الماركسية والأزمة البيئية

نشر في‫:‬الاربعاء, آب 12, 2015 - 13:07
من مسيرة لا للنظام الزبالة | تصوير إليسا شما
الكاتب/ة: جون مولينيو.
ترجمه‫/‬ته الى العربية‫:‬ وليد ضو      
المصدر‫:‬      

‫خلال 10 أو 20 أو 50 سنة، ستواجه الإنسانية أزمة بيئية هائلة كنتيجة للتغير المناخي السريع والفوضوي. بالفعل، إن الأزمة بدأت منذ زمن ويطال تأثيرها أجزاء واسعة من العالم، كاحتمال غرق جزر في المحيط الهادئ، فضلا عن ضحايا الجفاف في السودان.‬

‫غالبا ما يتحدث الناس عن الحاجة لـ"إنقاذ الكوكب" ولكن كوكب الأرض سيستمر أيا يكن هذا التغير المناخي. في الواقع إن الكائنات الحية- الإنسان والحيوان [والنبات]‬- هي التي ستعاني، حيث سيتم القضاء على الملايين ومئات الملايين منها أو حتى أنها تواجه خطر الانقراض.

في مواجهة هذه الأزمة يطرح سؤال أساسي. ما الذي ينبغي القيام به للسيطرة على التغير المناخي واستباق الكارثة؟ في هذا المقال سأناقش، أنه للإجابة عن ذلك نحن بحاجة إلى فهم ماركسي للمجتمع، ولاتخاذ الإجراءات اللازمة نحن بحاجة إلى سياسات اشتراكية.

في المقام الأول، المشكلة ليست علمية أو تقنية. الأساس العلمي لتغير المناخي بسيط، وهو أمر متفق عليه من أغلب العلماء غير الممولين من إكسون موبيل الذين يملكون مصلحة في إنكار ذلك. المسألة تكمن بأن الاحتباس الحراري ناجم عن الزيادة في انبعاث غاز "الدفيئة"، مثل ثاني أوكسيد الكربون، والذي يشكل نوعا من غطاء في الغلاف الجوي ويمنع حرارة الشمس من الوصول إلى الفضاء. وفق المصطلحات العلمية الحل بسيط: تخفيض كبير للكربون وغيرها من انبعاثات غازات الدفيئة.

المسألة الحقيقية، سياسية: لماذا يستمر مجتمعنا، كما هو الحال، في انتاج الغازات المسببة للاحتباس الحراري على مستويات كارثية مرتفعة؟ لماذا لا تتخذ التدابير اللازمة والواضحة لتجنب حدوث كارثة وشيكة: التحول من النفط والغاز والفحم كمصادر رئيسية لانتاج الطاقة إلى اعتماد مصادر طاقة لا تسبب انبعاثا للكربون، مثل الطاقة الريحية، والطاقة الشمسية، وطاقة المد والجزر؛ تخفيض الاعتماد على الكربون الذي ينبعث من السيارات عبر تحسين النقل العام بشكل كبير. وضع برنامج شامل لعزل المنازل.

التحليل الماركسي ضروري لفهم لماذا لا تحصل كل هذه الأمور. أظهر ماركس أن القوة الدافعة للرأسمالية ليست حاجة إنسانية أو بهدف الرعاية الاجتماعية أو حتى نابعة من خيار المستهلك، إنما الحاجة إلى الربح وتراكم رأس المال. وتستند الرأسمالية على المنافسة على كل المستويات- بين المحلات التجارية والسوبرماركتات، بين الشركات الدولية والاقتصادات الوطنية. لا يرتبط الأمر، فقط، بجشع أرباب العمل. هذه المنافسة تجبر كل شركة واقتصاد رأسمالي على المحاولة لتعظيم أرباحها ومراكمته، تحت طائلة الإفلاس أو أن يتم الاستيلاء عليها أو تهميشها. "جمع، وراكم!" هذه هي ’وصية موسى والأنبياء‘… تراكم من أجل التراكم، إنتاج من أجل الانتاج" هذا ما وصف به ماركس القانون الرئيسي للرأسمالية.

بالإضافة إلى ذلك، أوضح ماركس أنه في المجتمعات الرأسمالية لا تخدم الحكومات الشعب كما تدعي، إنما مصالح الطبقة الرأسمالية. وإذا كان من مصلحة الطبقة الرأسمالية في السماح باستمرار ظاهرة الاحتباس الحراري فهذا ما ستستمر الحكومات الرأسمالية على فعله، على الرغم من كل حديثها عن الحل البيئي.

ولكن، بالتأكيد، يناقش بعض الناس، أنه من مصلحة الرأسماليين إيقاف التغير المناخي كما هو الحال بالنسبة لنا. ولكن ثمة ملمحين رئيسيين للنظام يظهران أنه ليس هو الحال، والتحليل الماركسي يشير لكليهما. الأول، هو السيطرة على العالم من خلال عدد قليل من الشركات العملاقة. وأظهر ماركس أن هذا التركز للرأسمال كان نتيجة حتمية للمنافسة. وعلى حد تعبيره "رأسمالي واحد يقتل دائما الكثير"، حتى ملكية رأس المال تتركز في يد عدد أقل أكثر من أي وقت مضى.

يظهر هذا الجدول (راجعـ(ـيـ)ـه ضمن نص جون مولينيو باللغة الانكليزية) أكبر 10 شركات في العالم (بحسب Fortune 500).

وهكذا يمكننا أن نرى أربعا من الشركات الخمسة الأولى وسبعا من الشركات العشرة الأولى هي من الشركات الضخمة في مجال النفط والغاز والسيارات، التي لديها مصلحة مباشرة في انبعاث الكربون. والملمح الثاني، هو المنافسة الدولية بين الدول (باسم الرأسماليين في كل منها). وهذا يعني أن أكبر ملوثي الكربون في العالم- الولايات المتحدة والصين وأوروبا والهند وغيرها- تواجه بعضها البعض كمنافسات ولكل منها مخاوفها أنه بحال تخفيض نسبة الانبعاثات فإنها ستخسر أمام الدولة/الدول المنافسة التي لن تتصرف بالمثل. 

هذا التحليل تم تأكيده من خلال ممارسات باراك أوباما والولايات المتحدة إبان مفاوضات كوبنهاغن حول المناخ عام 2009. وعلى الرغم من أن السيد أوباما، على العكس من بوش، الذي يفهم علم التغير المناخي، قد تدخل شخصيا في كوبنهاغن لعرقلة أي هدف ملزم للحد من انبعاثات الكربون.

التحليل الماركسي للرأسمالي يعتبر أن السبب الرئيسي لتغير المناخ والعقبة الرئيسية أمام الوقاية منه يختلف جذريا عن الآراء التي تنشر في وسائل الإعلام أو يعبر عنها الخضر أو العديد من الناس داخل الحركة البيئية. التحليل الماركسي يرفض الرأي القائل أن القضية مرتبطة بالجشع الفردي والحل بالنسبة لنا جميعا هو "القيام بواجبنا". هذا الأمر لن ينجح لأن موازين القوى داخل المجتمع الرأسمالي غير متكافئة. أيا تكن تضحية الناس العاديين فإنها لن توقف الشركات الكبرى التي تستعمل الوقود الأحفوري.

كذلك، يرفض التحليل الماركسي فكرة أن المشكلة تكمن في الزيادة السكانية. انبعاثات الكربون مترافقة مع التطور الاقتصادي الرأسمالي لا السكاني. الولايات المتحدة تنتج 19،5 طن متري لكل شخص، إيرلندا تنتج 10،6، الصين تنتج 2،6، وإثيوبيا 0،04. محاولة الحد من سكان العالم، سيكون لها، كما دائما، آثارا رجعية وعنصرية، ولن تحل المشكلة المركزية على الاطلاق.

تحديد أن الرأسمالية هي المشكلة يشير أيضا إلى الحل. إذا كانت الشركات الرأسمالية والدول هي مصادر التلوث الرئيسية؛ فالمطلوب هو قوة اجتماعية أقوى من هذه الشركات والدول. الفكرة المحورية للماركسية هي أن هذه القوة موجودة من خلال الطبقة العاملة العالمية.

يعتمد الرأسماليون في كل مكان على العمال وعلى الانتاج والأرباح التي يحققونها. من دون عمل العمال- في المصانع ومراكز الاتصالات والمطارات والقطارات والشاحنات والمحلات التجارية- سيتوقف النظام. في الوقت نفسه، إن تطور الرأسمالية يزيد من حجم الطبقة العاملة- حيث يتزايد عددها في الصين والهند وأفريقيا وأميركا اللاتينية حيث كانت تتألف في السابق من الفلاحين- وتتركز في المدن الكبرى مثل شنغهاي والقاهرة وساو باولو.

لنكن واضحين، ما نتحدث عنه هنا هو القوة الكامنة. لتحقيق هذه القوة، على الطبقة العاملة أن تنشط بأعدادها المليونية وأن تتحد في النضال. هذا الأمر لن يتحقق بسهولة، ولكن لا يوجد أي قوة اجتماعية أخرى لديها مثل هذه الإمكانية.

هناك عدة استنتاجات بعد هذا التحليل:

1. الاشتراكيون الذين يعتمدون في سياستهم على الماركسية يجب أن يشاركوا بقوة في بناء الحركة المناهضة لتغير المناخ، وأن يناقشوا داخلها مواقفهم.

2. أن يعمل الاشتراكيون على رفع مستوى الوعي حول الأسباب الحقيقية لتغير المناخ داخل الحركة العمالية وبين صفوف الطبقة العاملة في كل مكان.

3. النضال ضد تغير المناخ يحتاج إلى أن يتم ربطه مع الأشخاص الذين يناضلون ضد التقشف، وضد المصرفيين، وضد أرباب العمل، والحرب والعنصرية… وفي جميع هذه النضالات، على الاشتراكيين العمل على زيادة الوعي بين صفوف الطبقة العاملة حول ضرورة أن يتولى الناس إدارة المجتمع بأنفسهم.

إن الأمر يتعلق بإمكانية أن تقوم الرأسمالية، نظريا، بحل الأزمة البيئية قبل فوات الأوان. ومن المرجح أنها لن تفعل ذلك. علينا أن نغتنم الفرصة. لأن مستقبل كل الإنسانية يتوقف على ذلك.

المصدر باللغة الانكليزية