أقدام تلهو في الطين

نشر في‫:‬الخميس, نيسان 23, 2015 - 12:00
الكاتب/ة: بشرى دان.

من المنزل، مرورا بالمستودع، وصولا الى الخيمة. هكذا تمضي أيامي في طرابلس. أتنقل بين قاطني تلك الأماكن. أنتظر مع أمهات عودة أولادهم من المعتقلات. ألاحظ الغذاء القليل الذي يحظى به الأطفال. وأحصي أعداد المصابين منهم بسوء التغذية. والأدوية التي تتأخر دائما أو في أغلب الأحيان لا تصل. أسهو في الأقدام التي تلهو في الطين، وفي اليدين التي تصنع من كراتين الإغاثة ألعابا تتسلى بها. 

للأطفال في تلك الأماكن حكايا لا تنتهي، وتجارب ومعاناة تفوق أعمارهم بكثير. أود أن أتشارك معكم تجربتين تركتا أثرا في، مع العلم أنهما لا تجسدان معاناة الأطفال، لأن هناك حالات أقسى بكثير.

أعمل كداعمة نفسية للأطفال، في إحدى المرات، كنت أشرح للأهالي، عن المشاكل النفسية التي من المحتمل ان ترافق الإنسان، لا سيما الأطفال في الحروب واللجوء. في تلك اللحظة رأيته. طفل في العاشرة من عمره. لا يتوقف عن قصقصة المناديل الورقية بطريقة هستيرية. علمت لاحقا أن الطفل حزين لأنه لم يحصل على ثياب العيد كما اعتاد في السابق. الصبي محبط لأنه هنا منذ عامين لم يغادر المستودع منذ وصوله. الرطوبة منتشرة في المكان ورائحة المصارف الصحيّة تكاد تخنقهم. كما أنه لا يتوفر فسحة ليلعب فيها أمام المستودع. وهو يرفض الذهاب إلى المدرسة.  

صبي آخر، تعرفت إليه منذ سنتين، كان عمره آنذاك ست سنوات. كان يعاني من ثلاث مشاكل، العزلة، سوء التغذية وعدم النوم. الطفل استشهد والده في الثورة. احتجت للكثير من الوقت وبعد محاولات عدة باءت بالفشل، نجحت أخيرا في نيل ثقة الطفل. 

طوال سنتين، كان لي معه جلسات أسبوعية للدعم النفسي. في إحدى المرات تأخرت عليه 17 دقيقة، بسبب الأوضاع الأمنية التي كانت وقتها. حين وصلت وجدته في حالة حزن شديد. اعتذرت له عن تأخيري. وبعد مرور بعض الوقت سألني ان كنت أحب لبنان، أجبته بالإيجاب وأخبرته أن السبب هو أن لبنان حضنني بعد سوريا إلا أنه سرعان ما أجاب "أنا لا أحب لبنان، ولا أريد العيش فيه، لن أتخلى عن سوريا، هنا لا أحد يحبنا، لا أستطيع أن ألعب وأشعر دائما بأنني أختنق". أتراه كان يريد إعطائي درسا في الوطنية في لقائنا الأخير؟  

انتقل الطفل إلى البقاع دون إخطاري بذلك. منذ شهرين، التقيت به صدفة في إحدى المشاريع الترفيهية. أخبرني بحماس أنه خلال شهر سيهاجر إلى أوروبا. تساءلت بيني وبين نفسي، إن كان سيجد هناك فسحة يلهو بها. وهل يعقل أن يكره أوروبا كما لبنان؟ وهل سيجد هناك الاستقرار النفسي الذي حرم منه؟

قد تتمكن أوروبا من جعله يحلم من جديد، وربما سيعثر هناك على ذلك الـ"أحد" الذي يحبه. طفل من بين المئات الذين أعرفهم استطاع الهجرة إلا أن البقية ما زالوا في العراء، يتذوقون يوميا بدلا من الطعام، جرعات من الذل. وأثناء ذلك كله، تتكاثر المنظمات والجمعيات المتلهفة إلى السرقة والنهب، كل ذلك تحت إشراف الدولة اللبنانية. حسنا، سأعترف، لو أستطيع أن أسرق، لكنت فعلت مثلهم، لاستحوذت على جميع الأموال التي تقدم إليهم. نعم سأسرقها وأرميها هناك، تحت تلك الأقدام التي تلهو في الطين.

--