في نقد موقف الإشتراكيين الثوريين من حركة الإخوان المسلمين

نشر في‫:‬الجمعة, آب 14, 2015 - 23:28
الكاتب/ة: باسل ف. صالح.

نشر المكتب السياسي لحركة "الاشتراكيين الثوريين (مصر)"، بياناً سياسياً بعنوان "مرة أخرى حول الإرهاب والأصطفاف الوطني" يتهم فيه كل من يقف في الوسط في المعركة المحتدمة بين نظام الديكتاتورية العسكرية المتمثلة بالرئيس السيسي ونظامه من جهة، وبين حركة الإخوان المسلمين من جهة ثانية، بأنه يقف ضمنياً مع النظام العسكري، وإن لم يقل ذلك علناً. 

ففي البيان إياه، ترد الفقرة التالية، لتعبّر وبشكلٍ واضح، عن المنطق الذي يستخدمه الإشتراكيون الثوريون الذي يتماهى مع منطق الديكتاتورية العسكرية المصرية "إما معي وإما مع الارهاب"، وإن بشكل مختلف، فتؤكد، وبنفس المنهجية، أن المعادلة هي "إما مع موقف الاشتراكيين الثوريين وإما مع النظام": "ولكن هناك من يقف في منتصف الطريق. يرفض الثورة المضادة بنفس درجة رفضه للإخوان. أي يعتبر أننا أمام فصيلين من الثورة المضادة. فصيل عسكري مباركي مرفوض وفصيل إخواني إسلامي مرفوض. ويحاول هؤلاء أن يبقوا على مسافة واحدة من الفصيلين المتحاربين متصورين أن بإمكانهم تجاهل كل هذه المعارك والعمل على بناء بديل ثالث يعارض بنفس الدرجة قمع وسياسات النظام العسكري وكل ما تقوم به المعارضة الإسلامية وهنا بالطبع يتم المزج بين مختلف الحركات الإسلامية ومختلف أشكال معارضتها، عنيفة كانت أو سلمية. يصبح الإرهاب الدموي في سيناء ومظاهرة سلمية في ناهيا مجرد تنويعات مختلفة لثورة مضادة إسلامية ظلامية لا تقل خطورة وسوء عن الديكتاتورية العسكرية القائمة... هذا الطريق الثالث بالطبع معارض على المستوى الشكلي ولكنه على المستوى العملي والضمني فهو داعم للنظام العسكري".

لكن الأمر لم يقف عند هذا المستوى، بل يرد في بيان "الثورة المضادة والإسلاميين... دعوة لفتح النقاش"، في الفقرة الأولى منه، وفي تناقض صارخ مع ما ورد في البيان الأول، أن "1- البيان لم يطرح أن محاولة بناء طريق ثالث معادي للديكتاتورية، ومنفصل ومستقل عن الإخوان وأتباعهم، هو بأي شكل من الأشكال تأييد ضمني للديكتاتورية. بل أننا كتنظيم شاركنا في كل المحاولات التي طرحت لبناء مثل هذا البديل الثالث (من المحاولات الأولى للميدان الثالث وحتى جبهة ثوار). فمن العبث إذاً أن نتهم اليوم من حاول أو يحاول بناء ذلك الطريق أو البديل الثالث بمهادنة أو مساندة الديكتاتورية العسكرية. ربما لم تُشرح هذه النقطة بالشكل الكافي في ذلك البيان القصير وربما أراد البعض تفسيره على هذا النحو". 

وفي سياق الرد، بين هذا وذاك، لا يكتفي أعضاء المكتب السياسي للاشتراكيين الثوريين بالوقوف عند هذا المستوى من التناقض، بل يمتد الأمر لمزيد منه، وإن بشكل أقل حدية، وإن بشكل يحاول أن يكسب في الشارع تعاطف القواعد الشعبية لحركة الأخوان المسلمين، لكن من منطلق موقعهم إياه وليس من موقع طبقي أيديولوجي مختلف يحيل البديل إلى طرح سياسي اجتماعي اقتصادي مختلف. إلا أن المكتب السياسي لا يقف عند هذا المستوى بل يعود ليقرر في الفقرة الثانية من البيان الثاني نفسه أن "2- البيان يطرح أن من يقف في منتصف الطريق بين العسكر والإخوان، أي من يعتبرهما على نفس الدرجة من الخطورة ويساوي في العداء تجاههما، بمنطق أنهما وجهان لعملة واحدة أو جناحين من نفس الثورة المضادة، من يتبنى هذا الطرح ويدعي على هذا الأساس بناء طريق ثالث فهو ضمنياً يساعد ويساند الديكتاتورية العسكرية". ما يحيل البيانين، الأول والثاني، إلى سلسلة من تناقضات مصبوغة على شكل موقف سياسي هش، يحاول التنظيم من خلاله صياغة تحالف يتعارض مع القناعات الثورية والمنطلقات النظرية والفكرية والطبقية والايديولوجية التي ينطلق منها. 

فمن ناحية أولى، يتعارض الموقف أعلاه مع مبدأ عدم الفصل بين النضالين الوطني والاجتماعي. ومن ناحية ثانية، يتعارض التحالف مع البرجوازية الصغيرة التي تعبر عنها ايديولوجيا الاخوان المسلمين مع مصالح الطبقات الكادحة التي من المفترض أن تعبّر عنها التنظيمات الاشتراكية الثورية. وهو ما يظهر أن الرفاق الاشتراكيين الثوريين يحاولون الكتابة من أجل تخريج موقف سياسي، بعد بنائه على أشكالٍ مختلفة من المواقف المتعارضة، والتي تستحيل إلى قراءة تبريرية تظهر في الفقرة الثالثة عندما يبدأ الكلام عن التناقضات الرئيسية والأخرى الثانوية التي تحكم الصراع السياسي – الطبقي في مرحلة من المراحل. فإن شددت الفقرة على اللغة قديمة، كما يصفها المكتب السياسي للحركة بهدف توضيح الكلام أكثر، على اعتبار أن التناقض الرئيسي في هذه المرحلة هو الموقف من النظام نفسه، وأن هذا الموقف يحدد آلية بناء التحالفات، وإن بشكل خجول ومضمر. وكأن الموقف السياسي ينبني أساساً على رفض ما يجب رفضه الآن، وأن يترك المجال أمام ما تم رفضه سابقاً عندما هيمن الإخوان المسلمون على السلطة وعلى كل مفاصل الحكم بشكل فاشي، كان من نتائجه أن تم ربط السلطات بأكملها بيد الرئيس محمد مرسي، في تجربة هي الأولى من نوعها بعد تجربة الفراعنة في الحكم في غابر الزمان، وفي آلية تتعارض مع أبسط مبادئ الديموقراطية البرجوازية، إن لم نرد أن نكبر الحجر أكثر لنتكلم عن الديموقراطية الشعبية المباشرة. 

وهذا ما يتعارض أيضاً مع الفقرة 9، التي تقول: "نحن نرفض بالطبع ذلك التحليل الذي يبدو أنه أصبح مهيمناً لدى الكثيرين (يا فرحة رفعت السعيد) والذي يصف الحركة الإسلامية عموما وبما فيها الإخوان المسلمين كحركة فاشية. أولاً لفرق السياق التاريخي والاجتماعي والسياسي. فالفاشية مصطلح استخدم لوصف حركات ظهرت ونمت سريعاً في بلدان مثل ألمانيا وإيطاليا في عشرينات وثلاثينات القرن الماضي، بعد فشل موجة من الثورات العمالية. استغلت تلك الحركات حالة الذعر لدى قطاعات واسعة من الطبقة الوسطى حول خطورة الثورة وأنها لم تؤدِ إلا للفوضى وحول ضرورة قمع الحركات الثورية وبالذات العمالية. (في واقع الأمر وعلى المستوى الشكلي، فنظام السيسي والتعبئة التي قام بها أقرب كثيراً للفاشية التاريخية من الحركة الإسلامية والإخوان". فنسأل بدورنا: ما الفارق بين الأولى والثانية؟ ألم تقم حركة الإخوان المسلمين بمحاولة شيطنة كل ما يدعو إلى الثورة عليها، وفي سياق يعكس أن سلطتها هي السلطة، وهدفها هو هدف الثورة؟ ألا يعبّر تنظيم الإخوان المسلمين عن الطبقة الوسطى وأيديولوجيتها في مصر؟ ألم يحاول تنظيم الإخوان المسلمين إظهار أن أي طرح ثوري، أو لنقل إن مفهوم "الثورة الدائمة" يهدف إلى الفوضى، وأنه لا بد للسطة الجديدة، المتمثلة بالرئيس محمد مرسي، من قمع التظاهرات التي تنادي بإسقاطها بوصفها ثورة مضادة لا تعبّر عن مطالب الشعب المصري الذي ثار في يناير؟ فالفارق بين الأولى والثانية، أي بين أيديولوجية السيسي ومن يمثلّه، وأيديولوجية الإخوان المسلمين، هو فارق بين من يعبّر عن ايديولوجية نيو ليبرالية قائمة على ديكتاتورية عسكرية، وبين ايديولوجية برجوازية صغيرة تحاول أن تصل إلى السلطة بأي شكل من الأشكال، وأن تنطق بإسم صغار الملاّك بأيديولوجية مأزومة بالضرورة. كل هذا يرد في البيانين لتبرير ما يمكن تبريره، في طرح يحاول بشتى الوسائل التغلغل وفق منطق الأولويات السلطوي، والمعارض بالتمام والكمال للثورة كما نفهمها كاشتراكيين ثوريين، بمعنى أنها طرح ثوري تغييري. 

أما بعد، فيذهب المكتب السياسي للإشتراكيين الثوريين في الفقرات اللاحقة من البيان الثاني ليقول: "4- هذا لا يعني على الإطلاق أننا نطرح اليوم ضرورة أو إمكانية أو صحة التحالف مع الإخوان المسلمين. بل أنه على أي كيان ثوري أن يوضح بما لا يدعو للشك أن معركته اليوم هي في مواجهة الديكتاتورية العسكرية الحاكمة. هذا بشكل مستقل تماماً عن الإخوان المسلمين، وواعي تماماً لطبيعتهم غير الثورية بل ولخيانتهم التاريخية للثورة المصرية والتي سبقت مباشرةً خيانة غالبية الناصريين والليبراليين واليساريين للثورة في المرحلة التالية"، لا بل يضيف في الفقرة اللاحقة "5- صحيح أن الإخوان خانوا الثورة المصرية فور سقوط حسني مبارك بالتحالف المباشر مع المجلس الأعلى للقوات المسلحة، وصحيح أن الإخوان عندما وصلوا للسلطة، ولو شكلياً من خلال الانتخابات خانوا آمال ومطالب الجماهير ومطالب الثورة بل وأنقذوا نفس النظام بأجهزته الأمنية الذي يقوم بذبحهم الآن". ولا ينتهي الأمر عند هذا الحد، بل يضاف إلى ما سبق صحيح ثالث يقول "6- صحيح أيضاً، لمن لا يريد أن يتذكر، أن الاشتراكيين الثوريين ظلوا في مقدمة صفوف المعارضة لمرسي والإخوان طوال سنة رئاسته وشاركوا في كافة الفعاليات المناهضة للإخوان وللفلول والعسكر في نفس الوقت". وعليه، فإن موقف الإشتراكيين الثوريين من حركة الأخوان المسلمين غير واضح البتة. فبمجرد قراءة ما ورد في البيانين عموماً، وفي البيان الثاني خصوصاً، وفي الفقرات الواردة أعلاه، تطرح الحركة نفسها مدى كارثية طرح الاخوان المسلمين، لتعود وتؤكد على ضرورة تكريس المعركة مع النظام القائم بحيث يصبح أي طرح معارض للطرحين السابقين، أي طرح الإخوان وطرح السلطة العسكرية، هو طرح يصبّ ضمنياً، عند السلطة المتمثلة بالعسكر، وهو ما يستدعي قراءة نظرية أكثر عمقاً للبيان بأكمله، ويرفع النقاش إلى مستوى آخر، مستوى النظرية الثورية نفسها، والتي من المفترض أن يبرع فيها أعضاء المكتب السياسي للاشتراكيين الثوريين أنفسهم، وهو ما يستدعي، أيضاً، التفريق الجوهري بين جدليتين يخلط بينهما أعضاء الحركة، أي الجدلية الهيغلية من ناحية والماركسية من ناحية ثانية. 

فعندما يبدأ الكلام عن الطريق الثالث المعارض لطرح الإخوان المسلمين وطرح الديكتاتورية العسكرية، ينبني موقف الاشتراكيين الثوريين على منطقٍ هيغليٍ ينظر إلى المعادلة بين الفريقين إنطلاقاً من قاعدة واحدة، قاعدة التماثل، فيقيس بينهما على اعتبار أن الطرح الثالث عليه أن يأخذ موقفاً مختلفاً من الطرفين، وإن كان على قاعدة واحدة، وأن يقارن بينهما وفق قاعدة مادية واحدة، دون أن يعني ذلك بالنسبة إليهم أن الطرح الثالث لا يعني جمع الطرفين فقط كما هما بالضرورة، ولا يعني أيضاً أن الطرح الثالث، البديل الثوري الفعلي، المبني على قاعدة مادية طبقية، لا يعني أن طرحه هو مجرد صلة وصل تأخذ ايجابيات الطرفين لتبني منهما موقفاً يتخطى الطرفين. بل تبتعد القيادة عن الموقف الماركسي الجدلي الذي يعني أولاً، وقبل أي شيء، أن الطرح الثالث المبني على قاعدة التناقض المادي هو موقف ينسف الطرحين السابقين جملة وتفصيلاً، ويؤسس بناءه على أرضية مختلفة بالتمام والكمال، أي على أرضية التناقض الجوهري الذي يحيل الطرفين السابقين إلى ايديولوجيات طبقية تتعارض بالضرورة مع الايديولوجية الطبقية للكادحين والمضطهدين من النظام. وهو ما أدى إلى أن يكون موقف الاشتراكيين الثوريين من الأخوان قائم على قاعدة أرضية الإخوان نفسها، ويكون موقفهم من نظام السيسي مبني على قاعدة أرضية الإخوان أيضاً، أي على قاعدة البرجوازية الصغيرة التي تطمح أن تكون كبيرة، وليس على قاعدة الطبقة التي تطمح إلى بناء الاشتراكية. أي، وبكلام أخر، يبني الاشتراكيون الثوريون موقفهم ليس على قاعدتهم الماركسية، بل على قاعدة موقف الإخوان المتناقض طبقياً مع طرحنا كاشتراكيين ثوريين، لا بل يذهب أبعد من ذلك ليقع في أزمة أخطر وهي أنه، يقيم تحالفاً خجولاً – دون التورط في تسميته تحالفاً – مع الاخوان المسلمين على قاعدة موقفهم هم وليس على قاعدة موقفه الطبقي الثوري النقيض، ما يعني أن التحالف بقيادة الاخوان المسلمين انفسهم وليس بقيادة الاشتراكيين الثورين. 

لكن وبالعودة إلى البيان، يظهر الطابع التبريري لهذا الموقف في الفقرة 15. فبعد أن تمر الفقرة 14 التي تعتبر أن حركة الإخوان المسلمين ليست حركة إصلاحية بمفاهيم "الغرب الرأسمالي" نظراً لاختلاف السياق التاريخي بين الأولى والثانية، تأتي الفقرة 15 لتقول: "ولكن بعض صفات الحركات الإصلاحية تنطبق على حركة مثل الإخوان المسلمين. فالتكوين الاجتماعي للحركة، بما في ذلك غالبية قياداتها، من الطبقة الوسطى المتعلمة، وهي طبقة مهيمنة أيديولوجياً على قطاعات واسعة ليس فقط من الشرائح المختلفة للطبقة الوسطى ولكن أيضاً، ومن خلال العمل الخيري على قطاعات لا يستهان بها من الفقراء والطبقة العاملة. وفي ذات الوقت تبلور تواجد لا يستهان به لذلك التنظيم الجماهيري في أوساط البرجوازية التجارية وإن كان تمثيلها في البرجوازية الكبيرة في مصر هامشياً". وهو ما يظهر أن الموقف من الإخوان يشوبه قلق كبير، فالإشتراكيين الثوريين لا يتبنون الموقف الأيديولوجي لحركة الإخوان المسلمين، لكنهم، وفي نفس الوقت، يريدون أن يدخلوا إلى القطاعات التي يهيمن عليها تنظيم الإخوان، وأن يخلقوا آلية تواصل مع جماهيرها، لكن، ومن جديد، على أرضية أيديولوجية الإخوان نفسها، وليس على أرضية أيديولوجية الاشتراكيين الثوريين. على اعتبار أن العمل الجماهيري، يسقط على الجماهير الشعبية، والطبقات الكادحة، من خلال الأيديولوجية التي تهيمن عليها، وليس من خلال الموقف المادي والموضع الطبقي الفعلي الذي تنتمي إليه. وهو مأزق جديد يقع فيه "الإشتراكيون الثوريون"، ويظهرهم كطرف تابع في هذه المعادلة، وليس كطرف يختلف بالضرورة عن الإخوان وعن السلطة النيوليبرالية وعلى رأسها حكم العسكر. وهذا ما تؤكد عليه الفقرة 17، والتي تظهر الطابع المتذبذب لحركة الإخوان المسلمين لأنها "حركة بالتأكيد غير ثورية وغير قادرة على التعبئة الثورية بل تخاف مثل تلك التعبئة، وقي ذات الوقت يدفعها تكوينها الاجتماعي أن تشارك في معارضة النظام، ليس فقط حول الأجندات الرجعية للطبقة الوسطى التقليدية بل أيضاً حول قضايا مثل الديمقراطية والفساد والاستبداد والظلم الاجتماعي وإن كان بلغة ومفردات مبهمة. والإبهام هنا يأتي كنتيجة منطقية لمحاولة التعبير عن كيان متناقض على المستوى الطبقي". وهنا تأخذ المشكلة طابعاً مختلفاً، حيث يتناسى الإشتراكيون الثوريون أن مأزق أيديولوجية الطبقة الوسطى هو هذا التذبذب بالتحديد، لأنها تحاول أن تنال ما يفقدها إياه هذا النظام من جهة، وأن تحافظ على ما كسبته من هذا النظام من جهة أخرى. أي أن أيديولوجية هذه الحركة هي بالتحديد أيديولوجية مأزومة، متذبذبة، لأنها أيديولوجية قائمة على أرضية النظام نفسه، وليس على موقع طبقي نقيض تعبّر عنه تنظيمات الفئات الكادحة، أي الإشتراكيون الثوريون أنفسهم، وهو موقع الطبقة العاملة. وهو يظهر أن أيديولوجية الطبقة الوسطى، كأي أيديولوجية برجوازية، تحاول أن تنسج تحالفات مع هذا الطرف أو ذاك بهدف واحد هو هدف السلطة، وليس هدف التغيير الثوري لنمط الإنتاج السائد، لا بل تستدعي، كما أي برجوازية مأزومة تابعة لم تلعب الدور الثوري الفعلي الذي من المفترض أن تلعبه لحظة صدامها مع أيديولوجية الاقطاع السائدة في نمط سابق، بل تنسج تحالفاتها مع جميع الأطراف بهدف الوصول إلى السلطة، وتحارب بها ما دامت بحاجة إليها، وتحاربها عندما يصبح هذا التحالف عبئاً عليها، أي عندما يصل التناقض التناحري بينهما إلى نقطة يصبح فيها هذا التحالف عبئاً ثقيلاً على مصالحها.

وبين هذه وتلك، يرد في البيان الثاني، في الفقرة 11 منه، تمييزاً بين المجموعات اليسارية المختلفة، فيتم الكلام عن تيار يساري، يظهر من خلال وصف حركة الإشتراكيين الثوريين أنه يعبّر خير تعبير عن الأيديولوجية الاشتراكية الثورية أكثر من الإشتراكيين الثوريين أنفسهم، وهو الموقف الذي "يرفض وصف الحركة الإسلامية بالفاشية ولكنه يراها لا تقل خطورة عن الحكم العسكري الذي يمثله السيسي. والفكرة بالنسبة لذلك التيار يمكن تلخيصها كالتالي: إننا بالطبع ضد الديكتاتورية العسكرية، وبالطبع نريد النضال ضدها من أجل أهداف ديمقراطية واجتماعية، أهداف الثورة المصرية في 25 يناير 2011. وبالطبع نرى أن ما يحدث في مصر تحت حكم السيسي هو ثورة مضادة بامتياز، ليس فقط إزاحة للإخوان من المشهد السياسي بل تفكيك وتدمير الثورة المصرية من جذورها. ولكن بسبب خيانة الإخوان المسلمين للثورة وبسبب رجعيتهم وبسبب تبنيهم لنفس سياسات مبارك وبسبب تحالفاتهم مع السلفيين وبسبب طائفيتهم، بسبب كل ذلك، يجب أن تكون معركتنا ضد الديكتاتورية ليس فقط مستقلة عن معركة الإخوان ضد النظام، بل يجب علينا خوض معركتين في آن واحد. ضد ما يمكن تسميتهم جناحي الثورة المضادة: جناح الديكتاتورية العسكرية وجناح الرجعية الدينية ممثلة في تنظيم الإخوان المسلمين وحلفاؤه". 

لا يقف الأمر عند هذا الحد، بل يختلف الاشتراكيون الثوريون في الفقرة 12، وبشدة، مع أصحاب هذا الطرح "حول فهم طبيعة الحركة الإسلامية وحول فهم طبيعة المشهد السياسي الحالي. بل نرى خطورة شديدة في موقفهم هذا تؤدي في نهاية المطاف للاصطفاف الضمني مع الديكتاتورية العسكرية سواء بالعجز والشلل وبالتالي الوقوف كالمتفرج على المعركة، أو القبول بالواقع وانتظار نتيجة المعركة. أي أنه، مع سحق الحركة الإسلامية سيأتي دور المعارضة المدنية ومنها اليسارية في مواجهة الديكتاتورية". ما يستدعي السؤال الضروري وهو: أين يعكس الموقف السابق موقف المتفرج على المعركة؟ هل بالنضال ضد السلطة وضد الإخوان المسلمين الذين ينادون بأيديولوجية الطبقة الوسطى، وبطرح طائفي ذكوري، يكون موقف المتفرّج؟ هل يعني ذلك القبول بالواقع وانتظار النتيجة؟ وهل يعني ذلك، وبالضرورة، انتظار سحق الإخوان المسلمين ليأتي دور المعارضة المدنية ومنها اليسارية لمواجهة الديكتاتورية؟ أي موقف هذا الذي ينبني في الكلام على ما لم يرد في منطق الكلام؟ أي منطق يحكم هذا الطرح غير المنطق "الستاليني" التمرحلي، والذي يصب بالضرورة، إذا ما اعتمدناه، في موقف يبرر التحالف مع "جبهة النصرة" مثلاً، ووفق أيديولوجيتها، في الصراع الدائر مع النظام في سوريا؟ وألا يعني أيضاً التحالف مع حزب الله في لبنان، وعلى القاعدة الأيديولوجية البرجوازية الصغيرة المتمثلة بـ "القومية"، في الصراع ضد الاحتلال الاسرائيلي قبل عام 2000؟ فهل نريد الانتهاء من نظام كارثي لنؤسس لمعركة مع تنظيمات برجوازية صغيرة، طائفية، مذهبية، من ناحية ثانية؟ هلى تنفصل عمليات التحرير عن التحرر الاجتماعي؟ وعليه، فما الذي يميّز بين هذا الموقف وموقف الأحزاب الشيوعية التقليدية في النظر في كل هذه الصراعات؟ أين الموقف النقدي، الموقف الطبقي النقيض، من كل هذه الأنظمة والتنظيمات التسلطية من جهة، ومن الاحتلال والاستعمار من جهة أخرى؟ 

وفي الخلاصة، يظهر الموقف التبرير المتناقض للرفاق الإشتراكيين الثوريين بأبهى حلله. فبعد كل ما ورد أعلاه، ومن أجل المحافظة على القليل المتبقي من الطروحات اليسارية الثورية، يرد في الفقرتين الأخيرتين من البيان الثاني: 

"19- لا يعني كل ما سبق الدعوة للتحالف مع الإخوان المسلمين. ولكنه يعني بالتأكيد الدفاع عن كوادرهم ومؤيديهم من بطش الثورة المضادة. ويعني بالتأكيد الوضوح الدعائي والعملي أن عدو الحركة الثورية في مصر هو النظام العسكري الديكتاتوري الحاكم. ويعني بالتأكيد أننا بحاجة لبناء جبهة ثورية جديدة متجاوزة لفوبيا الإسلاميين ومستعدة لتجاوز هستيريا المجابهة العلمانية الإسلامية المجردة. هدفنا بناء جبهة ثورية واسعة لا تضم الإخوان المسلمين ولكنها منفتحة للعمل المشترك والاصطفاف المشترك مع شباب الإسلاميين الذين يواجهون آلة القمع العسكرية بشكل يومي. ومن غير المطروح ولو للحظة التخلي عن نقدنا المبدئي لمواقف الحركة الإسلامية الرجعية أو المهادنة ولاستقلالية شعاراتنا ومواقفنا وراياتنا وتنظيماتنا. 

20- كل ما سبق هو مجرد دعوة لنقاش الفكرة بكل أبعادها. ليست هجوماً إلا على من خانوا الثورة يساريون كانوا أو إسلاميون. أما لكل من يريد حقاً العمل الشاق والدؤوب والطويل لإسقاط الديكتاتورية العسكرية والعودة لأهداف ثورة يناير، فليس لنا تجاه هؤلاء سوى التقدير والاحترام والرغبة في العمل المشترك. لنتجاوز حالة الاحتقان والإهانات المتبادلة، ولنبدء في النقاش والبناء. فالوقت ليس في صالحنا". 

فنسأل بدورنا مجدداً، ما الذي يعنيه مصطلح "تحالف"؟ وفي هذا لا نريد العودة إلى نقاش المصطلحات والمفاهيم، بل نحاول معرفة ما يقصده الإشتراكيون الثوريون بمفهوم "تحالف"؟ فهل أن التحالف هو مصطلح دون مصاديق واقعية مادية فعلاً؟ وهل أن ما يقال عنه تحالفاً هو تحالف وأن ما لا يقال عنه تحالفاً هو ليس بتحالفٍ؟ وهل أن القول بفصل الدين عن السلطة وعن الدولة لا يعني "علمانية"، بل إن طرح العلمانية لا يكون علمانياً إلا إذا وردت بالإسم؟ لا بل يمكن التساؤل فعلياً عن الضرورة في بناء حركة جبهوية ثورية تتجاوز "فوبيا الإسلاميين ومستعدة لتجاوز هستيريا المجابهة العلمانية الإسلامية المجردة"، فنسأل هل أن المجابهة بين العلمانية والإسلامية هي مجابهة مجردة فعلاً؟ هل أن المجابهة حول الأسس التي تنبني عليها فلسفة النظام البديل هي مجابهة مجردة، وأن الموقف الطبقي هو موقف ينبني فقط على حقوق إجتماعية مضطهدة دون أي حقوق سياسية تؤسس وتتأسس على مفهوم الحريات والمساواة والعدالة؟ ونسأل أيضاً، هل أن المعركة مع الإخوان المسلمين هي معركة فكرية نقدية فقط لا تنبني على أسس طبقية، ما يعني العقم في فهم الصراع في مستواه الأيديولوجي – الاجتماعي – السياسي أيضاً؟ وكيف يمكن أن يكون الصراع فكرياً مع تنظيمات تؤسس للتفاوت على المستويات الاجتماعية، بدءاً من التفاوت الطبقي وصولاً إلى التمييز الجندري وغيرها الكثير؟ وهل أن بعد كل ما ورد بحق من يخالفوننا الرأي، وصولاً إلى اعتبارهم يصبوّن في مصلحة النظام العسكري نفسه، يمكن فتح باب النقاش من أجل الجبهة اليسارية الثورية الموسعة المزعومة؟