خبرة استغلالية، وبالتالي لا يمكن التعرف على أنفسهن وفق هذه المقاربة.

والحال هو كذلك، لأن الكثيرات من عاملات الجنس يعملن بشكل مستقل، وبسبب عدم استقرار عملهن ضمن العمل الجنسي، وبسبب المنافسة الاقتصادية بين العاملين/ات في الجنس أيضا. لذا إن وجود نقابة كمكان يمكن للأشخاص، من ضمنهن أشخاص من قطاعات مختلفة، حيث يمكنهن الالتقاء في مكان واحد لأول مرة (عاملات الشوارع والمرافقات)، وكان لذلك نتائج إيجابية للغاية، حيث يمكن لعاملات الجنس ممارسة التضامن بدلا من عدم الثقة تجاه زميلاتهن.

على الرغم من هذه الصعوبات، فإن العديد، ليس فقط ضمن العمل الجنسي، من النقابات تعمل وفق النهج نفسه. فأغلب النشاطات تقوم على توعية عاملات الجنس على حقوقهن، وذلك لمساعدة أنفسهن ضد العديد من الانتهاكات التي يتعرضن لها، سواء من الشرطة أو أطراف ثالثة؛ فضلا عن متابعتهن خلال مواجهتهن لقضايا إدارية أو جزائية. والنضال معهن من أجل المزيد من الحقوق. خلال القيام بذلك، تمكنا من الوصول إلى حالة من التنظيم الذاتي، داخل أو خارج النقابة، عبر بناء التنظيمات الخاصة بهن- على سبيل المثال، أنشأت عاملات الجنس الصينيات منظمة مستقلة خاصة بهن- فضلا عن تبادل المعلومات من أجل الاستجابة السريعة والفعالة عند حصول الاعتقالات والمداهمات، أو العنف على يد زبون.

جزء أساسي آخر من عمل نقابة ضمن العمل الجنسي هو أن تناضل ضد القوانين القمعية من خلال المشاركة في النقاشات السياسية لإسماع أصواتنا.

انتزاع حقوق عاملات الجنس: مسألة سياسية

بمجرد استعادة كل القضايا المثارة هنا- العمل الجنسي هو عمل منتج، والتنظيم والقيود المفروضة على العمل الجنسي، والنضال من أجل حقوق عاملات الجنس- يصبح من الواضح أن العمل في مجال الجنس يستحق اهتماما أكبر ومختلفا عن ذلك الذي يقدم خلال المناقشات حول احصاءات "المتاجر بهن" و"الحرات" من بين عاملات الجنس. وسيكون مفيدا النظر في التنظيم، أو التجريم للعمل الجنسي، في سياق الرأسمالية المعولمة النيوليبرالية حيث يتزايد التمييز على أساس جندري أو عنصري.

إذا حللنا العمل الجنسي في علاقته، على سبيل المثال، بوضع المرأة الأخرى المشاركة في العمل المنتجة، سواء كانت ربة منزل أو عاملة منزل، فإن تجريم ووصم عاملات الجنس يمكن أن يُقرَأ باعتبارهن يشكلن جيش احتياط للعمل المنتج، عبر ضمانة تأمين العمالة الرخيصة (أو حتى المجانية)، أو من خلال التهديد الجاثم على صدور النساء اللواتي يرفضن شروط العمل أو عقد الزواج. وفق هذه المقاربة، يصبح من الواضح أن النضال ضد الوصم بالعهر، وهو لا يضر فقط النساء اللواتي يكسبن عيشهن "دون نزاهة"، ولكن أيضا أولئك اللواتي لا يطعن قواعد البطريركية المفروضة على جنسانية المرأة، كل ذلك يجب أن يكون من أولويات الأجندة النسوية.

ومع ذلك، فإن العديد من النسويات يشجعن على المزيد من التجريم وربما يعتقدن أن تحرير المرأة لا يمكن أن يتم إلا عن طريق القوانين القمعية. وهن يزعمن، أنهن لا يستهدفن عاملات الجنس، إنما الزبائن أو القوادين؛ ولكن عندما يطرد المالك المستأجرة من منزلها لأنها عاملة جنس، لأنه يخاف من الاعتقال بتهمة القوادة، وهنا نسأل كيف يمكن لمثل هذا التجريم أن يساهم في تحرير المرأة؟ بالإضافة إلى ذلك، كيف يمكن بحسب تلك النسويات التمييز بين الزبائن أو القوادين دون زيادة الرقابة على النساء أنفسهن؟ كما تجدر الإشارة هنا إلى أن غالبية عاملات الجنس في شمال الكرة الأرضية، وكذلك غالبية الأشخاص العاملين/ات فيها، ليسوا بيضا، وبالتالي فإن مكافحة الدعارة في الكثير من الأحيان تساهم في زيادة التحكم بالهجرة والمراقبة الممنهجة وسجن السكان من غير البيض.

هذه الخطابات المجرِّمة للعمل الجنسي تميل إلى فردنة وأصلنة وضع العمل الجنسي- التركيز على العمل الجنسي واعتباره عنفا ضد المرأة- المقاربة النقابية يجب أن تسعى في هذه الحالة إلى إعادة تعريف هذه الحالة، من أجل فهم الديناميات التي تتضمنه. قضية العنف ضد عاملات الجنس، وكذلك "الاتجار"، لا يمكن أن تفهم من دون الأخذ بعين الاعتبار ما يجعل ذلك محتملا ويديمه كذلك. وعلى ما يبدو، من السذاجة السؤال عن تدخل الدولة ضد المتاجرين، دون التشكيك بالقيود المفروضة على الهجرة التي تدفع بالكثير من النساء في العالم الثالث إلى اقتراض أموال ضخمة من أجل الهجرة.

في العديد من دول العالم، تتلقى عاملات الجنس دعما من (أقلية) المنظمات النسوية والم.م.م.م.، وهذا أمر مشجع للغاية. وليس من قبيل المصادفة، لأن العمل الجنسي يشمل الجنس، وأن تلقى عاملات الجنس دعما من حملات الحريات الجنسية. ومع ذلك، كما أن العمل الجنسي يتطلب جنسا، فإنه، وعلى وجه الخصوص يتضمن عملا.

وبالتالي إنه من المؤسف جدا أن أجزاء واسعة من اليسار يشارك في حملات لزيادة تجريم العمل الجنسي، نيابة عن العاملات حيث أغلبهن لا يعلمن شيئا، ونافيا (هذا اليسار) عن عاملات الجنس حقوقهن كعاملات، بشكل يدل على قصور في التنظير لعمل المرأة، وبشكل أعم، تحرر المرأة.

الاندماج النادر لعاملات الجنس في النقابات العمالية، يستمر بأن يكون مصدر إلهام لعاملات الجنس هنا. وهن لا يطلبن الإذن للمشاركة في الصراع الطبقي لأنهن بالفعل جزء لا يتجزأ منه.

النص باللغة الانكليزية: salvage